من الحصر والسلال إلى قطع الديكور الحديثة، تستعيد حرفة ضاربة في الذاكرة العراقية حضورها، بالتزامن مع ترشيح دولي قد يضع مهاراتها وتقاليدها على القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للإنسانية.
بين أصابع الحرفيين، لا تبدو سعفة النخيل مجرد بقايا شجرة انتهى موسمها. تُشق وتُجفف وتُلوّن وتُجدل، قبل أن تتحول إلى حصير أو سلة أو مروحة أو طبق، في حرفة رافقت البيئة العراقية زمناً طويلاً، وارتبطت خصوصاً بالمجتمعات التي شكّل النخيل جزءاً من اقتصادها وحياتها اليومية.
واليوم، تقف هذه الحرفة أمام محطة دولية جديدة، بعدما أدرجت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة “اليونيسكو” ملف “السعفيات والألياف النباتية: الحرف والتقاليد الاجتماعية” ضمن ملفات الترشيح الجاري النظر فيها لدورة عام 2026، تمهيداً لبحث إمكانية إدراج العنصر على القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للإنسانية.
ويأتي الترشيح في إطار ملف متعدد الجنسيات تشارك فيه 16 دولة هي العراق والإمارات والجزائر والبحرين ومصر والأردن والكويت وموريتانيا والمغرب وعُمان وقطر والسعودية والسودان وسوريا وتونس واليمن، في واحدة من المبادرات الإقليمية الواسعة الرامية إلى توثيق الحرف المرتبطة بالسعف والألياف النباتية وصون المعارف الاجتماعية المتصلة بها.
ومن المنتظر أن تنظر اللجنة الحكومية الدولية لصون التراث الثقافي غير المادي في ملفات دورة 2026 خلال دورتها الحادية والعشرين، التي تستضيفها مدينة شيامن الصينية بين 30 تشرين الثاني/نوفمبر و5 كانون الأول/ديسمبر 2026. وحتى ذلك الحين، يبقى الملف ترشيحاً قيد الدراسة، فيما يتوقف قرار الإدراج النهائي على تقييم اللجنة ومسار الإجراءات المعتمد لدى المنظمة.
حرفة ولدت من الحاجة
في العراق، لم تكن السعفيات في أصلها فناً للزينة بقدر ما كانت جزءاً من الحياة اليومية. فالمادة الخام كانت متوافرة في بيئة اشتهرت بزراعة النخيل، بينما أتاحت خصائص السعف تحويله بأدوات بسيطة وخبرة متوارثة إلى عشرات الاستخدامات المنزلية والزراعية.
ومن سعفات النخيل صنعت أجيال من العراقيين الحصر والسلال والمراوح اليدوية والأطباق والحبال وأوعية حفظ التمور، فضلاً عن أدوات استخدمت في البيوت والأسواق والبساتين. وكان إنتاج كثير من هذه القطع يجري داخل المنازل، لتتحول الحرفة إلى معرفة عائلية تنتقل بالمشاهدة والممارسة من جيل إلى آخر.
وفي هذه التفاصيل تكمن القيمة التي تنظر إليها اتفاقية اليونيسكو للتراث الثقافي غير المادي؛ فالترشيح لا يتعلق بقطعة من السعف بوصفها منتجاً مادياً فحسب، بل بالمعارف والمهارات وطرق الإعداد والنسج، وبالعادات والعلاقات الاجتماعية التي نشأت حول الحرفة وسمحت باستمرارها.
ويكتسب ذلك أهمية خاصة في بلد يرتبط فيه النخيل نفسه بذاكرة ثقافية واسعة. وكان العراق قد شارك في إدراج عنصر “نخلة التمر: المعارف والمهارات والتقاليد والممارسات” على القائمة التمثيلية لليونيسكو عام 2022، ما يجعل ملف السعفيات امتداداً لمسار يوثق العلاقة بين المجتمعات المحلية والنخلة بما يتجاوز قيمتها الزراعية والاقتصادية.
منافسة الصناعة الحديثة
لكن الحرفة التي كانت في وقت مضى ضرورة منزلية وجدت نفسها، خلال العقود الأخيرة، أمام منافسة يصعب مجاراتها.
