أكد العراق تمسكه بعضويته في منظمة البلدان المصدرة للبترول «أوبك»، في محاولة لإنهاء التكهنات بشأن احتمال انسحابه من المنظمة، لكنه أبقى في الوقت نفسه ملف حصته الإنتاجية مفتوحًا، مطالبًا بما وصفه رئيس الوزراء علي الزيدي بحصة «عادلة ومنصفة».
ويعكس الموقف العراقي معادلة اقتصادية دقيقة: بغداد تحتاج إلى إنتاج وتصدير كميات أكبر من النفط لتمويل الموازنة ومشروعات الإعمار والخدمات، لكنها تدرك أن الخروج من «أوبك» أو إضعاف نظام حصص الإنتاج قد يؤدي إلى زيادة المعروض العالمي وانخفاض الأسعار، بما قد يقلص الإيرادات بدل زيادتها.
وقال الزيدي إن العراق، باعتباره من الدول المؤسسة للمنظمة، لن ينسحب منها، لكنه سيواصل المطالبة بإعادة تقييم حصته الإنتاجية. وجاء التصريح بعد تقارير أفادت بأن بغداد درست احتمال الانسحاب إذا لم تحصل على مساحة أكبر لرفع الإنتاج.
لماذا يريد العراق حصة أكبر؟
لا ترتبط مطالبة العراق بزيادة حصته بطموح نفطي مجرد، بل بضغوط مالية مباشرة تواجه الدولة.
فالاقتصاد العراقي لا يزال شديد الاعتماد على النفط، الذي مثّل في عام 2025 نحو 53% من الناتج المحلي الحقيقي، و88% من الإيرادات الحكومية، و91% من صادرات السلع، وفق تقديرات البنك الدولي. ولذلك، فإن أي خفض في الإنتاج أو تراجع في الأسعار ينتقل سريعًا إلى الموازنة والإنفاق العام والنشاط الاقتصادي.
وعندما يخفض العراق إنتاجه امتثالًا لاتفاقات «أوبك+»، لا تتراجع عائدات الصادرات فقط، بل تتقلص أيضًا قدرة الحكومة على تمويل الرواتب والاستثمارات العامة ومشروعات الكهرباء والمياه والنقل.
ويزداد هذا الضغط لأن القطاع العام يمثل المحرك الأكبر للاقتصاد، فيما لا يزال القطاع الخاص عاجزًا عن تعويض تراجع الإنفاق الحكومي. وقد حذر صندوق النقد الدولي من أن انخفاض الإيرادات النفطية والقيود التمويلية يضغطان على النشاط الاقتصادي، مشيرًا إلى أن سعر النفط اللازم لموازنة الموازنة العراقية ارتفع من نحو 54 دولارًا للبرميل عام 2020 إلى قرابة 84 دولارًا عام 2024.
وهذا يعني أن العراق بات يحتاج إلى أسعار أعلى أو كميات تصدير أكبر للحفاظ على مستوى الإنفاق نفسه، خصوصًا مع تضخم فاتورة الأجور والالتزامات الاجتماعية والمشروعات الحكومية.
زيادة الإنتاج لا تعني دائمًا زيادة الإيرادات
من المنظور العراقي، تبدو المعادلة مباشرة: كل برميل إضافي يمكن تصديره يوفر إيرادات جديدة للخزانة. لكن الحساب الاقتصادي على مستوى السوق النفطية أكثر تعقيدًا.
إذا زاد العراق ودول أخرى إنتاجها بصورة كبيرة، فقد يؤدي ارتفاع المعروض إلى الضغط على الأسعار العالمية. وفي هذه الحالة، يمكن أن تبيع بغداد كميات أكبر بسعر أقل، من دون أن تحقق زيادة مماثلة في الإيرادات.
