أثارت حملة إلكترونية متداولة تحت عنوان «لست شجرة» جدلاً واسعاً في الأوساط السورية، بعدما تضمنت دعوات إلى مقاطعة أبناء الطائفة العلوية اجتماعياً واقتصادياً، على خلفية تحميلهم بصورة جماعية مسؤولية الانتهاكات التي ارتكبها نظام الرئيس السابق بشار الأسد وأفراد من أجهزته الأمنية.
وتراوحت المواد المنشورة ضمن الحملة بين دعوات إلى الامتناع عن التعامل التجاري والمهني مع العلويين، وعدم تأجيرهم العقارات أو استئجارها منهم، ورفض تشغيلهم أو شراء منتجاتهم، وصولاً إلى خطابات أكثر خطورة تضمنت تهديدات بالقتل والتهجير، وفق منشورات ومقاطع مصوّرة جرى تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي.
ولا تتوافر حتى الآن معلومات موثقة تحدد بصورة قاطعة الجهة التي أطلقت الحملة أو طبيعة التنظيم الذي يقف خلف انتشارها. إلا أن اتساع نطاق تداولها، وتكرار مضامينها، واحتواء بعضها على معلومات تفصيلية عن متاجر ومناطق يُقال إن أصحابها أو سكانها من العلويين، أثار مخاوف من انتقالها من مجرد خطاب إلكتروني متطرف إلى ممارسة منظمة تستهدف مكوّناً اجتماعياً على أساس هويته الطائفية.
من الجريمة الفردية إلى الاتهام الجماعي
تزامن تصاعد الحملة مع إعادة تداول معلومات تتعلق بمصير عائلة الطبيبة ولاعبة الشطرنج السورية رانيا العباسي، وربط اختفاء أطفالها بأمجد اليوسف، المتهم بالمشاركة في «مجزرة التضامن» التي وقعت عام 2013 في جنوب دمشق وذهب ضحيتها عشرات المدنيين.
وقد أثار الحديث عن القضية غضباً واسعاً ومطالبات بكشف مصير أفراد العائلة ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم المرتكبة بحقهم. غير أن هذا الغضب المشروع جرى توظيفه، لدى بعض الحسابات والجهات، لتبرير خطاب يعمم المسؤولية الجنائية على أبناء طائفة كاملة، بدلاً من حصرها بالأفراد المتورطين وإخضاعهم لتحقيقات ومحاكمات قانونية عادلة.
ويمثل هذا الانتقال من المطالبة بمحاسبة مرتكبي الجرائم إلى معاقبة جماعة اجتماعية بكاملها أحد أخطر أشكال التحريض، إذ يحوّل الانتماء الطائفي إلى قرينة اتهام، ويلغي الفوارق بين المسؤول المباشر عن الجريمة والمواطن الذي لا علاقة له بها.
كما أن بعض المعلومات المتداولة بشأن قضايا الاختفاء والقتل لا تزال بحاجة إلى تحقيق مستقل وشفاف. ولذلك، فإن استخدامها لإطلاق أحكام جماعية أو تبرير أعمال انتقامية لا يحقق العدالة للضحايا، بل قد يؤدي إلى إنتاج ضحايا جدد وإضعاف فرص الوصول إلى الحقيقة.
خطاب مقاطعة يتجاوز الاقتصاد
لم تقتصر الدعوات المتداولة على مقاطعة سلع أو مؤسسات مرتبطة بشخصيات متهمة بارتكاب انتهاكات، بل شملت الامتناع عن التعامل مع أطباء ومدرسين وسائقي سيارات أجرة وأصحاب متاجر لمجرد انتمائهم الطائفي المفترض.
ويكشف هذا النوع من الدعوات أن الهدف لا يتعلق بمساءلة شبكات اقتصادية أو أمنية مرتبطة بالنظام السابق، وإنما بعزل فئة من السوريين عن المجتمع وحرمانها من حقوقها المدنية والاقتصادية الأساسية.
وكان حساب يحمل اسم «أبو دجانة بن غياث»، والمعروف بخطابه الديني المتشدد، من أبرز المروجين للحملة، إذ نشر مواد تدعو إلى رفض التعامل مع العلويين بصورة شاملة. وأسهمت هذه المنشورات، إلى جانب محتوى مشابه نشرته حسابات أخرى، في توسيع نطاق الجدل بشأن دور الجماعات المتطرفة في تغذية الانقسامات السورية واستثمار مظالم الضحايا في مشاريع إقصائية.
ولا يمكن اعتبار مقاطعة الأفراد على أساس هويتهم الطائفية شكلاً مشروعاً من أشكال الاحتجاج السياسي. فالمقاطعة التي تستهدف جماعة دينية أو مذهبية بأكملها تتحول إلى ممارسة تمييزية، وقد تمهد لإجراءات أشد خطورة، مثل الفصل من العمل، والتهجير من الأحياء، والاستيلاء على الممتلكات، والاعتداء الجسدي.
من التحريض الإلكتروني إلى العنف الميداني
تزامن انتشار الحملة مع ورود تقارير عن حوادث أمنية واعتداءات طائفية في مناطق تضم تجمعات علوية، ولا سيما في محافظات حمص وحماة واللاذقية وطرطوس.
ومن بين الحوادث المتداولة، هجوم نفذه مسلحون على قرية تل سكين في ريف حماة، أُطلقت خلاله النار على محال تجارية، ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى، بينهم طفل. وتحتاج تفاصيل هذه الحوادث والجهات المسؤولة عنها إلى توثيق وتحقيق رسمي مستقل، لكن تزامنها مع تصاعد خطاب التحريض يثير مخاوف جدية بشأن العلاقة بين الكراهية المنتشرة في الفضاء الرقمي وأعمال العنف على الأرض.
