يواجه جهاز الدفاع المدني في قطاع غزة خطر التوقف شبه الكامل، بعدما أدت الحرب والاستهدافات الإسرائيلية المتكررة إلى تدمير أو تعطيل معظم مركباته ومعداته، في وقت يتصاعد فيه الطلب على خدمات الإنقاذ والإطفاء والإسعاف نتيجة استمرار القصف، وتزايد الحرائق داخل مخيمات النازحين المكتظة.
وبحسب مسؤولين في الدفاع المدني، فقد خرج نحو 90% من الآليات والمركبات العاملة في مختلف مناطق القطاع عن الخدمة، إما بسبب تدميرها المباشر أو نتيجة الأعطال التي يتعذر إصلاحها في ظل الحصار ونقص قطع الغيار والمعدات الفنية.
وقال مدير الإعلام في الدفاع المدني بمدينة رفح، أحمد رضوان، إن المؤسسة أصبحت على وشك التوقف الكامل، مشيرا إلى أنه لم تدخل إلى قطاع غزة، منذ بدء اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر/تشرين الأول 2025، أي مركبة إسعاف أو إطفاء أو معدة إنقاذ جديدة.
ويعني هذا النقص الحاد أن فرق الدفاع المدني تعمل بإمكانات محدودة للغاية، بينما تواجه واقعا ميدانيا يتطلب استجابة متواصلة وسريعة لعشرات البلاغات والحوادث اليومية.
استهدافات متكررة وحرائق في مخيمات النزوح
تزداد الأزمة تعقيدا في المناطق الغربية من مدينة خان يونس ومواصي رفح، حيث تتداخل الاستهدافات العسكرية مع الحرائق المتكررة في خيام النازحين.
ووفقا لتقرير ميداني، تشهد المنطقة استهدافات متكررة للخيام والمنازل والشقق السكنية، بمعدل يصل إلى ثلاثة استهدافات يوميا منذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ.
بالتوازي مع ذلك، تندلع حرائق متكررة داخل المخيمات بسبب اضطرار السكان إلى استخدام الأخشاب والأقمشة والمواد البلاستيكية لإعداد الطعام أو طرد الحشرات، في ظل انعدام غاز الطهي وشح الوقود وغياب وسائل السلامة الأساسية.
وقبل أيام، التهم حريق ما لا يقل عن خمس خيام في منطقة شارع روني بمواصي خان يونس، وأدى إلى إصابة عدد من النازحين، بينهم أطفال.
وتتحول الحرائق الصغيرة داخل المخيمات إلى كوارث خلال دقائق، نتيجة التصاق الخيام ببعضها، واستخدام مواد سريعة الاشتعال في بنائها، وغياب طفايات الحريق ومصادر المياه القريبة، إلى جانب التأخر في وصول فرق الإنقاذ بسبب نقص المركبات.
نظام أولويات قسري
أمام هذا الواقع، اضطر الدفاع المدني إلى اعتماد نظام صارم لتحديد أولويات الاستجابة، بحيث تأتي المواقع المستهدفة بالقصف في المرتبة الأولى، تليها الحرائق والحوادث العرضية، ثم عمليات النقل الطبي للحالات المرضية والحوامل وحالات الولادة.
ويكشف هذا الترتيب القسري حجم العجز الذي تعانيه المنظومة، إذ لا يعني تصنيف البلاغات تنظيم العمل فحسب، بل يعني عمليا أن كثيرا من نداءات الاستغاثة قد تبقى من دون استجابة.
فالطواقم المحدودة مطالبة في الوقت نفسه بانتشال الضحايا من تحت الأنقاض، وإطفاء الحرائق، ونقل المصابين والمرضى، والاستجابة للحوادث في مخيمات تضم مئات الآلاف من النازحين.
وبحسب رضوان، أسفرت الاستهدافات الإسرائيلية منذ وقف إطلاق النار عن نحو ألف شهيد، فيما يعيش قرابة 700 ألف نازح في مواصي خان يونس ومناطق محافظة رفح، ضمن بقعة جغرافية ضيقة تفتقر إلى البنية التحتية والخدمات الأساسية.
خسائر بشرية ومؤسسية فادحة
لم تقتصر خسائر الدفاع المدني على الآليات والمعدات، بل امتدت إلى كوادره البشرية ومراكزه التشغيلية.
وتشير تقارير إلى أن الجهاز خسر أكثر من 48% من كوادره بين قتيل وأسير وجريح، إضافة إلى تدمير 14 مركزا بصورة كاملة واستهداف 56 مركبة أثناء وجودها في الميدان أو داخل مقار الدفاع المدني.
ووقعت بعض هذه الاستهدافات، بحسب التقارير، رغم حمل المركبات شعارات الحماية المدنية المعترف بها والمتوافق عليها مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر.
وأدى استهداف المراكز والطواقم إلى تقليص قدرة الجهاز على تغطية مختلف المحافظات، كما أجبر العاملين فيه على استخدام وسائل بدائية ومركبات غير مخصصة لعمليات الإنقاذ أو نقل المصابين.
دعم دولي لا يتناسب مع حجم الكارثة
يحمل مسؤولو الدفاع المدني السلطات الإسرائيلية مسؤولية تعطيل عمل المنظمات الدولية داخل القطاع، بسبب القيود المفروضة على إدخال المركبات والمعدات والوقود وقطع الغيار.
وأوضح رضوان أن ما تقدمه اللجنة الدولية للصليب الأحمر ومؤسسات الأمم المتحدة لا يتجاوز 10% من الاحتياجات الفعلية للجهاز، مؤكدا أن هذه المنظمات نفسها تواجه قيودا واشتراطات تحد من قدرتها على تقديم الدعم المطلوب.
ولا تقتصر الاحتياجات على سيارات الإطفاء والإسعاف، بل تشمل معدات رفع الأنقاض، وأجهزة البحث عن المفقودين، وملابس الحماية، وخزانات المياه، والمضخات، والمولدات الكهربائية، ومعدات الاتصال، وأدوات الإسعاف والإنقاذ المتخصصة.
انهيار الدفاع المدني يهدد آلاف الأرواح
يحذر العاملون في الجهاز من أن توقف الدفاع المدني لن يكون انهيارا لمؤسسة خدمية فحسب، بل سيؤدي إلى مضاعفة أعداد الضحايا، لا سيما داخل مخيمات النزوح التي تفتقر إلى أبسط وسائل الوقاية والاستجابة للطوارئ.
وفي ظل انهيار النظام الصحي، وانتشار الأمراض التنفسية والجلدية بين الأطفال، وازدياد الحرائق والاستهدافات، أصبحت فرق الدفاع المدني إحدى حلقات النجاة الأخيرة أمام السكان.
غير أن هذه الحلقة باتت مهددة بالانقطاع، مع استمرار استنزاف الطواقم والمعدات وغياب أي إمدادات حقيقية تعيد للجهاز قدرته على العمل.
وطالب مسؤولو الدفاع المدني المجتمع الدولي والوسطاء الضامنين لاتفاق وقف إطلاق النار بالضغط من أجل فتح ممر إنساني آمن ومخصص لإدخال مركبات الإطفاء والإسعاف ومعدات الإنقاذ وقطع الغيار والوقود.
ففي غزة، لم تعد المسألة تتعلق بتحسين كفاءة خدمات الطوارئ، بل بمنع انهيارها الكامل. وكل يوم يمر من دون دعم حقيقي يعني مزيدا من البلاغات التي لن تجد من يستجيب لها، ومزيدا من الضحايا الذين قد يبقون تحت الأنقاض أو داخل الخيام المحترقة بلا إنقاذ.




