هيمنة بكين لا تقوم على المناجم وحدها، بل على حلقات الفصل والتكرير وصناعة المغناطيسات، ما يمنحها قدرة على تعطيل قطاعات صناعية تتجاوز قيمتها تريليونات الدولارات
على الجبهة الأكثر حساسية في الحروب التجارية والتكنولوجية، لا تحتاج الصين إلى وقف تصدير السيارات أو الرقائق الإلكترونية كي تربك الاقتصادات المنافسة. يكفي أن تضيق تدفقات مجموعة محدودة من العناصر الأرضية النادرة والمعادن الحرجة، حتى تواجه مصانع السيارات والطائرات والأسلحة والروبوتات ومراكز البيانات صعوبة في مواصلة الإنتاج.
وحتى منتصف تموز/يوليو 2026، لم تعد المخاوف من استخدام بكين هذه المواد أداة ضغط اقتصادي مجرد سيناريو افتراضي. فقد تحولت القيود الصينية المتراكمة منذ عام 2023 إلى نقص فعلي في بعض الأسواق، وتأخيرات في التوريد، وتوقف جزئي لخطوط إنتاج، وقفزات استثنائية في أسعار المعادن والمغناطيسات المتخصصة.
وتحذر وكالة الطاقة الدولية من أن التطبيق الكامل للقيود الصينية قد يعرّض إنتاجاً صناعياً خارج الصين بقيمة تصل إلى 6.5 تريليونات دولار سنوياً للخطر. ولا يقتصر هذا التعرض على الصناعات الدفاعية أو المتقدمة، بل يمتد إلى السيارات والطيران والإلكترونيات والسكك الحديدية والطاقة المتجددة والبطاريات ومراكز البيانات.
هكذا أصبحت المعادن الحرجة بمثابة «رقائق النفط» في الاقتصاد الصناعي الحديث: كمياتها المستخدمة في كل منتج قد تكون محدودة، لكن غيابها قادر على إيقاف منظومة إنتاج كاملة.
منجم القوة الحقيقي
بلغ الإنتاج العالمي من العناصر الأرضية النادرة نحو 390 ألف طن في عام 2025، أنتجت الصين منها قرابة 270 ألف طن، أي نحو 69% من الإجمالي العالمي.
كما تمتلك بكين احتياطيات تقدر بنحو 44 مليون طن من إجمالي عالمي يتجاوز 75 مليون طن، بما يعادل نحو 59% من الاحتياطيات المعروفة.
لكن النظر إلى حجم الإنتاج أو الاحتياطيات وحده لا يكشف العمق الحقيقي للهيمنة الصينية. فالقوة الأهم توجد في الحلقة الوسطى من سلسلة التوريد: فصل المعادن وتكريرها وتحويلها إلى أكاسيد وسبائك ومساحيق ومغناطيسات دائمة قابلة للاستخدام الصناعي.
في عام 2025، كانت الصين مسؤولة عن نحو 85% من عمليات الفصل والتكرير العالمية للعناصر الأرضية النادرة، بعدما تجاوزت حصتها 90% في عام 2023. وتشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية إلى أن بكين تتصدر تكرير 19 معدناً من أصل 20 معدناً استراتيجياً شملها تحليل الوكالة، بمتوسط حصة يناهز 70%.
وهذا يعني أن استخراج الخام خارج الصين لا يضمن استقلال سلسلة التوريد عنها. فقد يُستخرج المعدن في الولايات المتحدة أو أستراليا أو أفريقيا، ثم يُرسل إلى منشآت صينية أو مرتبطة بتكنولوجيا صينية لفصله ومعالجته وتحويله إلى مادة صناعية قابلة للاستخدام.
تكمن نقطة الاختناق، إذاً، في المصانع والمختبرات والخبرات التقنية، لا في المناجم وحدها. ويمكن افتتاح منجم جديد خلال سنوات، لكن بناء منظومة متكاملة للفصل الكيميائي والتكرير وإنتاج المغناطيسات بالجودة والكلفة المطلوبتين يحتاج إلى وقت أطول واستثمارات أكبر وكفاءات فنية يصعب توفيرها سريعاً.