فمع انتشار الأدوات البلاستيكية والمعدنية والمنتجات الصناعية رخيصة الثمن وسريعة الإنتاج، تراجع الاعتماد اليومي على كثير من المصنوعات السعفية. ولم تعد السلة أو المروحة أو الحصيرة اليدوية تؤدي الدور نفسه الذي كانت تؤديه في البيوت سابقاً، ما ضيّق السوق التقليدية للحرفة وقلل عدد الممارسين القادرين على الاعتماد عليها مصدراً ثابتاً للدخل.
والمشكلة هنا لا تتوقف عند اختفاء منتج من الأسواق؛ فحين يتراجع الطلب على الحرفة، تتراجع معه الحاجة إلى تعليمها، وحين تنقطع عملية نقل المعرفة بين الأجيال تصبح المهارات نفسها عرضة للاندثار.
وهذا تحديداً ما يجعل صون التراث غير المادي أكثر تعقيداً من حماية مبنى أثري؛ فالمبنى يمكن ترميمه، أما الحرفة فلا تبقى حية إلا إذا استمر وجود أشخاص يمارسونها ويتعلمونها وينقلون أسرارها إلى آخرين.
عودة مختلفة إلى الأسواق
وعلى الرغم من هذا التراجع، بدأت السعفيات خلال السنوات الأخيرة بالظهور بصورة مختلفة.
فبدلاً من الاقتصار على وظيفتها المنزلية القديمة، وجدت المنتجات المصنوعة من السعف طريقها إلى أسواق الحرف اليدوية والمعارض والمهرجانات ومتاجر الهدايا والديكور، مدفوعة باهتمام متزايد بالمنتجات التراثية والمصنوعة يدوياً والمواد الطبيعية.
وأصبح بعض الحرفيين يعيدون تقديم السلال والأطباق والمعلقات والمفروشات بتصاميم أكثر معاصرة، تجمع بين التقنية التقليدية والذائقة الحديثة، ما يفتح أمام الحرفة فرصة اقتصادية جديدة بدلاً من التعامل معها باعتبارها مجرد ذكرى من الماضي.
وهنا قد تكون الفرصة الحقيقية للسعفيات العراقية أكبر من مجرد الحصول على اعتراف دولي.
فالإدراج، في حال إقراره، يمنح العنصر حضوراً عالمياً ويعزز جهود التوثيق والصون، لكنه لا يضمن وحده استمرار الحرفة. التحدي الأهم يبقى في تحويل هذا الاعتراف إلى برامج تدريب للحرفيين الشباب، ودعم للمشروعات الصغيرة، وتطوير للتصاميم، وفتح منافذ تسويق محلية وخارجية تتيح لصانع السعفيات الحصول على عائد اقتصادي يشجعه على الاستمرار.
كما أن إعادة تقديم الحرفة في الفنادق والمطاعم والمشروعات السياحية والتصميم الداخلي، وربطها بمفهوم المنتجات المستدامة والصديقة للبيئة، يمكن أن يمنحها وظيفة اقتصادية معاصرة من دون تجريدها من هويتها التقليدية.
أكثر من سلة وحصير
بالنسبة إلى العراق، لا يمثل ملف السعفيات محاولة لإعادة الاعتبار إلى مجموعة من الأدوات القديمة فحسب، بل إلى جزء من العلاقة التاريخية بين الإنسان والنخلة والبيت والبستان.
فالقطعة التي تبدو اليوم بسيطة كانت تحمل وراءها سلسلة كاملة من المعرفة: اختيار السعف المناسب، ووقت جمعه، وتجفيفه، وتقسيمه، وتلوينه، ثم نسجه وتشكيله. وهي معرفة لم تكن تحتاج إلى كتب أو معاهد، لأنها عاشت زمناً طويلاً في ذاكرة الأيدي.
وبينما تنتظر الدول المشاركة قرار اللجنة الدولية في شيامن نهاية العام، تبدو القضية بالنسبة إلى السعفيات العراقية أبعد من الحصول على اسم جديد في قوائم اليونيسكو.
فالاختبار الحقيقي يبدأ بعد الاعتراف، إن تحقق: هل تنجح الحرفة في الانتقال من ذاكرة الأجداد إلى أيدي جيل جديد، أم تتحول بمرور الوقت إلى تراث محفوظ في الصور والمعارض فقط؟
الإجابة ستحدد ما إذا كانت سعفة النخيل ستظل مادة حية في الثقافة العراقية، أم شاهداً على حرفة عرف العراقيون يوماً كيف يصنعون منها تفاصيل حياتهم.





