انكمشت محفظة القروض المصرفية من 58.1 مليار دولار مطلع عام 2019 إلى 5.2 مليارات دولار في نهاية 2025، فيما باتت القروض المتعثّرة تشكّل أكثر من 86% من الائتمان القائم. أرقام تكشف أن أزمة المصارف لا تقتصر على خسائر الودائع، بل تشمل أيضاً انهياراً شبه كامل في وظيفة الوساطة المالية.
لا تقتصر أزمة المصارف اللبنانية على الفجوة الهائلة بين التزاماتها تجاه المودعين وقيمة موجوداتها القابلة للاسترداد. فإلى جانب الخسائر المرتبطة بتوظيفات المصارف لدى مصرف لبنان والدولة، تحمل ميزانياتها محفظة ائتمانية شديدة التعثّر، قدّر مصرف لبنان نسبتها، استناداً إلى إفصاحات المصارف، بنحو 86.3% من إجمالي القروض في تشرين الأول 2025.
وتعني هذه النسبة أن الجزء الأكبر من الأموال التي أقرضتها المصارف إلى الشركات والأفراد لم يعد يُسدّد بصورة منتظمة، وأن قدرتها على استرداد هذه الأموال باتت مرتبطة بإعادة هيكلة الديون أو بتسييل الضمانات المقابلة لها. وهي عملية قد تمتد لسنوات، نظراً إلى تعقيدات الإجراءات القضائية، وتراجع أسعار بعض الأصول، وصعوبة بيع الضمانات في اقتصاد يعاني ركوداً حاداً وانكماشاً في الطلب.
وبذلك، تصبح القروض المتعثّرة واحدة من أبرز العلامات على الإفلاس الوظيفي للقطاع المصرفي. فالمصارف لم تعد قادرة على تحويل الودائع إلى تمويل منتج للشركات والأسر، فيما تعكس نوعية محفظتها الائتمانية حجم الانهيار الاقتصادي وصعوبة الأوضاع المالية والاجتماعية للمقترضين.
انكماش الائتمان 91% منذ بداية الأزمة
بحسب تقرير «المراجعة الاقتصادية الكلية» الصادر عن مصرف لبنان، تراجع إجمالي قروض المصارف للقطاع الخاص من 5.9 مليارات دولار في نهاية عام 2024 إلى 5.2 مليارات دولار في نهاية عام 2025، بانخفاض سنوي نسبته 12.5%.
ولا تزال القروض بالدولار والعملات الأجنبية تشكّل نحو 98% من المحفظة، في مقابل 2% فقط للقروض بالليرة اللبنانية. ويعود هذا الاختلال جزئياً إلى الانهيار الكبير في قيمة العملة المحلية، الذي مكّن عدداً من المقترضين بالليرة، ولا سيما في السنوات الأولى للأزمة، من سداد ديونهم بكلفة فعلية متدنية جداً بعد تآكل قيمتها الحقيقية.
لكن الحجم الحالي للمحفظة لا يكشف وحده مدى الانهيار. ففي كانون الثاني 2019، كانت قروض المصارف للقطاع الخاص تبلغ نحو 58.1 مليار دولار. وهذا يعني أنها انكمشت خلال سنوات الأزمة بأكثر من 52.9 مليار دولار، أو بنحو 91%.
ولا يعكس هذا الانخفاض مجرّد تراجع طبيعي في الطلب على الائتمان، بل تفكّكاً واسعاً في العلاقة بين القطاع المصرفي والاقتصاد الحقيقي. فقد توقفت المصارف عملياً عن منح القروض التقليدية بعد الأزمة، فيما سُدّد جزء من القروض القديمة بأسعار صرف أدنى بكثير من سعر السوق، وتحوّل جزء آخر إلى قروض متعثّرة يصعب تحصيلها.
انهيار وظيفة الوساطة المالية
قبل الأزمة، كانت القروض المصرفية توازي نحو 23% من أصول المصارف، وتعادل 109% من الناتج المحلي الإجمالي. أمّا في نهاية عام 2025، فقد انخفضت إلى نحو 5.1% فقط من أصول القطاع، وما يقارب 16% من الناتج المحلي.
هذا التحوّل لا يمثّل مجرد تغيير في النسب المحاسبية، بل يعكس انهيار وظيفة الوساطة المالية نفسها.
فالمصرف، في وظيفته الأساسية، يستقطب المدخرات والودائع ثم يعيد توجيهها نحو تمويل استثمارات الشركات وحاجات الأسر، بما يساهم في توسيع النشاط الاقتصادي وخلق فرص العمل. إلا أن المصارف اللبنانية باتت تحمل محفظة قروض محدودة جداً قياساً بحجم ميزانياتها، فيما تعود غالبية هذه القروض إلى مرحلة ما قبل الأزمة.