قيود تتوسع بصورة تدريجية
بدأت الصين منذ عام 2023 بتوسيع منظومة الرقابة على صادرات المعادن والمواد الاستراتيجية، بالتوازي مع تصاعد القيود الأميركية والغربية على وصولها إلى الرقائق الإلكترونية المتقدمة ومعدات تصنيع أشباه الموصلات.
وخلال فترة قصيرة، تضاعف عدد رموز السلع المعدنية الخاضعة للرقابة الصينية بنحو ثلاث مرات. وشملت الإجراءات في مراحلها الأولى الغاليوم والجرمانيوم والغرافيت والأنتيمون، وهي مواد تستخدم في أشباه الموصلات والبطاريات والاتصالات والصناعات الدفاعية.
وفي شباط/فبراير 2025، فرضت بكين رقابة على 25 منتجاً وتقنية مرتبطة بخمس مجموعات معدنية هي التنغستن والتيلوريوم والبزموت والموليبدينوم والإنديوم.
وبررت وزارة التجارة الصينية هذه الإجراءات بالطبيعة مزدوجة الاستخدام لتلك المواد، وبإمكان دخول منتجاتها النهائية في تطبيقات عسكرية أو صناعات مرتبطة بالأمن القومي.
وجاء التصعيد الأبرز في 4 نيسان/أبريل 2025، عندما أخضعت الصين سبعة عناصر أرضية نادرة متوسطة وثقيلة لنظام تراخيص تصدير جديد، وهي الساماريوم والغادولينيوم والتربيوم والديسبروسيوم واللوتيتيوم والسكانديوم والإيتريوم.
ولم تقتصر الرقابة على المعادن الخام، بل شملت الأكاسيد والسبائك والمساحيق والمغناطيسات الدائمة التي تحتوي على تلك العناصر. وأصبح على المصدرين تقديم معلومات مفصلة عن طبيعة المنتج والمشتري والمستخدم النهائي والغرض المتوقع من الاستخدام، قبل الحصول على موافقة السلطات.
وفي تشرين الأول/أكتوبر 2025، أعلنت بكين توسيع القيود لتشمل خمسة عناصر إضافية، إلى جانب منتجات مصنعة خارج الصين تحتوي على مواد صينية أو تعتمد على تقنيات صينية في إنتاجها.
وعلى الرغم من تعليق تطبيق جزء من هذه التوسعة لمدة عام، حتى تشرين الثاني/نوفمبر 2026، بقيت ضوابط نيسان/أبريل 2025 نافذة. كما شددت الصين في كانون الثاني/يناير 2026 الرقابة على السلع مزدوجة الاستخدام المتجهة إلى اليابان، في مؤشر إلى إمكان استخدام التراخيص بطريقة تستهدف دولاً أو أسواقاً محددة.
بين الأمن القومي والضغط الاقتصادي
تؤكد الحكومة الصينية أن القيود قانونية ومتوافقة مع اعتبارات الأمن القومي ومنع الانتشار العسكري، وأن طلبات التصدير المتعلقة بالاستخدامات المدنية تحصل على التراخيص عندما تستوفي الشروط.
لكن الشركات الغربية ترى أن جوهر المشكلة لا يكمن في وجود نظام تراخيص بحد ذاته، بل في بطء الموافقات، وعدم القدرة على التنبؤ بتوقيتها، والتفاوت في المعاملة بين الدول والمستخدمين النهائيين.
فبدلاً من إعلان حظر شامل قد يثير اعتراضات قانونية وتجارية واسعة، تستطيع بكين إدارة التدفقات من خلال التأخير والانتقاء وتحديد الكميات والوجهات. وبهذه الطريقة، تظل الصادرات مستمرة على المستوى الإجمالي، بينما تعاني قطاعات أو دول معينة نقصاً حاداً في مواد محددة.
هذا النمط من «الخنق الانتقائي» قد يكون أكثر فعالية من الحظر الكامل، لأنه يسمح للصين بالحفاظ على عائدات التصدير، وتجنب الظهور بمظهر الدولة التي أوقفت التجارة الدولية، مع الاحتفاظ بقدرة كبيرة على ممارسة الضغط.
صادرات قائمة… وندرة فعلية
خلال السنة التي تلت قيود نيسان/أبريل 2025، بقيت صادرات الإيتريوم والديسبروسيوم والتربيوم أقل بنحو 50% من مستوياتها السابقة.