ولا يعني هذا التزامن، من الناحية المهنية والقانونية، إمكان الجزم بوجود ارتباط تنظيمي مباشر بين الحملة وكل حادثة أمنية وقعت خلال الفترة نفسها. إلا أن التجارب السورية والدولية تؤكد أن التطبيع مع خطاب الكراهية يخلق بيئة تسمح بتبرير العنف، ويمنح المعتدين شعوراً بأن جرائمهم تحظى بقبول اجتماعي أو يمكن أن تمر من دون عقاب.
وعندما يُقدَّم أفراد جماعة كاملة بوصفهم أعداء أو شركاء في الجريمة، يصبح استهداف المدنيين أكثر سهولة، ويتراجع حضور القانون أمام منطق الثأر والانتقام.
مسؤولية الحكومة الانتقالية
أثار غياب موقف حكومي واضح تجاه الحملة انتقادات من ناشطين وحقوقيين سوريين، رأوا أن الصمت عن التحريض قد يُفهم بوصفه تساهلاً معه، خصوصاً في مرحلة انتقالية يفترض أن يكون تثبيت سيادة القانون وحماية جميع المواطنين من أولوياتها.
ولا تقتصر مسؤولية السلطات على إصدار بيانات عامة ترفض الطائفية، بل تشمل التحقيق في التهديدات الصريحة، وملاحقة من يدعو إلى القتل أو التهجير، وحماية الأفراد والمنشآت المستهدفة، ونشر نتائج التحقيقات في الجرائم ذات الطابع الطائفي بشفافية.
وفي الوقت نفسه، ينبغي ألا تتحول مكافحة خطاب الكراهية إلى ذريعة لقمع حرية التعبير أو منع النقاش بشأن الجرائم التي ارتكبها النظام السابق. فالتمييز ضروري بين توثيق الانتهاكات والمطالبة بمحاسبة مرتكبيها، وهو حق أساسي للضحايا، وبين التحريض على جماعة اجتماعية كاملة أو الدعوة إلى حرمان أفرادها من حقوقهم.
كما يتطلب التعامل مع هذه الظاهرة خطاباً رسمياً واضحاً يرفض العقاب الجماعي، ويؤكد أن المواطنة والحقوق لا تتوقفان على الانتماء الديني أو المذهبي أو المناطقي.
العدالة الانتقالية لا تعني الانتقام
حذرت الناشطة السورية فرح خير بيك من أن تعميم المسؤولية الجنائية وربطها بالانتماء الطائفي من شأنه تعميق الانقسام المجتمعي والإضرار بالسلم الأهلي، مؤكدة أن العدالة يجب أن تستند إلى المساءلة الفردية وسيادة القانون، لا إلى العقاب الجماعي.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في السياق السوري، حيث ارتبطت مؤسسات النظام السابق بشبكات أمنية وعسكرية واقتصادية واسعة، لكنها لم تكن ممثلة لطائفة بكاملها. كما أن سوريين من مختلف المكونات تعرضوا للقتل والاعتقال والتهجير، وشارك أفراد من خلفيات متعددة في الاحتجاجات وفي توثيق الانتهاكات ومقاومة القمع.
لذلك، فإن اختزال الصراع السوري في مواجهة بين طوائف لا يسيء فقط إلى الضحايا، بل يعيد إنتاج السردية التي استخدمها النظام السابق لتقديم نفسه حامياً للأقليات، ولتحويل المطالب السياسية إلى نزاع أهلي وهوياتي.
وتفترض العدالة الانتقالية الفاعلة تحديد المسؤوليات الفردية، وجمع الأدلة، وكشف مصير المفقودين، وتعويض المتضررين، وإصلاح المؤسسات الأمنية والقضائية. أما استبدال المحاكمة القانونية بالمقاطعة الطائفية أو الانتقام العشوائي، فلن يؤدي إلى بناء دولة عادلة، بل إلى إعادة تدوير العنف بأسماء وضحايا جدد.
اختبار لمستقبل الدولة السورية
تمثل حملة «لست شجرة» اختباراً لقدرة المجتمع والدولة في سوريا على الفصل بين حق الضحايا في العدالة وبين دعوات الانتقام الجماعي. كما تكشف هشاشة البيئة الاجتماعية بعد سنوات الحرب، وسهولة استثمار الألم والخوف في تعبئة طائفية قد تكون آثارها طويلة الأمد.
إن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب تحركاً متكاملاً يشمل تطبيق القانون، وحماية الفئات المهددة، وتعزيز الصحافة المهنية، وتطوير آليات لرصد التحريض الرقمي، وإطلاق خطاب وطني يعترف بجرائم الماضي من دون أن يحول الهوية الطائفية إلى تهمة.
فالدولة التي تسعى إلى تجاوز إرث الاستبداد والحرب لا يمكن أن تقوم على استبدال جماعة مهيمنة بأخرى، أو على نقل منطق العقاب الجماعي من طرف إلى آخر. والمحاسبة الحقيقية لا تتحقق بمقاطعة طبيب أو عامل أو تاجر بسبب طائفته، وإنما بمحاكمة كل من ارتكب جريمة بناءً على الأدلة، وضمان المساواة أمام القانون لجميع السوريين.
وفي ظل تصاعد المخاوف من انتشار خطاب الكراهية، يبقى موقف السلطات والمجتمع المدني والمؤسسات الدينية والإعلامية عاملاً حاسماً في تحديد المسار المقبل: إما ترسيخ المواطنة والعدالة الفردية، أو الانزلاق نحو دورة جديدة من الإقصاء والعنف يصعب احتواؤها.




