أظهرت تجربة روسية أولية أن مستحضراً مشتقاً من بكتيريا Lactobacillus brevis قد يسهم في تخفيف أعراض الاكتئاب والقلق لدى أشخاص يعانون من السمنة ومتلازمة التمثيل الغذائي، في نتيجة تعزز الاهتمام العلمي المتزايد بالعلاقة بين ميكروبيوم الأمعاء والصحة النفسية. إلا أن هذه النتائج ما تزال مبكرة، ولا تكفي لاعتماد المستحضر علاجاً بديلاً لمضادات الاكتئاب المعروفة.
أعلن باحثون من معهد علم الوراثة العامة التابع لأكاديمية العلوم الروسية، بالتعاون مع المركز الفيدرالي لبحوث التغذية والتكنولوجيا الحيوية، تطوير مستحضر تجريبي مستخلص من بكتيريا اللاكتوباسيلس بريفيس (Lactobacillus brevis)، أظهر نتائج واعدة في تخفيف الاكتئاب والقلق لدى مرضى مصابين بالسمنة.
وجرى عرض النتائج خلال المؤتمر العلمي متعدد التخصصات «المعلوماتية الحيوية لتنظيم الجينوم وبنيته والنظم البيولوجية»، المنعقد في جامعة نوفوسيبيرسك الروسية بين 6 و11 يوليو/تموز 2026.
وقال البروفيسور فاليري دانيلينكو، رئيس قسم الأسس الوراثية للتكنولوجيا الحيوية في معهد علم الوراثة العامة، إن المشروع تناول تقييم مستحضر ذي تأثير محتمل مضاد للاكتئاب، مشتق من بكتيريا Lactobacillus brevis، لدى مرضى يعانون من الاكتئاب المرتبط بالسمنة ومتلازمة التمثيل الغذائي.
وأشار إلى أن الاكتئاب اضطراب معقد ومتعدد الأوجه، وقد يترافق مع عدد كبير من الأمراض المزمنة، بما فيها الاضطرابات الأيضية وزيادة الوزن.
تحسن خلال 28 يوماً
شملت التجربة مجموعة من البالغين الشباب، تراوحت أعمارهم بين 34 و36 عاماً، وكانوا يعانون من السمنة وشُخّصوا بالاكتئاب أحادي القطب.
ويتميز الاكتئاب أحادي القطب بفترات مستمرة أو متكررة من المزاج المنخفض، وفقدان الاهتمام أو المتعة، والشعور باللامبالاة، وتراجع الطاقة والقدرة على أداء الأنشطة اليومية، من دون وجود نوبات هوس كما يحدث في الاضطراب ثنائي القطب.
وبعد تلقي المستحضر مدة 28 يوماً، أظهرت التقييمات انخفاض شدة أعراض الاكتئاب لدى المشاركين من المستوى المتوسط إلى المستوى الخفيف، إلى جانب تراجع مستويات القلق.
كما أفاد المشاركون، من خلال الاستبيانات المستخدمة في الدراسة، بتحسن وظائف الجهاز الهضمي، والحالة النفسية العامة، وبعض القدرات المعرفية.
محور الأمعاء والدماغ
تأتي هذه النتائج في سياق الاهتمام المتزايد بما يُعرف بـ«محور الأمعاء والدماغ»، وهو شبكة اتصال معقدة تربط الجهاز الهضمي بالجهاز العصبي المركزي من خلال مسارات عصبية ومناعية وهرمونية واستقلابية.
وتشير الأبحاث إلى أن البكتيريا الموجودة طبيعياً في الأمعاء قد تؤثر في إنتاج بعض المركبات والناقلات العصبية، وفي الاستجابة الالتهابية وتنظيم التوتر. ولذلك يدرس العلماء إمكان استخدام أنواع محددة من البروبيوتيك أو المنتجات البكتيرية بوصفها عوامل مساعدة في دعم الصحة النفسية.
ويطلق بعض الباحثين مصطلح «السيكوبيوتيك» على الكائنات الدقيقة أو المركبات المشتقة منها التي قد تؤثر إيجاباً في المزاج والسلوك والوظائف النفسية. ومع ذلك، لا تزال فعالية هذه التدخلات متفاوتة، وقد تختلف باختلاف السلالة البكتيرية والجرعة والحالة الصحية لكل مريض.
