تواجه أوروبا تحولاً خطيراً في طبيعة حرائق الغابات، بعدما أصبحت النيران أكثر شدة وسرعة وتقلباً، في ظاهرة يرى خبراء أنها تنقل القارة إلى مرحلة جديدة من الكوارث المناخية التي يصعب على فرق الإطفاء التقليدية السيطرة عليها.
ويشير متخصصون إلى أن العاصفة الرعدية القوية التي تشكلت فوق أحد حرائق الغابات في جنوب غرب فرنسا تمثل دليلاً واضحاً على هذا التحول. فهذه العواصف، التي تُعرف أحياناً بالعواصف الرعدية النارية، تنشأ عندما تولّد الحرائق الهائلة تيارات شديدة من الهواء الساخن والدخان، ما يؤدي إلى تكوين سحب كثيفة قد تنتج رياحاً قوية وصواعق تزيد من سرعة انتشار النيران.
وبحسب الخبراء، لم تكن الدول الأوروبية حتى وقت قريب معتادة على مواجهة أحداث نارية بهذا الحجم والتعقيد، إلا أن موجات الحر المتكررة والجفاف المطول وارتفاع درجات الحرارة جعلت الظروف أكثر ملاءمة لاندلاع حرائق واسعة النطاق.
حرائق تفوق قدرات الإطفاء التقليدية
لا تزال فرق الإطفاء في فرنسا وإسبانيا تكافح للسيطرة على حرائق واسعة أصبحت، وفق متخصصين، أشد وأكثر تقلباً من معظم الحرائق التي واجهتها في السابق.
ويقول فيكتور ريسكو دي ديوس، أستاذ هندسة الغابات والتغير المناخي في جامعة ليدا الإسبانية، إن أوروبا دخلت بالفعل «عصر الحرائق التي لا يمكن السيطرة عليها بسهولة»، مشيراً إلى أن كمية الطاقة التي تطلقها بعض هذه الحرائق يمكن مقارنتها بالطاقة الناتجة عن انفجار عدة قنابل ذرية.
ولا تعني هذه المقارنة أن الحرائق تُحدث انفجاراً نووياً، بل تشير إلى الحجم الهائل للطاقة الحرارية المنبعثة منها خلال فترة زمنية قصيرة. فعندما تصل الحرائق إلى هذه المستويات، تصبح قدرات الطائرات وفرق الإطفاء الأرضية محدودة، ويتركز عمل السلطات بصورة أساسية على حماية السكان والمنشآت وفتح طرق الإجلاء.
مساحات قياسية وإجلاء مئات الآلاف
وتشير البيانات الواردة إلى أن الحرائق التهمت مساحات شاسعة من الأراضي الفرنسية خلال الموسم الحالي، مع تقديرات تتحدث عن احتراق نحو 116 ألف هكتار في مراحل مختلفة من الأزمة.
في المقابل، أفاد النظام الأوروبي لمعلومات حرائق الغابات «EFFIS» بأن المساحات المحترقة في فرنسا تجاوزت 42 ألف هكتار بحلول منتصف شهر تموز، متخطية الرقم القياسي السابق المسجل عام 2022. ويعود التفاوت بين الرقمين إلى اختلاف تاريخ رصد البيانات والفترة الزمنية التي تغطيها كل إحصائية.
ووصف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حجم الأزمة بأنه غير مسبوق، قائلاً إن فرنسا لم تشهد معاناة مماثلة منذ الحرب العالمية الثانية.
وفي إسبانيا، تحدث رئيس الوزراء بيدرو سانشيز عن اقتراب نهاية المواجهة مع بعض الحرائق، إلا أن الخبراء يحذرون من أن السيطرة على موجة محددة من النيران لا تعني انتهاء الخطر، خصوصاً مع استمرار موسم الحرائق وبقاء درجات الحرارة مرتفعة.
