بغداد ترفع صادراتها إلى مليوني برميل يوميًا وتسرّع خطط تنويع المنافذ نحو تركيا وسوريا لتقليص مخاطر الاعتماد على المضيق
في تحوّل لافت يعكس محاولات العراق التكيّف مع التداعيات الاقتصادية والجيوسياسية للحرب في الشرق الأوسط، أعلن وزير النفط العراقي باسم خضير أن صادرات البلاد النفطية بلغت خلال أغسطس/آب الجاري نحو مليوني برميل يوميًا، وهو أعلى مستوى تسجله بغداد منذ اندلاع الأزمة وإغلاق مضيق هرمز أمام حركة الملاحة النفطية بصورة طبيعية.
ويكتسب هذا التطور أهمية خاصة بالنسبة إلى العراق، الذي يعتمد بصورة شبه كاملة على عائدات الخام لتمويل موازنته العامة، في وقت دفعت فيه الاضطرابات الإقليمية الحكومة إلى إعادة النظر في منظومة تصدير النفط، والبحث عن مسارات بديلة تقلل من تعرض الاقتصاد للصدمات المرتبطة بمضيق هرمز.
وقال خضير، خلال مؤتمر صحفي في البصرة، إن متوسط الصادرات منذ بداية أغسطس بلغ مليوني برميل يوميًا، بما يعادل نحو 26 مليون برميل خلال الفترة الماضية من الشهر، مؤكدا أن هذا المستوى يتحقق للمرة الأولى منذ بداية الأزمة.
أزمة هرمز تضرب شريان الاقتصاد العراقي
قبل اندلاع الحرب في 28 فبراير/شباط الماضي، كان العراق ينتج قرابة 4 ملايين برميل من النفط يوميًا، ويصدر في المتوسط نحو 105 ملايين برميل شهريًا، يخرج الجزء الأكبر منها عبر موانئ البصرة جنوب البلاد، ومنها إلى الأسواق العالمية من خلال مضيق هرمز.
لكن إغلاق المضيق وضع بغداد أمام واحدة من أخطر نقاط الضعف في اقتصادها النفطي؛ إذ اضطرت السلطات إلى خفض الإنتاج في عدد كبير من الحقول مع امتلاء الخزانات وعدم القدرة على تصريف الكميات المعتادة.
ومع تقلص قدرة العراق على استخدام منفذه التقليدي عبر الخليج، لجأت الحكومة إلى زيادة الاعتماد على مسارات بديلة، من بينها نقل كميات من الخام عبر الأراضي السورية باستخدام شاحنات الصهاريج، إلى جانب التصدير عبر تركيا بواسطة خط الأنابيب المتجه إلى ميناء جيهان على البحر المتوسط.
وشهد مضيق هرمز انفراجًا مؤقتًا عقب مذكرة تفاهم وُقعت مع واشنطن في يونيو/حزيران الماضي، قبل أن تعود طهران إلى تقييد حركة الملاحة عقب تجدد العمليات العسكرية مطلع يوليو/تموز.
ورغم هذه القيود، تمكن العراق خلال يوليو من تصدير نحو 49 مليون برميل، مرّ أكثر من 30 مليونًا منها عبر مضيق هرمز، في مؤشر على أن الممر البحري ما زال يحتفظ بأهميته الحيوية بالنسبة إلى صادرات بغداد.
استراتيجية لتعدد منافذ التصدير
الأزمة دفعت الحكومة العراقية إلى تسريع ما تصفه باستراتيجية تنويع منافذ تصدير النفط، في محاولة لتجنب تكرار سيناريو توقف الصادرات بسبب اعتمادها على ممر بحري واحد.
وأكد وزير النفط أن بغداد تعتزم الإبقاء على مضيق هرمز باعتباره منفذًا أساسيًا، بالتوازي مع تعزيز قدرات التصدير عبر ميناء جيهان التركي، إضافة إلى تطوير خطوط جديدة باتجاه سوريا والبحر المتوسط.
وتشمل الخطط المطروحة تنفيذ خط أنابيب يمتد من البصرة إلى فيشخابور شمال العراق، ضمن مشروع يتولاه ائتلاف يضم شركة شيفرون وشركة «يو سي سي» القطرية، إلى جانب خط آخر من حديثة باتجاه ميناء بانياس السوري.
وإذا نُفذت هذه المشاريع وفق المخطط لها، فقد تمنح العراق للمرة الأولى شبكة تصدير أكثر تنوعًا بين الخليج والبحر المتوسط، وهو ما قد يقلص التأثير المباشر لأي اضطراب في مضيق هرمز على تدفقات الخام العراقي.