فعلى سبيل المثال، إذا صدر العراق أربعة ملايين برميل يوميًا بسعر 80 دولارًا، تبلغ الإيرادات الإجمالية النظرية نحو 320 مليون دولار يوميًا. وإذا رفع صادراته بنسبة 10% لكن السعر انخفض بنسبة مماثلة، فإن الزيادة في العائدات ستكون محدودة للغاية، وقد تختفي بعد احتساب تكاليف الإنتاج والنقل والاستثمار.
من هنا تأتي أهمية «أوبك» بالنسبة إلى المنتجين. فالمنظمة لا تمنح أعضاءها الحق في الإنتاج فقط، بل تحاول إدارة المعروض للحفاظ على مستوى سعري يحقق إيرادات مناسبة للدول المنتجة.
والانسحاب قد يمنح العراق حرية إنتاجية أكبر، لكنه سيحرمه من التأثير الجماعي في السوق، وقد يدفع دولًا أخرى إلى الدفاع عن حصصها من خلال زيادة الإنتاج أيضًا.
ما المقصود بالحصة «العادلة»؟
يرى العراق أن حصته الحالية لا تعكس بالكامل حجم احتياطياته النفطية ولا قدرته الإنتاجية التي توسعت بفضل الاستثمارات في الحقول الجنوبية والشمالية.
ويمكن لبغداد أن تجادل بأن الدول التي استثمرت مليارات الدولارات في رفع طاقتها الإنتاجية يجب أن تحصل على حصص تتناسب مع تلك القدرات. كما أن العراق يواجه احتياجات تنموية وإعمارية كبيرة نتيجة عقود من الحروب والاضطرابات وضعف البنية التحتية.
لكن تحديد الحصص داخل «أوبك+» لا يعتمد على الاحتياطيات أو الاحتياجات المالية وحدها، بل على خطوط أساس الإنتاج والقدرات المستدامة ومستويات الالتزام السابقة وأوضاع السوق.
وهنا يواجه العراق مشكلة تفاوضية إضافية، تتمثل في سجله المتكرر في تجاوز الأهداف الإنتاجية المتفق عليها، ما دفع التحالف في فترات سابقة إلى مطالبته بتقديم خطط لتعويض الكميات الزائدة من خلال تخفيضات لاحقة.
لذلك، فإن الحصول على حصة أكبر قد يتطلب من بغداد أولًا تعزيز صدقيتها داخل التحالف، وتحسين قياس الإنتاج، والالتزام الدقيق بالمستويات المتفق عليها.
زيادة «أوبك+» لا تذهب كلها إلى العراق
قرر عدد من أعضاء «أوبك+» إعادة نحو 188 ألف برميل يوميًا من التخفيضات الطوعية إلى السوق ضمن تعديل إنتاجي جديد. لكن هذا الرقم يمثل زيادة جماعية موزعة بين الدول المشاركة، وليس زيادة مخصصة بالكامل للعراق.
وبالتالي، سيكون نصيب العراق من الزيادة أقل بكثير من 188 ألف برميل يوميًا، ولن يكون كافيًا وحده لمعالجة الضغوط المالية أو استيعاب الطاقة الجديدة التي تسعى بغداد إلى إضافتها من خلال تطوير الحقول.
كما أن القرارات الإنتاجية قابلة للتعديل أو التعليق إذا ضعفت الأسعار أو تباطأ الطلب العالمي. وقد خفضت «أوبك» تقديراتها لنمو الطلب على النفط خلال 2026، ما يعكس تحديات السوق التي يجب أخذها في الاعتبار عند المطالبة بإطلاق كميات أكبر.
حقل حمرين وتوسيع القدرة الإنتاجية
بالتزامن مع النقاش بشأن الحصص، وقع العراق اتفاقًا مع شركة «إتش كيه إن إنرجي» الأميركية لتطوير حقل حمرين النفطي.
ويستهدف المشروع رفع الطاقة الإنتاجية القصوى للحقل إلى نحو 140 ألف برميل يوميًا، إلى جانب إنتاج قرابة 40 مليون قدم مكعبة قياسية من الغاز يوميًا.
