لم تكن عائشة الدسوقي تتوقع أن يتحول يومها إلى لحظة قلق وبكاء، بعدما علمت بشطب البطاقة التموينية الخاصة بأسرتها، لتجد نفسها أمام سؤال صعب: كيف ستؤمّن احتياجات ستة أبناء في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية؟
السيدة المصرية، التي يعتمد زوجها على عمله في بيع الكباب، تقول إن البطاقة التموينية لم تكن مجرد وسيلة للحصول على السلع المدعومة، بل كانت جزءاً أساسياً من ميزانية الأسرة الشهرية، تساعدها في توفير الخبز والمواد الغذائية الضرورية.
وتضيف أن سبب إلغاء الدعم كان امتلاك زوجها سيارة قديمة، معتبرةً أن هذا الأمر لا يعكس الوضع الاقتصادي الحقيقي للأسرة ولا يبرر حرمانها من المساعدة التي تعتمد عليها.
قرارات الحذف تثير قلق المستفيدين
تتكرر قصص مشابهة بين عدد من الأسر المصرية التي فوجئت بإزالة أسمائها من منظومة الدعم. ففي أحد مكاتب التموين بالقاهرة، اعترضت إيمان طاهر على حذف أسرتها المكونة من سبعة أفراد، بسبب منزل مخالف على أرض زراعية، مؤكدة أنها تمتلك أوراق تصالح رسمية، وأن الاستبعاد تم من دون مراجعة كافية للبيانات.
ويخشى كثير من المواطنين أن تؤدي الأخطاء في قواعد البيانات إلى خروج أسر لا تزال بحاجة فعلية إلى الدعم، خصوصاً في ظل الظروف الاقتصادية الحالية وارتفاع أسعار الغذاء والخدمات.
التموين.. شبكة أمان لملايين المصريين
تُعد منظومة الدعم التمويني في مصر واحدة من أقدم برامج الحماية الاجتماعية، إذ بدأت خلال الحرب العالمية الثانية بهدف توفير السلع الأساسية للفئات الأكثر احتياجاً، ثم تطورت لاحقاً لتشمل الخبز المدعوم والسلع التموينية.
ويستفيد ملايين المواطنين من بطاقات التموين والخبز المدعوم، ما يجعل أي تغيير في آلية الدعم ذا تأثير مباشر على حياة شرائح واسعة من المجتمع.
وترى أسر عديدة أن البطاقة التموينية تمثل أكثر من مجرد دعم مادي، فهي “شبكة أمان” تساعدها على مواجهة الظروف الاقتصادية، خصوصاً مع تراجع قيمة الدخل وارتفاع تكاليف المعيشة.
الانتقال إلى الدعم النقدي يفتح باب الجدل
تسعى الحكومة المصرية إلى التحول تدريجياً من نظام الدعم العيني إلى الدعم النقدي المشروط، بهدف تقليل الهدر وتحسين كفاءة وصول المساعدات إلى مستحقيها.
لكن هذا التوجه أثار نقاشاً واسعاً بين المواطنين والخبراء، إذ يرى منتقدون أن الانتقال إلى الدعم النقدي قد يحمل مخاطر في حال عدم وجود آليات دقيقة لضمان وصول الأموال إلى الأسر الأكثر حاجة، خصوصاً مع تغير أسعار السلع بشكل مستمر.
كما يخشى البعض من أن يؤدي تحرير أسعار بعض المنتجات الأساسية إلى تراجع القدرة الشرائية للدعم النقدي إذا لم تتم مراجعته وفقاً لمعدلات التضخم.
الفئات محدودة الدخل في مواجهة الضغوط
بالنسبة للعديد من الأسر التي فقدت بطاقاتها التموينية، لا يتعلق الأمر فقط بفقدان بعض السلع المدعومة، بل بفقدان جزء من الاستقرار اليومي الذي كانت توفره هذه المنظومة.
ويؤكد خبراء في الحماية الاجتماعية أن أي إصلاح لمنظومة الدعم يحتاج إلى دراسة دقيقة للبيانات، ووضع آليات تظلم فعالة، حتى لا تتحول عملية إعادة تنظيم الدعم إلى عبء إضافي على الفئات الأكثر هشاشة.
كما يشير اقتصاديون إلى أن نجاح أي نظام جديد يعتمد على قدرته في تحقيق التوازن بين ضبط الإنفاق الحكومي وحماية الأسر محدودة الدخل من آثار ارتفاع الأسعار.
الحكومة: الهدف تحسين العدالة في توزيع الدعم
من جهتها، تؤكد الحكومة المصرية أن عمليات حذف بعض البطاقات تأتي ضمن جهود تنقية قواعد البيانات واستبعاد غير المستحقين، مع توفير إمكانية التظلم لمن يرى أن الحذف تم بشكل غير صحيح.
وتوضح وزارة التموين أن نظام الدعم الجديد يهدف إلى منح المواطنين مرونة أكبر في اختيار احتياجاتهم، عبر توسيع خيارات السلع المتاحة، بدلاً من الاقتصار على قائمة محددة من المنتجات.
بين الإصلاح الاقتصادي والحماية الاجتماعية
يبقى ملف الدعم في مصر من أكثر القضايا الاجتماعية حساسية، إذ يقع عند نقطة التوازن بين حاجة الدولة إلى تطوير منظومة الإنفاق، وضرورة حماية ملايين الأسر التي تعتمد على الدعم في مواجهة الأعباء اليومية.
وبينما تستمر الحكومة في تنفيذ خطط إصلاح المنظومة، يبقى التحدي الأكبر هو ضمان ألا يفقد الأكثر احتياجاً آخر وسائل الحماية التي يعتمدون عليها في حياتهم اليومية.