وأجبرت الحرائق السلطات في فرنسا وإسبانيا على إجلاء نحو 300 ألف شخص بصورة إجمالية، في واحدة من أكبر عمليات النزوح المرتبطة بحرائق الغابات التي تشهدها القارة الأوروبية.
خسائر بيئية واقتصادية طويلة الأمد
لا تقتصر آثار الحرائق على تدمير الغابات والمنازل، بل تمتد إلى قطاعات الزراعة والسياحة والطاقة والنقل، إضافة إلى التكاليف الضخمة لعمليات الإطفاء والإجلاء وإعادة الإعمار.
كما تؤدي النيران إلى تدمير الموائل الطبيعية ونفوق الحيوانات وتدهور التربة، ما يجعل المناطق المتضررة أكثر عرضة للانجراف والفيضانات عند هطول الأمطار. وقد تحتاج النظم البيئية إلى سنوات أو عقود من أجل التعافي، فيما قد لا تتمكن بعض الغابات من استعادة طبيعتها السابقة في ظل استمرار ارتفاع درجات الحرارة.
ويحذر ريسكو دي ديوس من صعوبة التنبؤ بالحدود التي يمكن أن تصل إليها هذه الكارثة، لافتاً إلى أن أوروبا قد تواجه مستقبلاً سيناريوهات مشابهة لما شهدته كاليفورنيا وأستراليا، حيث اندمجت حرائق متعددة في مجمعات نارية ضخمة غطت مئات الآلاف من الهكتارات، بل اقتربت في بعض الحالات من مليون هكتار.
تغير المناخ يضاعف المخاطر
تُعد أوروبا القارة الأسرع احتراراً في العالم، وقد شهدت خلال العام الحالي موجات حر استثنائية أسهمت في تجفيف الغطاء النباتي وتحويله إلى وقود سريع الاشتعال.
ويؤكد علماء المناخ أن تغير المناخ الناتج عن الأنشطة البشرية لا يشكل السبب المباشر الوحيد لاندلاع كل حريق، إلا أنه يهيئ الظروف التي تجعل الحرائق أكثر احتمالاً وشدة. فارتفاع درجات الحرارة، وتراجع معدلات الرطوبة، وطول فترات الجفاف، كلها عوامل تساعد النيران على الانتشار بسرعة وتطيل مدة موسم الحرائق.
كما تؤدي شدة الحرائق المتزايدة إلى إطلاق كميات كبيرة من ثاني أكسيد الكربون المخزن في الأشجار والتربة، ما يفاقم بدوره ظاهرة الاحتباس الحراري ويخلق حلقة مفرغة: مناخ أكثر حرارة يؤدي إلى حرائق أكبر، والحرائق الأكبر تطلق مزيداً من الانبعاثات.
الحاجة إلى استراتيجية أوروبية جديدة
تكشف التطورات الأخيرة أن الاعتماد على زيادة عدد سيارات الإطفاء والطائرات وحده لن يكون كافياً. فمواجهة «الحرائق الخارقة» تتطلب استراتيجية متكاملة تشمل إدارة الغابات، وإزالة النباتات الجافة، وإنشاء مناطق عازلة حول التجمعات السكنية، وتحديث أنظمة الإنذار المبكر وخطط الإجلاء.
كما تحتاج الدول الأوروبية إلى إعادة النظر في طرق البناء والتوسع العمراني قرب الغابات، وتعزيز التعاون العابر للحدود وتبادل المعدات والخبرات، إضافة إلى تسريع جهود خفض انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري.
لم تعد حرائق الغابات في أوروبا حوادث موسمية محدودة يمكن احتواؤها بالوسائل المعتادة، بل أصبحت مؤشراً على واقع مناخي جديد. ومع استمرار ارتفاع درجات الحرارة، تبدو القارة أمام اختبار صعب: إما التكيف سريعاً مع طبيعة الخطر المتغيرة، أو مواجهة مواسم حرائق أكثر اتساعاً وتدميراً في السنوات المقبلة.