ويحمل المشروع أهمية اقتصادية تتجاوز كمية النفط المضافة. فتطوير الحقل يمكن أن يجذب استثمارات جديدة إلى شمال العراق، ويوفر فرص عمل، وينشط الخدمات المرتبطة بالحفر والنقل والصيانة والمعدات.
أما إنتاج الغاز، فيمثل عنصرًا مهمًا لقطاع الطاقة، خصوصًا إذا استخدم في تشغيل المنشآت أو توليد الكهرباء بدل حرقه في الهواء. ويمكن لاستثمار الغاز المصاحب أن يقلل الهدر، ويحد من الانبعاثات، ويدعم خطط العراق لتقليل اعتماده على واردات الغاز والطاقة.
لكن الوصول إلى الطاقة المستهدفة يتطلب استثمارات في الآبار والمنشآت السطحية وخطوط الأنابيب والمعالجة والتخزين. كما أن الطاقة الإنتاجية المعلنة تمثل مستوى مستهدفًا عند اكتمال التطوير، ولا تعني أن الحقل سيضيف 140 ألف برميل يوميًا فور توقيع الاتفاق.
مفارقة الاستثمار تحت سقف الحصص
يكشف مشروع حمرين عن مفارقة تواجه السياسة النفطية العراقية.
فالحكومة تستقطب شركات أجنبية وتوقع عقودًا لرفع القدرة الإنتاجية، لكنها لا تستطيع تشغيل كل هذه القدرة أو تصديرها بالكامل إذا بقيت ملزمة بحصص «أوبك+».
وقد يؤدي هذا الوضع إلى امتلاك العراق طاقة إنتاجية فائضة غير مستخدمة. وهذه الطاقة ليست عديمة القيمة؛ إذ تمنح البلاد مرونة لتعويض تراجع الإنتاج في حقول قديمة أو الاستجابة لزيادة الحصة مستقبلًا. لكنها تظل مكلفة لأن تطويرها يتطلب رأسمالًا كبيرًا.
كما قد تثير القيود الإنتاجية خلافات مع الشركات الأجنبية إذا كانت عوائدها مرتبطة بالكميات المنتجة. فالشركة التي تستثمر في رفع الإنتاج تحتاج إلى وضوح بشأن قدرتها على تشغيل الحقل واسترداد التكاليف.
ولذلك، يجب أن تراعي العقود النفطية الجديدة سيناريوهات خفض الإنتاج، وأن تحدد بوضوح توزيع المخاطر بين الدولة والمستثمر عندما تمنع التزامات «أوبك+» تشغيل الحقول بطاقتها الكاملة.
الشراكة الأميركية ورسالة تنويع العلاقات
يأتي الاتفاق مع «إتش كيه إن إنرجي» ضمن تحرك عراقي أوسع لتوسيع الشراكات الاقتصادية مع الولايات المتحدة، خصوصًا في النفط والغاز والكهرباء والتكنولوجيا والتمويل.
وتسعى بغداد من خلال هذا التوجه إلى جذب رأس المال والتكنولوجيا الأميركية، وتحقيق قدر أكبر من التوازن في علاقاتها الخارجية، بدل الاعتماد على شريك دولي أو إقليمي واحد.
لكن توسيع التعاون مع الولايات المتحدة لا يلغي أهمية العلاقات العراقية مع إيران، التي ترتبط بالعراق تجاريًا وطاقيًا وسياسيًا. ولذلك، تحاول بغداد تقديم الشراكات الأميركية باعتبارها خيارًا اقتصاديًا وتنمويًا، لا انتقالًا كاملًا من محور سياسي إلى آخر.
ومن وجهة نظر المستثمرين، لن يكون نجاح الشراكة مرتبطًا بالتصريحات السياسية وحدها، بل بقدرة العراق على توفير بيئة تعاقدية مستقرة، وضمان أمن المنشآت، وتسريع الإجراءات، وتحسين النظام المصرفي وآليات تحويل الأموال.
