من الفضاء تبدو الإشارة بسيطة: تراجع في اللون الأخضر فوق أجزاء من المحيط الهادئ. لكن خلف هذا التحول تكمن قصة بيئية أوسع، تبدأ بالعوالق النباتية المجهرية وقد تصل تداعياتها إلى الأسماك والطيور والثدييات البحرية ومصايد يعتمد عليها ملايين البشر. ومع اشتداد ظاهرة «إلنينيو» خلال 2026، بات العلماء يراقبون ليس فقط حرارة المحيط، بل الطريقة التي بدأ بها النظام البيئي نفسه في الاستجابة.
لم تعد ظاهرة «إلنينيو» التي بدأت رسمياً في حزيران/يونيو 2026 مجرد تغير في درجات حرارة سطح المحيط الهادئ. فبعد أسابيع قليلة من انطلاقها، بدأت الأقمار الاصطناعية ترصد أولى بصماتها البيولوجية، في مؤشر إلى أن التحولات الجارية في المحيط انتقلت بالفعل من الفيزياء المناخية إلى قلب النظام البيئي البحري.
بيانات حديثة من القمر الاصطناعي PACE التابع لوكالة الفضاء الأميركية «ناسا» أظهرت انخفاضاً واضحاً في تركيز الكلوروفيل-أ في أجزاء من وسط المحيط الهادئ الاستوائي خلال حزيران/يونيو 2026 مقارنة بالشهر نفسه من عام 2025، عندما كانت الظروف المناخية في المنطقة أقرب إلى الحياد. ويعد الكلوروفيل أحد أهم المؤشرات التي يستخدمها العلماء لتقدير وفرة العوالق النباتية، وهي الكائنات المجهرية التي تقف عند قاعدة جزء كبير من الشبكة الغذائية في البحار والمحيطات.
وبالنسبة إلى علماء المحيطات، فإن المسألة لا تتعلق بمجرد تغير في لون المياه تلتقطه أجهزة الاستشعار من الفضاء. انخفاض العوالق النباتية يعني، إذا استمر واتسع نطاقه، تراجع كمية الطاقة والغذاء التي تنتقل إلى مستويات أعلى من النظام البيئي؛ من العوالق الحيوانية إلى الأسماك، ومنها إلى الطيور والثدييات البحرية.
من الرياح إلى الغذاء.. كيف يغيّر «إلنينيو» المحيط؟
لفهم ما يحدث للحياة البحرية، لا بد من العودة إلى الآلية التي تحرك مياه المحيط الهادئ في الظروف الطبيعية.
عادةً ما تدفع الرياح التجارية المياه السطحية الدافئة غرباً عبر المنطقة الاستوائية، فيما تسمح هذه الحركة بصعود مياه أبرد من الأعماق، وخصوصاً في شرق ووسط المحيط. وهذه المياه العميقة ليست أبرد فحسب، بل تحمل معها كميات كبيرة من العناصر الغذائية التي تحتاج إليها العوالق النباتية للنمو.
وتعرف هذه العملية باسم الصعود أو الرفع المائي، وهي أشبه بنظام إمداد طبيعي ينقل المغذيات من أعماق المحيط إلى المنطقة المضاءة قرب سطحه، حيث تستطيع العوالق النباتية إجراء عملية البناء الضوئي.
لكن «إلنينيو» يعيد ترتيب هذه المنظومة.
فعندما تضعف الرياح التجارية، تتحرك كتلة أكبر من المياه الدافئة نحو وسط وشرق المحيط الهادئ، ويزداد عمق الطبقة الدافئة التي تغطي المياه الباردة في الأسفل. والنتيجة هي تراجع قدرة المياه العميقة الغنية بالمغذيات على الوصول إلى السطح.
وهكذا تبدأ سلسلة من التغيرات تبدو في ظاهرها فيزيائية ــ رياح أضعف ومياه أدفأ وطبقة سطحية أعمق ــ لكنها تنتهي بانخفاض كمية الغذاء المتاحة للكائنات المجهرية التي تغذي النظام البحري بأكمله.
وتشير «ناسا» إلى أن هذا السيناريو يفسر التراجع الذي رصده القمر PACE في تركيز الكلوروفيل بوسط المحيط الهادئ خلال 2026. وقد ظهر الاختلاف بصورة لافتة قرب خط الاستواء إلى الشمال من نيوزيلندا، حيث سجلت صور حزيران/يونيو 2026 تركيزات أقل بكثير من تلك التي رصدت في الشهر نفسه من العام السابق.