لماذا قد تكون السمنة عاملاً مهماً؟
ترتبط السمنة ومتلازمة التمثيل الغذائي باضطرابات في مستويات السكر والدهون وضغط الدم، وقد تترافق أيضاً مع التهاب مزمن منخفض الدرجة وتغيرات في تركيبة ميكروبيوم الأمعاء.
وتظهر دراسات عديدة وجود علاقة متبادلة بين السمنة والاكتئاب؛ إذ قد تزيد الاضطرابات النفسية من احتمالات الخمول وتغير العادات الغذائية وزيادة الوزن، بينما يمكن للمشكلات الأيضية والالتهابية المرتبطة بالسمنة أن تؤثر سلباً في الصحة النفسية.
ومن هذا المنطلق، قد يكون تحسين البيئة البكتيرية في الأمعاء أحد المسارات المحتملة للتأثير في الأعراض النفسية والجسدية معاً، لكن إثبات هذه الفرضية يتطلب دراسات سريرية أكثر صرامة.
نتائج واعدة لكن غير حاسمة
على الرغم من التحسن المسجل خلال التجربة، ينبغي التعامل مع النتائج بحذر. فالمعلومات المعلنة لم توضح عدد المشاركين، أو ما إذا كانت الدراسة تضمنت مجموعة تلقت علاجاً وهمياً، أو ما إذا جرى توزيع المرضى عشوائياً وتعمية الباحثين والمشاركين.
كما أن مدة العلاج، التي بلغت 28 يوماً، تعد قصيرة نسبياً لتقييم الاستجابة المستدامة في اضطرابات الاكتئاب، التي غالباً ما تتطلب متابعة أطول لرصد الانتكاسات والآثار الجانبية والتغيرات الوظيفية.
ولا تكفي الاستبيانات الذاتية وحدها لإثبات الفعالية السريرية، ما لم تُدعَم بمقاييس نفسية معتمدة وتقييمات طبية مستقلة ونتائج منشورة في مجلة علمية محكّمة.
ليس بديلاً للعلاج النفسي أو الدوائي
لا تعني هذه النتائج أن مستحضرات البروبيوتيك المتوافرة تجارياً يمكن استخدامها لعلاج الاكتئاب من دون إشراف طبي، كما لا يمكن افتراض أن جميع أنواع اللاكتوباسيلس تمنح التأثير نفسه.
فالخصائص العلاجية المحتملة ترتبط بالسلالة البكتيرية المحددة، وطريقة تحضير المستحضر، والجرعة، وقدرتها على البقاء أو إنتاج المركبات الفعالة. ولا يجوز تعميم النتائج الخاصة بـLactobacillus brevis على بقية المنتجات التي تحمل اسم «البروبيوتيك».
ويبقى العلاج المعتمد للاكتئاب قائماً على التقييم المتخصص، والعلاج النفسي، والأدوية المضادة للاكتئاب عند الحاجة، إلى جانب معالجة الأمراض المصاحبة وتحسين النوم والنشاط البدني والتغذية.
وقد يمثل المستحضر الروسي، في حال تأكدت نتائجه ضمن تجارب أكبر ومحكمة، علاجاً مساعداً ضمن خطة متكاملة، وليس بديلاً منفرداً للعلاجات المثبتة.
خطوة أولى تحتاج إلى إثبات
تسلط التجربة الضوء على اتجاه علمي واعد يسعى إلى فهم تأثير ميكروبيوم الأمعاء في الاضطرابات النفسية، خصوصاً لدى الأشخاص المصابين بالسمنة والمشكلات الأيضية.
لكن الانتقال من نتيجة تجريبية أولية إلى دواء معتمد يتطلب تحديد آلية عمل المستحضر بدقة، واختبار سلامته وفعاليته على أعداد أكبر من المرضى، ومقارنته بالعلاج الوهمي والعلاجات القياسية، إلى جانب دراسة تأثيره على المدى الطويل.
وحتى صدور بيانات سريرية منشورة ومراجعة علمياً، يظل المستحضر المشتق من Lactobacillus brevis مرشحاً بحثياً مثيراً للاهتمام، وليس علاجاً مثبتاً للاكتئاب.