وبدلاً من أن تكون الميزانيات المصرفية مدعومة بقروض منتجة وقابلة للتحصيل، أصبحت متركزة في انكشافات على مصرف لبنان والدولة، وفي قروض قديمة تعاني معدلات تعثّر استثنائية.
محفظتان مصرفيتان منفصلتان
يمكن فهم التحول الحاصل في سوق الائتمان من خلال الفصل بين القروض القديمة والقروض المعروفة باسم القروض «الفريش»، أي المموّلة من تدفقات وسيولة جديدة.
فقد بلغت قيمة القروض الفريش نحو 418 مليون دولار في نهاية عام 2024، ثم ارتفعت إلى 794 مليون دولار في نهاية عام 2025. وفي المقابل، تراجعت القروض القديمة من نحو 5.482 مليارات دولار إلى قرابة 4.406 مليارات دولار خلال الفترة نفسها.
وبذلك، تقلّصت المحفظة القديمة وحدها بنحو 1.076 مليار دولار، أو بنسبة تقارب 19.6% في سنة واحدة، وفق حسابات تستند إلى الأرقام المدوّرة الواردة في تقرير مصرف لبنان.
صحيح أن القروض الفريش ارتفعت خلال عام 2025 بنحو 376 مليون دولار، أي بنسبة تقارب 90%، إلا أن هذه الزيادة لم تعوّض سوى نحو ثلث الانخفاض المسجّل في المحفظة القديمة.
كما أن نمو القروض الفريش لا يعني أن المصارف استعادت دورها الطبيعي في تمويل الاقتصاد. فما نشأ فعلياً هو مساران منفصلان داخل القطاع.
المسار الأول يتمثل في محفظة قديمة تتقلّص تدريجاً، لكنها تبقى مثقلة بالتعثّر والخسائر المحتملة. أمّا المسار الثاني، فيتمثل في محفظة جديدة وصغيرة، مموّلة من سيولة جديدة وخاضعة لشروط مختلفة تماماً عن الشروط التي تحكم الودائع والأموال القديمة.
ورغم ارتفاع حصة القروض الفريش من نحو 7% إلى 15% من إجمالي الائتمان، فإن قيمتها بقيت دون 2.5% من الناتج المحلي الإجمالي. وهي نسبة أضيق بكثير من أن تقود دورة ائتمانية واستثمارية فعلية، أو أن تموّل تعافياً واسعاً في الاقتصاد.
تعثّر عند مستويات غير مسبوقة
يبقى المؤشر الأكثر خطورة مرتبطاً بنوعية المحفظة المتبقية. فقد بلغت نسبة القروض المتعثّرة 86.3% في تشرين الأول 2025، مقارنة بنحو 8.9% في كانون الأول 2019. أي إن نسبة التعثّر تضاعفت نحو عشر مرات منذ بداية الأزمة.
ولا ينبغي تفسير استقرار النسبة الإجمالية بين شباط وتشرين الأول 2025 بوصفه مؤشراً إيجابياً. فثبات النسبة قد ينتج من تغيرات في إجمالي الانكشافات، وليس بالضرورة من تحسن قدرة المقترضين على السداد أو من انخفاض ملموس في قيمة القروض المتعثّرة.
فعلى سبيل المثال، انخفضت نسبة التعثّر في شريحة القروض التي تقل عن 10 مليارات ليرة من 78.4% إلى 69.9%. لكن هذا التحسن الظاهري نتج بدرجة كبيرة من ارتفاع إجمالي الانكشافات بنسبة 9%، بينما انخفض رصيد القروض المتعثّرة بنحو 3% فقط.
وفي شريحة القروض التي تتراوح بين 10 مليارات و20 مليار ليرة، تراجعت نسبة التعثّر من 83.4% إلى 80%، رغم ارتفاع القيمة الفعلية للقروض المتعثّرة بنسبة 1%. والسبب أن إجمالي الانكشافات نما بوتيرة أسرع.
أي إن انخفاض النسبة في الحالتين يعود جزئياً إلى اتساع المقام الذي تُحتسب على أساسه، ولا يشكل دليلاً كافياً على حصول عمليات سداد واسعة أو على تحسن جوهري في نوعية الأصول.
كبار المدينين في قلب المشكلة
تتركز أزمة التعثّر بصورة أكبر لدى كبار المقترضين. فالقروض التي تتجاوز قيمتها 50 مليار ليرة تمثّل نحو 87.9% من إجمالي الانكشافات، ونحو 89% من مجمل القروض المتعثّرة.