وكان التوزيع بين الأسواق شديد التفاوت. فقد حصلت اليابان على نحو 4% فقط من كمية الديسبروسيوم التي كانت تستوردها قبل القيود، في حين لم تتلق ألمانيا أي شحنات منه خلال بعض الفترات.
وانعكس هذا النقص سريعاً على الأسعار. فقفزت أسعار الديسبروسيوم والتربيوم خارج الصين إلى ما بين أربعة وخمسة أضعاف مستوياتها السابقة، بينما ارتفع سعر الإيتريوم في بعض المعاملات إلى مستويات استثنائية بلغت نحو 140 ضعفاً.
كما أصبح بعض المصنعين يدفعون مقابل المغناطيسات الأرضية النادرة أسعاراً تزيد بنحو ثلاثة أضعاف على مستويات ما قبل القيود.
وتكشف هذه الفجوة السعرية بين السوق الصينية والأسواق الخارجية عن طبيعة النفوذ الذي تمتلكه بكين. فالشركات الصناعية خارج الصين لا تواجه فقط ارتفاع كلفة المواد، بل تواجه أيضاً صعوبة في ضمان وصولها في الوقت والكمية المناسبين، ما يدفعها إلى زيادة المخزونات وتعطيل خطط الإنتاج وتحمل كلف تمويل إضافية.
لماذا لا يمكن تعويض هذه المعادن بسهولة؟
تستخدم العناصر الأرضية النادرة بكميات صغيرة نسبياً في المنتج النهائي، لكن وظائفها غالباً لا يمكن استبدالها من دون خسارة في الأداء أو زيادة في الوزن والكلفة واستهلاك الطاقة.
يستخدم الديسبروسيوم والتربيوم، على سبيل المثال، في تقوية مغناطيسات النيوديميوم ومساعدتها على الحفاظ على أدائها في درجات الحرارة المرتفعة. وتدخل هذه المغناطيسات في محركات السيارات الكهربائية وتوربينات الرياح والروبوتات والطائرات المسيّرة وأنظمة التوجيه والأسلحة الدقيقة.
أما الإيتريوم، فيستخدم في طلاءات حرارية متقدمة تحمي شفرات توربينات الطائرات من درجات الحرارة العالية، فضلاً عن تطبيقاته في الإلكترونيات والليزر والسيراميك الصناعي.
لذلك، لا يمكن لمصنع طائرات أن يعوض غياب هذه المواد بمجرد شراء كمية أكبر من معدن آخر. فأي بديل يحتاج إلى إعادة تصميم المنتج، وإجراء اختبارات جودة وسلامة، والحصول على اعتمادات تنظيمية جديدة، وهي عملية قد تستغرق سنوات.
وقد دفعت الاختناقات شركات طيران أميركية إلى تعليق أجزاء من إنتاجها موقتاً، فيما خفضت شركات سيارات معدلات التشغيل أو أوقفت بعض الخطوط لفترات قصيرة.
ووصف مجلس الأعمال الأميركي–الصيني الحصول على بعض المعادن بأنه أصبح «شبه متعذر». كما أظهر مسح للشركات المتضررة أن 29% منها بدأت بالفعل الانتقال إلى موردين من خارج الصين، بينما تبحث 47% عن بدائل من دون أن تتمكن حتى الآن من العثور على خيار قابل للاستخدام تجارياً.
تريليونات الدولارات أمام نقطة اختناق صغيرة
تقدر وكالة الطاقة الدولية أن التطبيق الكامل للضوابط الصينية قد يعرّض أكثر من ثلاثة تريليونات دولار من إنتاج قطاع السيارات خارج الصين للخطر، فضلاً عن إنتاج قطاعات الإلكترونيات والطيران والدفاع والقطارات ومراكز البيانات.
وتتجاوز درجة تعرض كل من الولايات المتحدة وأوروبا 1.5 تريليون دولار، بينما قد يؤدي انقطاع الغرافيت المخصص للبطاريات إلى تهديد إنتاج إضافي تتجاوز قيمته 300 مليار دولار سنوياً.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن هذه القيمة كاملة ستتوقف، بل إنها تمثل حجم الإنتاج الصناعي الذي يعتمد، بدرجات متفاوتة، على مدخلات تسيطر الصين على نسبة كبيرة من معالجتها أو صادراتها.