حين يتراجع الكلوروفيل.. ماذا يحدث للأسماك؟
تكمن أهمية العوالق النباتية في موقعها عند بداية الشبكة الغذائية البحرية.
هذه الكائنات الدقيقة تحول ضوء الشمس وثاني أكسيد الكربون والعناصر الغذائية إلى مادة عضوية، فتتغذى عليها العوالق الحيوانية، التي تصبح بدورها غذاءً لأنواع عديدة من الأسماك. ومع الانتقال إلى مستويات أعلى، تمتد العلاقة إلى الطيور البحرية والفقمات وأسود البحر والحيتان وغيرها من الكائنات.
لذلك لا يتوقف انخفاض إنتاجية العوالق النباتية عند حدود الكائنات المجهرية، بل يمكن أن يولد تأثيراً متسلسلاً عبر النظام البيئي كله.
ويظهر التاريخ المناخي للمحيط الهادئ أن هذه المخاوف ليست نظرية. ففي فترات «إلنينيو» السابقة، تعرضت بعض مصايد الأسماك الواقعة على الساحل الغربي لأميركا الجنوبية لضغوط كبيرة، في مقدمتها مصايد الأنشوجة في بيرو، حيث يؤدي ارتفاع حرارة المياه وتراجع الصعود المائي إلى انخفاض الإنتاج البيولوجي وتغير مناطق تجمع الأسماك.
وخلال 2026، أشارت «ناسا» إلى أن السلطات البيروفية علّقت عمليات صيد الأنشوجة في أكثر من مناسبة ضمن إجراءات تهدف إلى حماية المخزون، بالتزامن مع تسجيل تحولات في البيئة البحرية. لكن العلماء يحذرون في الوقت نفسه من اختزال المشهد بعلاقة سببية بسيطة؛ فحجم الأثر النهائي يعتمد على قوة «إلنينيو» ومدته، وعلى الموقع الجغرافي وتغير الرياح والتيارات البحرية خلال الأشهر التالية.
وهنا تكمن إحدى النقاط الأساسية: انخفاض الكلوروفيل الذي ترصده الأقمار الاصطناعية اليوم إشارة مبكرة إلى تغير بيئي، وليس حكماً نهائياً على مصير الحياة البحرية في المحيط الهادئ خلال الأشهر المقبلة.
«إلنينيو» يشتد.. و2026 قد يصبح عاماً استثنائياً
ما يزيد أهمية هذه المؤشرات البيولوجية هو أن الظاهرة نفسها لا تزال في طور التصاعد.
ففي أحدث تقييم صادر عن مركز التنبؤ المناخي التابع للإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي الأميركية «NOAA» في 13 آب/أغسطس 2026، أكد العلماء أن «إلنينيو» واصل اشتداده خلال تموز/يوليو، فيما تجاوزت انحرافات حرارة سطح البحر درجتين مئويتين فوق المعدل في أجزاء من شرق المحيط الهادئ الاستوائي.
وسجل مؤشر Niño 3.4، وهو أحد المقاييس الرئيسية المستخدمة لتحديد قوة الظاهرة، قيمة بلغت نحو +1.4 درجة مئوية خلال تموز/يوليو، بينما وصلت بعض مؤشرات شرق المحيط الهادئ إلى مستويات أعلى.
والأكثر لفتاً للانتباه أن «NOAA» تقدر حالياً وجود احتمال يتجاوز 90% بأن يتحول الحدث إلى «إلنينيو شديد جداً» خلال خريف وشتاء 2026-2027 في نصف الكرة الشمالي. كما تضع احتمالاً يبلغ 69% لوصوله خلال الفترة بين تشرين الأول/أكتوبر وكانون الأول/ديسمبر إلى مستوى قد يتجاوز قوة جميع أحداث «إلنينيو» المسجلة منذ بدء السجل المرجعي الحالي عام 1950.
لكن قوة الظاهرة لا تعني أن جميع النتائج المناخية المتوقعة ستحدث في كل مكان. فحتى أقوى موجات «إلنينيو» لا تنتج السيناريو نفسه في جميع المناطق، وإنما ترفع احتمالات أنماط معينة من الحرارة والأمطار والجفاف والعواصف.
من المحيط إلى الغلاف الجوي
ولا تبقى تأثيرات «إلنينيو» محصورة تحت سطح المياه.
فالظاهرة هي في جوهرها نتيجة تفاعل واسع بين المحيط والغلاف الجوي. ومع انتقال المياه الدافئة شرقاً، تتغير مواقع السحب ومناطق تشكل الأمطار وحركة الرياح والتيارات الهوائية فوق المحيط الهادئ.