كما ارتفعت نسبة التعثّر ضمن هذه الشريحة من 86.8% إلى 87.4%، ما يشير إلى أن المشكلة ليست موزعة بالتساوي بين المقترضين، بل تتركز في عدد محدود نسبياً من الانكشافات الكبيرة.
ويقدّر مصرف لبنان أنه في حال خفض القروض المتعثّرة ضمن هذه الشريحة بنسبة 20%، مع ثبات إجمالي الانكشافات، يمكن أن تتراجع نسبة التعثّر الإجمالية من 86.3% إلى نحو 70.9%.
إلا أن هذا السيناريو يكشف أيضاً عمق الأزمة. فحتى بعد معالجة خُمس القروض المتعثّرة لدى كبار المدينين، ستبقى أكثر من 70% من المحفظة الائتمانية متعثّرة.
وهذا يعني أن إعادة هيكلة عدد من القروض الكبرى تمثل خطوة ضرورية، لكنها لن تكون كافية وحدها لإعادة تكوين محفظة مصرفية سليمة أو لاستعادة الثقة بالقطاع.
خسائر القروض جزء من الفجوة المالية
يعيد مصرف لبنان جزءاً من الانخفاض الكبير في حجم القروض إلى السنوات الأولى من الأزمة، حين تمكّن عدد من المقترضين من سداد ديونهم وفق أسعار صرف رسمية كانت أدنى بكثير من سعر السوق.
وقد أدى ذلك إلى تآكل القيمة الحقيقية لموجودات المصارف. فالقرض الذي كان مسجلاً في الميزانية بقيمة محددة بالدولار، أو بما يعادلها، جرى في بعض الحالات تسديده بليرات فقدت الجزء الأكبر من قوتها الشرائية، ما نقل الخسارة من المقترض إلى المصرف، ومن المصرف في نهاية المطاف إلى المودعين والمساهمين وسائر الأطراف المعنية بتوزيع خسائر القطاع.
أما استمرار انكماش المحفظة اليوم، فيرتبط بضعف ميزانيات المصارف، ومحدودية السيولة الجديدة، وارتفاع مخاطر الإقراض، وغياب إطار شامل لمعالجة الخسائر وإعادة هيكلة القطاع.
لذلك، لا يمكن فصل ملف القروض المتعثّرة عن النقاش المتعلق بالفجوة المالية، ورسملة المصارف، وإعادة هيكلتها، وتحديد الأطراف التي ستتحمل الخسائر.
فقيمة أي مصرف لا تتحدد فقط بحجم التزاماته تجاه المودعين، بل أيضاً بقدرته على تحصيل موجوداته. وإذا كانت غالبية القروض غير منتظمة، فإن تقدير الخسائر الفعلية يتطلب معرفة حجم المؤونات التي كوّنتها المصارف، والقيمة السوقية للضمانات، واحتمالات تحصيلها، والفترة الزمنية اللازمة لذلك.
البيانات المطلوبة قبل الحديث عن التعافي
قبل الحديث عن عودة المصارف إلى ممارسة دورها الطبيعي، يفترض نشر بيانات أكثر تفصيلاً عن القيمة الفعلية للقروض المتعثّرة، بدلاً من الاكتفاء بالنسب الإجمالية.
وتشمل البيانات المطلوبة حجم المؤونات المكوّنة في مقابل كل فئة من القروض، والقيمة الدفترية والسوقية للضمانات، ونسب التغطية، وعدد كبار المقترضين، وتوزع القروض المتعثّرة بحسب القطاعات الاقتصادية، ومدى تركزها داخل كل مصرف.
كما يجب التمييز بين قرض متعثّر تدعمه ضمانات قابلة للتسييل، وقرض آخر فقدت ضماناته قيمتها أو يصعب تحصيلها قانونياً. فالنسبة الإجمالية للتعثّر، مهما بلغت أهميتها، لا تكفي وحدها لقياس الخسارة النهائية.
ومن دون معالجة المحفظة القديمة والكشف عن خسائرها الفعلية، سيبقى نمو القروض الفريش أشبه بإنشاء قناة مصرفية صغيرة وموازية إلى جانب قطاع قديم متوقف عن العمل، لا بإعادة إحياء النظام المصرفي.
فاستعادة وظيفة الوساطة المالية لا تتحقق بمجرد تسجيل زيادة محدودة في القروض الجديدة، بل تتطلب أولاً تنظيف الميزانيات، والاعتراف بالخسائر، وإعادة رسملة المؤسسات القابلة للاستمرار، وإخراج المصارف غير القادرة على الاستمرار من السوق، ضمن إطار قانوني عادل وواضح.
عندها فقط يمكن الانتقال من قطاع يحاول إدارة إرث الأزمة إلى قطاع قادر فعلاً على تمويل الاقتصاد.