لكن حتى توقف جزء صغير من هذا الإنتاج ستكون له تداعيات كبيرة على النمو والتضخم والتوظيف والاستثمار. فارتفاع أسعار المعادن ينتقل إلى كلفة السيارات والطائرات والمعدات الكهربائية، بينما يؤدي نقص المواد إلى تأخير التسليمات وخسارة الإيرادات وارتفاع الحاجة إلى رأس المال العامل.
كما يمكن أن تؤثر القيود في خطط التحول الأخضر الغربية نفسها، نظراً إلى اعتماد السيارات الكهربائية وتوربينات الرياح وشبكات الطاقة والبطاريات على معادن تهيمن الصين على مراحل أساسية من سلاسلها.
الغرب يبدأ سباق «المنجم إلى المغناطيس»
أمام هذا الواقع، بدأت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي واليابان وأستراليا سباقاً لبناء سلاسل توريد متكاملة تمتد من التعدين إلى التكرير وصناعة المغناطيسات.
وارتفعت التزامات التمويل الحكومي في الاقتصادات المتقدمة إلى نحو 65 مليار دولار في عام 2025، أي أكثر من أربعة أمثال مستواها في 2023.
وقدمت وزارة الدفاع الأميركية تمويلاً بقيمة 150 مليون دولار إلى شركة «MP Materials» لتطوير قدرات فصل العناصر الأرضية النادرة الثقيلة في كاليفورنيا، ضمن سياسة تهدف إلى تقليل الاعتماد على المنشآت الصينية.
وتعمل واشنطن أيضاً على خطط لتكوين مخزونات استراتيجية من المعادن الحرجة، مع حزم دعم وتمويل قد تصل قيمتها إلى نحو 12 مليار دولار. والهدف هو تأمين احتياطيات تستطيع الصناعات الدفاعية والمدنية استخدامها خلال فترات الانقطاع أو الأزمات الجيوسياسية.
أما الاتحاد الأوروبي، فوضع بموجب تشريعات المعادن الحرجة أهدافاً لعام 2030، تشمل استخراج 10% من احتياجاته داخل الاتحاد، ومعالجة 40%، وإعادة تدوير 25%، مع خفض الاعتماد على أي دولة واحدة إلى أقل من 65% من الاستهلاك السنوي لأي مادة استراتيجية.
كما أطلقت مجموعة السبع مبادرات لتنويع الإنتاج، وتحسين التخزين، وتوسيع إعادة التدوير، وتقديم تمويل وضمانات للمشروعات البديلة في الدول الغنية بالموارد.
لماذا يتحرك الغرب ببطء؟
على الرغم من حجم التمويل المعلن، لا تزال الفجوة بين الصين ومنافسيها واسعة. فمشروعات التعدين تواجه إجراءات ترخيص طويلة، ومعارضة بيئية ومحلية، وارتفاعاً في كلفة العمالة والطاقة.
أما منشآت الفصل والتكرير، فتتطلب تقنيات معقدة للتعامل مع خامات تحتوي عناصر متقاربة كيميائياً، كما تنتج عنها مخلفات تحتاج إلى معالجة صارمة. وقد بنت الصين تفوقها في هذا المجال على مدى عقود، مستفيدة من الاستثمار الحكومي، واتساع السوق المحلية، وانخفاض الكلفة، وتكامل الصناعات من التعدين إلى المنتجات النهائية.
كذلك، تواجه المشروعات الغربية معضلة اقتصادية. فعندما ترتفع الأسعار أو تشتد القيود، تبدو المناجم والمصافي الجديدة مربحة. لكن إذا خففت الصين القيود وزادت الإنتاج وخفضت الأسعار، قد تصبح المشروعات البديلة غير قادرة على المنافسة.
وبذلك تستطيع بكين التأثير ليس فقط في الإمدادات الحالية، بل أيضاً في الجدوى الاقتصادية للاستثمارات المنافسة المستقبلية.
وتشير التقديرات إلى أنه بحلول عام 2035 قد تغطي القدرات القائمة والمعلنة خارج الصين نحو 50% فقط من الطلب على التعدين، ونحو 25% من احتياجات التكرير، وأقل من 20% من الطلب على المغناطيسات الدائمة.