جيهان يعود إلى واجهة الحسابات النفطية
وتحتل تركيا موقعًا متزايد الأهمية في الاستراتيجية العراقية الجديدة. فقد توصلت بغداد وأنقرة في الأول من أغسطس/آب إلى اتفاق يقضي بتمديد التفاهمات النفطية بين البلدين لمدة عام، إلى حين إعداد اتفاقية إطارية طويلة الأجل.
ولا تقتصر أهمية المسار التركي على صادرات نفط إقليم كردستان، إذ تسعى بغداد أيضًا إلى نقل جزء من نفط الحقول الجنوبية عبر شبكة الأنابيب باتجاه جيهان، مع خطط للوصول إلى طاقة تصديرية تتجاوز 700 ألف برميل يوميًا.
ويعني ذلك أن العراق يحاول تحويل خط جيهان من مسار يرتبط أساسًا بنفط شمال البلاد إلى أحد المكونات الرئيسية في منظومة تصدير وطنية أكثر مرونة.
مليارات الدولارات على المحك
لا تقتصر أهمية استعادة الصادرات على قطاع الطاقة، بل تمتد مباشرة إلى المالية العامة العراقية.
فبحسب المدير العام لشركة تسويق النفط العراقية «سومو» علي نزار الشطري، يبيع العراق شحناته النفطية بنحو 60 دولارًا للبرميل، وقد تصل عائدات الصادرات النفطية إلى قرابة 3 مليارات دولار خلال أغسطس إذا استمر معدل التصدير قرب مليوني برميل يوميًا.
وتكتسب هذه الإيرادات أهمية استثنائية في بلد تؤمّن فيه مبيعات النفط نحو 90% من إيرادات الدولة، وتوفر الجزء الأكبر من العملات الأجنبية المستخدمة في تمويل الواردات ودعم استقرار الدينار وتسديد رواتب ملايين العاملين والمتقاعدين.
ورغم الضغوط التي فرضتها الأزمة، تؤكد الحكومة العراقية أنها ما زالت قادرة على تمويل الرواتب دون اللجوء إلى الاقتراض الخارجي.
لكن استمرار هذا الوضع يبقى مرتبطًا بقدرة بغداد على الحفاظ على مستويات تصدير مستقرة، خصوصًا في حال استمرار التوترات الإقليمية أو تعرض مسارات التصدير البديلة لضغوط سياسية أو أمنية.
اختبار للاقتصاد الريعي
كشفت أزمة هرمز مجددًا هشاشة نموذج اقتصادي يعتمد بصورة كبيرة على مورد واحد وممر تصدير رئيسي.
فالعراق يمتلك احتياطيات نفطية ضخمة وقدرة إنتاجية كبيرة، لكن القيمة الاقتصادية لهذه الموارد تبقى مرتبطة بقدرته على إيصال النفط إلى الأسواق العالمية بصورة منتظمة وآمنة.
ومن هنا، لا تبدو مشاريع خطوط الأنابيب الجديدة مجرد توسع في البنية التحتية، بل تمثل محاولة لإعادة صياغة مفهوم الأمن الاقتصادي العراقي، من خلال توزيع المخاطر بين عدة منافذ بدلاً من ترك معظم الصادرات رهينة لمضيق واحد.
وفي الوقت نفسه، تدرك بغداد أن تنويع طرق تصدير النفط لا يعالج المشكلة الاقتصادية الأعمق المتمثلة في اعتماد الدولة على الخام كمصدر رئيسي للإيرادات.
ولهذا أعلنت الحكومة هدفًا أكثر طموحًا يتمثل في رفع حصة الإيرادات غير النفطية من نحو 10% حاليًا إلى 45% من الموازنة العامة بحلول عام 2037.
مرحلة جديدة
نجاح العراق في رفع صادراته إلى مليوني برميل يوميًا يمنحه متنفسًا ماليًا مهمًا، لكنه لا يعني انتهاء الأزمة.
فمضيق هرمز ما زال عنصرًا حاسمًا في معادلة الطاقة العراقية، بينما تحتاج مشاريع خطوط الأنابيب الجديدة إلى استثمارات واتفاقات سياسية وضمانات أمنية قبل أن تتحول إلى بدائل كاملة وفعالة.
ومع ذلك، قد تكون الأزمة الحالية نقطة تحوّل في السياسة النفطية العراقية. فبعد عقود من الاعتماد شبه المطلق على الممر الخليجي، تبدو بغداد اليوم أكثر إصرارًا على بناء شبكة تصدير متعددة الاتجاهات تمتد من الخليج إلى تركيا وسوريا والبحر المتوسط.
وبالنسبة إلى العراق، لم يعد السؤال متعلقًا فقط بكمية النفط التي يستطيع إنتاجها، بل بعدد الطرق التي يستطيع من خلالها إيصال هذا النفط إلى العالم عندما تتغير خرائط السياسة والحرب.