ومن هناك، تنتقل التأثيرات إلى مناطق تبعد آلاف الكيلومترات عبر ما يعرف علمياً بـالاتصالات المناخية البعيدة أو teleconnections، وهي الروابط التي تسمح لتغير كبير في منطقة من النظام المناخي بالتأثير في أنماط الطقس بمناطق أخرى من العالم.
ولهذا يمكن أن يرتبط «إلنينيو»، وفق المنطقة والموسم، بتحولات في الأمطار الموسمية والجفاف والفيضانات ومسارات الأعاصير المدارية ودرجات الحرارة. إلا أن العلماء يتعاملون مع هذه العلاقات بوصفها تغيراً في الاحتمالات، وليس تنبؤاً حتمياً بما سيحدث في مدينة أو دولة بعينها.
PACE.. جيل جديد من مراقبة المحيطات
وسط هذه الصورة، يمثل القمر الاصطناعي PACE عنصراً جديداً ومهماً في متابعة «إلنينيو» 2026.
أطلقت «ناسا» المهمة في شباط/فبراير 2024، وهي مصممة لدراسة العوالق والهباء الجوي والسحب والنظم البيئية للمحيطات باستخدام قياسات ضوئية شديدة الدقة. وما يجعل الظاهرة الحالية ذات أهمية علمية خاصة هو أنها ستكون أول دورة كاملة لـ«إلنينيو» يستطيع PACE مراقبتها باستخدام قياسات طيفية عالمية وشبه يومية.
فالأجيال السابقة من الأقمار الاصطناعية كانت قادرة بالفعل على قياس حرارة سطح البحر وارتفاعه ولون المحيط، لكن أدوات PACE تمنح الباحثين قدرة أكبر على تحليل الأطوال الموجية المختلفة للضوء، ما قد يساعد مستقبلاً في التمييز بين مجموعات مختلفة من العوالق النباتية ودراسة كيفية استجابة كل منها للتغيرات المناخية.
وهذا تحول مهم في مراقبة «إلنينيو». فبدلاً من الاكتفاء بالسؤال: إلى أي درجة ارتفعت حرارة المحيط؟، أصبح من الممكن طرح سؤال أكثر تعقيداً: كيف تتغير الحياة داخله نتيجة هذا الاحترار؟
إنذار مبكر يأتي من لون البحر
قد تكون أهم دلالة في بيانات حزيران/يونيو 2026 أن التأثير البيئي لـ«إلنينيو» أصبح قابلاً للرصد قبل أن تكتمل دورة الظاهرة.
فمن الفضاء، يظهر انخفاض الكلوروفيل كتغير في انعكاس الضوء عن سطح المياه. أما داخل المحيط، فهو يعكس تغيراً في كمية المغذيات التي تصل إلى قاعدة الشبكة الغذائية.
وإذا استمرت الرياح التجارية في الضعف واتسعت المياه الدافئة خلال الأشهر المقبلة، يتوقع علماء «ناسا» أن يصبح الفرق في تركيز الكلوروفيل أكثر وضوحاً، سواء عبر انخفاض أكبر في القيم المسجلة أو عبر اتساع المنطقة التي تشهد تراجعاً في العوالق النباتية، أو بكليهما معاً.
ولا يعني ذلك أن المحيط يتجه بالضرورة إلى انهيار بيئي شامل؛ فالنظم البحرية ديناميكية، وقد تسجل بعض المناطق استجابات مختلفة، كما شهدت فترات أعقبت «إلنينيو» في الماضي انتعاشاً في إنتاج العوالق النباتية.
لكن ما يحدث في 2026 يقدم للعلماء مختبراً طبيعياً واسع النطاق: ظاهرة مناخية قوية تتطور أمام جيل جديد من أجهزة الرصد، وتتيح متابعة السلسلة الكاملة تقريباً، من ارتفاع حرارة المياه وتغير الرياح والتيارات، وصولاً إلى استجابة الكائنات التي تشكل الأساس الغذائي للمحيط.
وبينما يواصل «إلنينيو» اشتداده، لن تكون درجات حرارة سطح البحر وحدها هي المؤشر الذي يستحق المراقبة. فقد تكون إحدى أهم القصص خلال الأشهر المقبلة مختبئة في لون المحيط نفسه: مقدار الأخضر الذي سيختفي، وأين سيختفي، وما الذي سيعنيه ذلك للحياة التي تعتمد عليه.





