بعد إدراجه على قوائم التراث في العالم الإسلامي، يعود الجامع العمري في مدينة درعا إلى واجهة الاهتمام، بوصفه واحداً من أقدم مساجد بلاد الشام، ومعْلماً يجمع بين القيمة الدينية والتاريخية والرمزية الوطنية.
يقف الجامع العمري في قلب مدينة درعا، جنوبي سوريا، شاهداً على أكثر من ثلاثة عشر قرناً من التحولات التي شهدتها المنطقة، منذ تشييده في صدر الإسلام وحتى تحوله خلال السنوات الأخيرة إلى رمز ارتبط بذاكرة الثورة السورية وآثار الحرب التي طالت المدينة ومعالمها التاريخية.
وتجدد الاهتمام بالجامع بعد إدراجه على قوائم التراث التابعة لمنظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة «الإيسيسكو»، في خطوة تهدف إلى تعزيز حماية التراث الثقافي السوري، وتوثيق المعالم الإسلامية التاريخية، وفتح المجال أمام برامج الترميم والتأهيل اللازمة للحفاظ عليها.
معلم من صدر الإسلام
يعود تاريخ إنشاء الجامع العمري إلى النصف الأول من القرن السابع الميلادي، ويُنسب بناؤه إلى عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب، الذي حمل المسجد اسمه تخليداً لتلك الحقبة.
ومنذ ذلك الوقت، حافظ الجامع على مكانته بوصفه واحداً من أبرز المعالم الدينية والتاريخية في منطقة حوران، وشكل على مدى قرون مقصداً لأهالي درعا والمناطق المحيطة بها، فضلاً عن الزوار والمهتمين بتاريخ العمارة الإسلامية.
وتنبع أهمية الجامع من كونه واحداً من أوائل المساجد التي شيدت في بلاد الشام، الأمر الذي يمنحه قيمة معمارية وتاريخية تتجاوز حدوده المحلية، وتضعه ضمن أبرز الشواهد على المراحل المبكرة لانتشار العمارة الإسلامية في المنطقة.
مكانة دينية ووطنية
ولا تقتصر مكانة الجامع العمري على قيمته التاريخية، إذ يحتل موقعاً خاصاً في وجدان السوريين عموماً وأهالي درعا على وجه الخصوص.
ويقول إمام الجامع، الشيخ بسام المصري، إن المسجد لم يكن في أي وقت مجرد مكان لأداء الشعائر الدينية، بل مثّل مركزاً اجتماعياً وإنسانياً ارتبط بحياة سكان المدينة وتاريخهم.
وأوضح المصري أن الجامع لعب دوراً محورياً خلال الأيام الأولى من الثورة السورية، عندما تحول إلى نقطة تجمع للمتظاهرين، فيما احتضنت ساحته أول مستشفى ميداني خُصص لعلاج الجرحى والمصابين.
وبذلك، أصبح المسجد جزءاً من الذاكرة السياسية والاجتماعية الحديثة لمدينة درعا، التي شكلت عام 2011 نقطة انطلاق للاحتجاجات في سوريا، قبل أن تمتد إلى مناطق أخرى من البلاد.
دمار الحرب
تعرض الجامع خلال سنوات الحرب لدمار واسع، طال مئذنته التاريخية وأجزاء كبيرة من مبناه، في مشهد اختصر حجم الأضرار التي لحقت بمدينة درعا وموروثها العمراني والثقافي.
ولم تكن الخسارة مرتبطة بالأحجار والجدران وحدها، إذ مثل استهداف المسجد ضربة لمعْلم يحمل قيمة دينية ورمزية كبيرة لدى السكان، ويختزن جانباً مهماً من تاريخ مدينتهم وهويتهم المحلية.
وبعد انحسار العمليات العسكرية، بدأت أعمال لترميم أجزاء من الجامع وإعادة تأهيله، إلا أن إمامه يؤكد أن المسجد لا يزال بحاجة إلى مزيد من الرعاية والجهود الفنية والتمويل لاستكمال عمليات الترميم والحفاظ على طابعه التاريخي والمعماري.
وتواجه مشاريع إعادة تأهيل المباني الأثرية تحديات معقدة، نظراً إلى ضرورة تحقيق توازن بين إصلاح الأضرار والحفاظ على العناصر الأصلية للمبنى، بما يمنع فقدان هويته المعمارية تحت ضغط أعمال إعادة البناء.
أهمية الإدراج على قوائم التراث
يمثل إدراج الجامع العمري على قوائم التراث الإسلامي خطوة مهمة في مسار الاعتراف بقيمته الحضارية، كما قد يسهم في تعزيز جهود التوثيق والحماية وجذب الدعم الفني والمؤسساتي لمشاريع ترميمه.
ويقول الباحث في التاريخ الإسلامي موسى المسالمة إن الجامع يتمتع بخصوصية استثنائية، باعتباره من أوائل المساجد التي بنيت في بلاد الشام، وهو ما يمنحه مكانة بارزة في تاريخ العمارة الإسلامية.
ويرى المسالمة أن إدراج الجامع على قوائم التراث يعكس اهتماماً إسلامياً بالحفاظ على هذا المعلم، ويرسخ مكانته باعتباره واحداً من أبرز الرموز الدينية والثقافية في المنطقة.
ويشير إلى أن المسجد يمثل بالنسبة لأهالي حوران جزءاً أصيلاً من تاريخهم وهويتهم، كما يشكل معلماً وطنياً يحتفظ بموقع بارز في الذاكرة الجماعية للسكان.
ولا يقتصر أثر الإدراج، وفق مهتمين بالتراث، على منح الجامع اعترافاً معنوياً، بل يمكن أن يوفر إطاراً أوسع لإعداد الدراسات الهندسية والتاريخية، وتوثيق الأضرار التي تعرض لها، ووضع خطط علمية لإعادة تأهيله وفق المعايير المعتمدة في ترميم المواقع الأثرية.
ذاكرة حية لمدينة درعا
بين جدرانه العتيقة وآثار الدمار التي تركتها الحرب، يختزل الجامع العمري مساراً طويلاً من تاريخ مدينة درعا، من بدايات العهد الإسلامي إلى التحولات السياسية والاجتماعية التي شهدتها سوريا في العصر الحديث.
فالمسجد الذي حمل اسم الخليفة عمر بن الخطاب، وظل على مدى قرون مركزاً للعبادة والحياة الاجتماعية، تحول في الذاكرة السورية المعاصرة إلى شاهد على الاحتجاجات والحرب والخسائر الإنسانية والعمرانية التي لحقت بالبلاد.
واليوم، تتطلع الأوساط المحلية والثقافية إلى أن يشكل إدراجه على قوائم التراث بداية لمرحلة جديدة من الاهتمام والترميم، بما يعيد إلى الجامع مكانته التاريخية، ويحافظ عليه بوصفه واحداً من أبرز الشواهد الحضارية في بلاد الشام.
وإلى أن تكتمل أعمال تأهيله، سيظل الجامع العمري قائماً في درعا، لا باعتباره أثراً من الماضي فحسب، بل ذاكرة حية لمدينة عاصرت قروناً من التاريخ، ودفعت خلال السنوات الأخيرة ثمناً باهظاً للحرب.




