في أعماق المحيط الهادئ، بعيدًا عن أعين البشر، تتشكل ظاهرة مناخية قادرة على إعادة رسم خريطة الطقس في العالم بأسره. ارتفاع طفيف في حرارة مياه المحيط قد يبدو حدثًا عاديًا، لكنه في الواقع يمثل بداية سلسلة من التغيرات التي قد تنتهي بفيضانات مدمرة في بعض الدول، وجفاف قاسٍ في أخرى، وحرائق غابات، وموجات حر غير مسبوقة تهدد الأمن الغذائي والاقتصادي لملايين البشر.
هذه الظاهرة تُعرف باسم النينيو (El Niño)، وهي واحدة من أكثر الظواهر المناخية تأثيرًا على كوكب الأرض، إذ تؤدي إلى اضطراب واسع في أنماط الطقس العالمية كلما عادت للظهور.
ما هي ظاهرة النينيو؟
النينيو ظاهرة مناخية طبيعية تحدث عندما ترتفع درجات حرارة المياه السطحية في المناطق الاستوائية من المحيط الهادئ إلى مستويات أعلى من معدلاتها الطبيعية. ولا يقتصر الأمر على بقعة صغيرة من المياه، بل يشمل مساحة تمتد لآلاف الكيلومترات، ما يجعل تأثيرها يتجاوز حدود المحيط ليطال معظم قارات العالم.
ويحدث ذلك نتيجة ضعف الرياح التجارية التي تدفع عادة المياه الدافئة نحو غرب المحيط الهادئ، فتنتشر هذه المياه شرقًا، مسببة تغيرًا في حركة الغلاف الجوي وتوزيع الأمطار والحرارة على نطاق عالمي.
عودة قوية تثير قلق العلماء
أعلنت الإدارة الوطنية الأمريكية للمحيطات والغلاف الجوي (NOAA) رسميًا عودة ظاهرة النينيو بعد أشهر من ارتفاع درجات حرارة سطح البحر في المحيط الهادئ الاستوائي. وتشير البيانات الحديثة إلى أن الغلاف الجوي بدأ بالفعل يستجيب لهذا الاحترار، وهو ما يعني أن الظاهرة دخلت مرحلة أكثر اكتمالًا وقدرة على التأثير.
ويتوقع خبراء المناخ أن تستمر النينيو في التزايد خلال الأشهر المقبلة، مع احتمال تحولها إلى واحدة من أقوى النسخ المسجلة، خاصة في ظل استمرار ارتفاع حرارة الأرض الناتج عن التغير المناخي.
لماذا يخشى العلماء “النينيو الفائقة”؟
تكمن خطورة النينيو في أنها تتزامن مع مرحلة يشهد فيها العالم ارتفاعًا قياسيًا في درجات الحرارة بسبب الانبعاثات الكربونية. ولذلك، فإن اجتماع الاحترار العالمي مع ظاهرة نينيو قوية قد يدفع درجات الحرارة العالمية إلى مستويات غير مسبوقة، ويزيد من احتمالية تسجيل سنوات تعد الأكثر حرارة منذ بدء السجلات المناخية.
ويرى علماء المناخ أن هذا السيناريو قد يؤدي إلى تجاوز مؤقت أو حتى طويل الأمد لمستوى 1.5 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية، وهو الحد الذي يحذر العلماء من أن تجاوزه يزيد من مخاطر التغيرات المناخية الحادة.
اضطرابات مناخية تمتد عبر القارات
لا تتوزع تأثيرات النينيو بالتساوي حول العالم، بل تختلف من منطقة إلى أخرى. ففي الوقت الذي تشهد فيه بعض الدول أمطارًا غزيرة وفيضانات مدمرة، تعاني مناطق أخرى من موجات جفاف طويلة وارتفاع شديد في درجات الحرارة.
ففي أمريكا الجنوبية وشرق أفريقيا قد تتزايد معدلات الأمطار بصورة كبيرة، بينما تواجه أستراليا وجنوب شرق آسيا وأجزاء من أفريقيا انخفاضًا في الهطول المطري، ما يزيد من خطر حرائق الغابات ويؤثر في الموارد المائية والإنتاج الزراعي.
كما يمكن أن تؤدي الظاهرة إلى اضطراب الرياح الموسمية التي يعتمد عليها ملايين السكان في آسيا وأفريقيا، الأمر الذي يهدد مواسم الزراعة ويؤثر في الأمن الغذائي العالمي.
انعكاسات اقتصادية وإنسانية
لا تقتصر آثار النينيو على الطقس فقط، بل تمتد إلى الاقتصاد العالمي. فالجفاف يؤدي إلى تراجع إنتاج المحاصيل الزراعية، بينما تتسبب الفيضانات في إتلاف الأراضي الزراعية والبنية التحتية، وهو ما ينعكس في صورة ارتفاع أسعار الغذاء وزيادة الضغوط الاقتصادية على الدول، خصوصًا تلك التي تعتمد على الزراعة كمصدر رئيسي للدخل.
كما تؤدي موجات الحر إلى زيادة الطلب على الطاقة والمياه، وترفع معدلات الإصابة بالأمراض المرتبطة بارتفاع درجات الحرارة، مما يشكل تحديًا إضافيًا للأنظمة الصحية.
دروس من الماضي
شهد العالم عدة أحداث قوية للنينيو، كان أبرزها خلال عامي 1997–1998 و2015–2016، حيث تسببت في خسائر اقتصادية هائلة، وأزمات غذائية، وجفاف وفيضانات أثرت في عشرات الملايين من الأشخاص.
وتؤكد هذه التجارب أن آثار النينيو لا تقتصر على الدول المطلة على المحيط الهادئ، بل تمتد عبر سلاسل متشابكة من التأثيرات الاقتصادية والبيئية لتطال العالم بأسره.
هل العالم أكثر استعدادًا اليوم؟
رغم امتلاك الدول أنظمة متطورة لرصد الظواهر المناخية، وأقمارًا صناعية وتقنيات حديثة للتنبؤ المبكر، فإن التحديات الحالية تبدو أكبر من أي وقت مضى. فالتغير المناخي، وارتفاع حرارة المحيطات، وتزايد الظواهر الجوية المتطرفة، كلها عوامل تضاعف من تأثير النينيو وتجعل التعامل معها أكثر تعقيدًا.
ويرى خبراء المناخ أن الحد من المخاطر يتطلب تعزيز أنظمة الإنذار المبكر، وتحسين إدارة الموارد المائية، ودعم الزراعة المقاومة للجفاف، إلى جانب تسريع الجهود الدولية للحد من انبعاثات الغازات الدفيئة.
قد تبدأ النينيو بارتفاع في حرارة مياه المحيط الهادئ، لكنها لا تبقى حبيسة المحيط. فخلال أشهر قليلة، يمكن أن تتحول إلى عامل مؤثر في حياة ملايين البشر، من خلال تغيير أنماط الأمطار، وتهديد المحاصيل، ورفع درجات الحرارة، وإحداث اضطرابات اقتصادية وإنسانية واسعة. وفي عالم يواجه أصلًا تحديات التغير المناخي، تبدو مراقبة هذه الظاهرة والاستعداد لتداعياتها ضرورة علمية وإنسانية لا تحتمل التأجيل.