هل الانسحاب من أوبك خيار واقعي؟
نظريًا، يمكن لأي دولة أن تغادر المنظمة وتسعى إلى إنتاج الكمية التي تناسبها. لكن هذا الخيار يحمل مخاطر كبيرة بالنسبة إلى العراق.
أولًا، لا يملك العراق حاليًا مرونة تصديرية غير محدودة. فزيادة الإنتاج تحتاج إلى توسعة منشآت التخزين والموانئ وخطوط الأنابيب، إلى جانب توفير المياه والطاقة اللازمة للحقول.
ثانيًا، يعتمد العراق بدرجة كبيرة على السوق النفطية المستقرة. وقد يضر انهيار الأسعار به أكثر من بعض المنتجين الذين يمتلكون احتياطيات مالية أكبر أو اقتصادات أكثر تنوعًا.
ثالثًا، يمنح البقاء داخل «أوبك» بغداد منصة للتفاوض والتأثير في القرارات، بينما قد يؤدي الخروج إلى فقدان هذا النفوذ من دون ضمان الحصول على إيرادات أعلى.
لذلك، يبدو موقف الحكومة القائم على البقاء والمطالبة بتعديل الحصة أكثر عقلانية من الناحية الاقتصادية مقارنة بخيار الانسحاب.
المشكلة أعمق من الحصة
رغم وجاهة المطالب العراقية، فإن التركيز على زيادة الحصة قد يحجب المشكلة الأساسية: العراق لا يعاني من نقص الموارد النفطية، بل من شدة اعتماده عليها.
فحتى إذا حصلت بغداد على حصة أكبر ورفعت صادراتها، ستظل الموازنة عرضة لانخفاض الأسعار وإغلاق طرق التصدير وتراجع الطلب العالمي.
ويشير صندوق النقد الدولي إلى أن معالجة الاختلالات تتطلب السيطرة على الإنفاق الجاري، وحماية الاستثمارات المنتجة، وزيادة الإيرادات غير النفطية، وتطوير الكهرباء والغاز والبنية التحتية التي تدعم تنويع الاقتصاد.
ومن دون هذه الإصلاحات، قد تتحول أي زيادة جديدة في الإيرادات إلى توسع إضافي في الرواتب والنفقات التشغيلية، بدل استخدامها لبناء قطاعات إنتاجية تقلل الاعتماد على النفط.
بين برميل إضافي وإصلاح مؤجل
يحقق تمسك العراق بـ«أوبك» مصلحة اقتصادية واضحة، لأنه يحافظ على دوره داخل المنظومة التي تدير جانبًا كبيرًا من إمدادات النفط العالمية. وفي المقابل، تعكس المطالبة بحصة أكبر حاجة فعلية إلى تمويل الاقتصاد واستغلال الاستثمارات الجديدة في الحقول.
لكن نجاح السياسة العراقية لا يقاس بعدد البراميل التي يسمح للعراق بإنتاجها فقط، بل بكيفية استخدام عائداتها.
وإذا أسهم تطوير حقل حمرين وغيره من المشروعات في زيادة إنتاج الغاز، وتحسين الكهرباء، وتطوير الصناعات المرتبطة بالطاقة، فقد يكون أثرها أوسع من مجرد رفع الصادرات.
أما إذا اقتصر الهدف على بيع مزيد من الخام لتمويل نفقات متزايدة، فستبقى البلاد تدور في الحلقة نفسها: موازنة تحتاج إلى نفط أكثر، واقتصاد يصبح مع كل زيادة في الإنتاج أكثر اعتمادًا عليه.
وبذلك، لا تتمثل المعضلة العراقية الحقيقية في الاختيار بين البقاء في «أوبك» أو مغادرتها، بل في تحقيق توازن بين الدفاع عن حصته النفطية واستثمار العائدات لبناء اقتصاد يستطيع يومًا ما العمل من دون أن تحدد حصص الإنتاج حجم إنفاقه ونموه.