وتحتاج الدول المستوردة إلى استثمارات تقارب 60 مليار دولار خلال العقد المقبل، لكن المال وحده لا يكفي. فالمطلوب هو بناء أسواق طويلة الأجل، وتدريب خبراء، وتأمين عقود شراء، وتوحيد معايير الجودة، وتوفير أسعار تضمن بقاء المشروعات الجديدة حتى عندما تتراجع الأسعار العالمية.
الاستقلال الكامل هدف غير واقعي
الرهان الغربي على «فك الارتباط» الكامل مع الصين يبدو مكلفاً وغير واقعي في الأجل القريب. فبكين لا تسيطر على مادة واحدة يمكن استبدالها، بل على منظومة مترابطة من التعدين والتكرير والتصنيع والخبرة التقنية.
لذلك، يبدو تنويع المخاطر أكثر واقعية من محاولة تحقيق اكتفاء ذاتي كامل. ويشمل ذلك إنشاء موردين في دول متعددة، وبناء مخزونات استراتيجية، وتوسيع إعادة التدوير، وتقليل كثافة استخدام المعادن النادرة، وتطوير محركات ومغناطيسات بديلة حيثما أمكن.
كما تحتاج الحكومات إلى التمييز بين المواد التي تتطلب احتياطاً استراتيجياً فورياً، وتلك التي يمكن إدارة مخاطرها من خلال عقود توريد طويلة الأجل أو دعم إعادة التدوير.
لكن هذه السياسات يجب ألا تتحول إلى مجرد سباق إعانات حكومية أو إلى تكرار لسلسلة توريد صينية مرتفعة الكلفة في كل دولة. فالهدف الاقتصادي ليس إنتاج كل معدن محلياً، بل ضمان ألا تتمكن دولة واحدة من وقف الإنتاج العالمي بقرار إداري.
سلاح اقتصادي يصعب استخدامه بلا كلفة
على الرغم من قوة الورقة الصينية، فإن استخدامها بصورة مفرطة لا يخلو من المخاطر على بكين نفسها.
فكلما زادت الصين القيود، ارتفعت حوافز الدول والشركات لتطوير بدائل، وتمويل مناجم ومصافي جديدة، وتحسين إعادة التدوير، وإعادة تصميم المنتجات لتقليل الاعتماد على العناصر الخاضعة للرقابة.
كما أن تقييد الصادرات قد يضر بعائدات الشركات الصينية، ويشجع العملاء العالميين على توقيع عقود طويلة الأجل مع منافسين، حتى وإن كانت أسعارهم أعلى.
لذلك، تحقق الصين أكبر فائدة عندما تستخدم القيود بصورة محدودة وانتقائية، تكفي لإظهار قدرتها على الضغط، من دون أن تدفع العالم إلى الاستغناء الكامل عنها.
وهنا تتضح المفارقة: كلما أثبتت بكين فاعلية سلاح المعادن، زادت الاستثمارات العالمية الرامية إلى إضعاف هذا السلاح مستقبلاً.
معركة على قلب الاقتصاد الصناعي
تكشف أزمة المعادن الحرجة أن الحروب التجارية الجديدة لا تدور فقط حول الرسوم الجمركية أو حجم الصادرات والواردات. إنها معركة على نقاط الاختناق داخل سلاسل الإنتاج: من يمتلك التكنولوجيا؟ ومن يكرر المواد؟ ومن يصنع المكونات التي لا يمكن تشغيل المصانع من دونها؟
نجحت الصين في بناء موقع يصعب منافسته، ليس لأنها تمتلك أكبر كمية من المعادن فحسب، بل لأنها تسيطر على المعرفة الصناعية والمنشآت والقدرات الوسيطة التي تحول الخام إلى منتجات ذات قيمة استراتيجية.
أما الغرب، فيملك المال والأسواق والتكنولوجيا، لكنه يحتاج إلى وقت طويل لبناء سلسلة متكاملة تستطيع منافسة شبكة صينية تشكلت عبر عقود.
وحتى يحدث ذلك، ستظل العناصر الأرضية النادرة والمعادن الحرجة واحدة من أقوى أوراق بكين في صراعها الاقتصادي مع الولايات المتحدة وحلفائها.
ففي اقتصاد يعتمد على السيارات الكهربائية والطائرات المتقدمة والذكاء الاصطناعي والأسلحة الدقيقة، قد يكون المعدن الأقل شهرة هو العنصر الأكثر قدرة على تغيير موازين القوة.




