دراسة حديثة تكشف نظامًا بيئيًا ذا بصمة بحرية ظل معزولًا تحت نهر تايلور الجليدي لمئات آلاف السنين
في قلب القارة القطبية الجنوبية، حيث تمتد واحدة من أكثر البيئات برودة وجفافًا على سطح الأرض، يخرج من أسفل نهر تايلور الجليدي تدفق مائي بلون أحمر داكن، في مشهد أثار فضول العلماء والمستكشفين لأكثر من قرن، وأكسب الظاهرة اسمها الشهير: «شلالات الدم».
ولسنوات طويلة، عرف الباحثون السبب الكيميائي وراء هذا اللون اللافت؛ فالمياه شديدة الملوحة التي تتدفق من باطن الجليد غنية بالحديد، وعندما تلامس الهواء يتأكسد الحديد ويتحول إلى مركبات حمراء اللون، في عملية تشبه إلى حد بعيد تكوّن الصدأ على المعادن.
لكن دراسة علمية حديثة ذهبت أبعد من تفسير اللون، وكشفت أن المياه الخارجة من شلالات الدم قد تحمل في داخلها سجلًا حيًا لبحر قديم اختفى منذ مئات آلاف السنين.
بحر قديم تحت الجليد
تشير النتائج إلى أن المنطقة المحيطة بنهر تايلور الجليدي كانت في حقبة سابقة متصلة بالبحر، خلال فترة كان فيها مستوى المياه أعلى مما هو عليه اليوم.
ومع تغير المناخ وانخفاض درجات الحرارة وتقدم الأنهار الجليدية، انحسرت مياه البحر تدريجيًا، إلا أن جزءًا منها بقي محاصرًا تحت كتل جليدية سميكة.
وبمرور الزمن، تحولت تلك المياه إلى خزان جوفي شديد الملوحة، معزول إلى حد كبير عن المحيط والبيئة الخارجية.
وكان العلماء قد اشتبهوا منذ عقود في أن المياه المتدفقة من شلالات الدم تمثل بقايا لهذا النظام البحري القديم، إلا أن الأدلة المتوافرة سابقًا اعتمدت بصورة رئيسية على الخصائص الكيميائية والجيولوجية للمياه.
أما الدراسة الجديدة، فقد أضافت عنصرًا مختلفًا: الدليل البيولوجي.
167 عينة بحثًا عن البصمة البحرية
للكشف عن أصل المياه بصورة أكثر دقة، جمع فريق الباحثين 167 عينة من مواقع متعددة في منطقة شلالات الدم ووادي ماكموردو، شملت المياه والجليد والرواسب والطين وحتى عينات من الهواء.
ثم أخضع العلماء العينات لتحليلات جينية متقدمة بهدف تحديد الكائنات الدقيقة الموجودة فيها ومقارنة مجتمعاتها الميكروبية مع تلك المعروفة في البيئات البحرية.
وكشفت النتائج عن تنوع كبير في الكائنات المجهرية، من بينها مجموعات ترتبط عادة بالبحار والمحيطات، مثل الدياتومات والهابتوفيتات والدينوفلاجيلات والهدبيات، وهي كائنات تلعب أدوارًا أساسية داخل الأنظمة البيئية البحرية.
ولم يقتصر الأمر على مجرد العثور على كائنات ذات صلة بالبيئات البحرية، إذ أظهرت المقارنات الجينية وجود تشابه واضح بين جزء من الكائنات الدقيقة في شلالات الدم وتلك الموجودة في مياه البحر المحيطة بالقارة القطبية الجنوبية.
ووجد الباحثون أن نحو 9.3% من الكائنات الدقيقة المسجلة في منطقة شلالات الدم كانت مشتركة مع المجتمعات الميكروبية البحرية، في حين لم تتجاوز النسبة في مواقع أخرى من الوديان الجافة نحو 1.15%.
ويمنح هذا الفارق الباحثين مؤشرًا قويًا على أن البصمة البحرية ليست مجرد نتيجة لوصول كائنات دقيقة من البحر عبر الرياح أو عوامل النقل الطبيعية، بل قد تعكس الأصل البحري للمياه نفسها.
كيف يبقى الماء سائلاً عند 7 درجات تحت الصفر؟
يثير شلال الدم لغزًا آخر لا يقل إثارة: كيف يمكن للمياه أن تبقى في حالة سائلة بينما تبلغ حرارتها نحو 7 درجات مئوية تحت الصفر؟
تكمن الإجابة بصورة أساسية في الملوحة الشديدة.
فكلما ارتفع تركيز الأملاح في الماء، انخفضت درجة تجمده، ما يسمح للمحاليل الملحية بالبقاء سائلة في درجات حرارة يتجمد عندها الماء العذب منذ وقت طويل.
كما أن عمليات تجمد المياه المالحة وتغير حالتها الفيزيائية يمكن أن تؤثر في التوازن الحراري داخل النظام تحت الجليدي، بما يساعد على استمرار وجود جيوب وممرات من المياه السائلة في بيئة شديدة البرودة.
مختبر طبيعي للحياة في الظروف القاسية
ولا تقتصر أهمية الاكتشاف على تفسير تاريخ شلالات الدم، إذ يقدم النظام المائي المدفون تحت نهر تايلور نموذجًا طبيعيًا نادرًا لدراسة قدرة الكائنات الدقيقة على البقاء في ظروف تبدو شديدة القسوة.
فهذه الكائنات تعيش في بيئة شديدة البرودة والملوحة، محدودة الضوء ومعزولة منذ فترات زمنية طويلة، وهو ما يجعلها ذات أهمية خاصة للباحثين الذين يدرسون حدود الحياة على الأرض.
كما يمكن لهذه البيئات أن تساعد العلماء على فهم كيفية استمرار النظم البيولوجية في أماكن مغلقة ومعزولة تحت الجليد لفترات طويلة، وكيف تتكيف الكائنات الدقيقة مع النقص الشديد في الموارد والطاقة.
وتحمل هذه الأسئلة أهمية تتجاوز القارة القطبية الجنوبية، إذ تُستخدم البيئات الجليدية المتطرفة على الأرض أحيانًا كنماذج لفهم الظروف التي قد توجد فيها الحياة في عوالم جليدية أخرى.
نافذة حمراء على تاريخ القارة القطبية
بعد أكثر من قرن على اكتشاف شلالات الدم، لم يعد التدفق الأحمر الغريب مجرد ظاهرة جغرافية مثيرة للانتباه.
فالمياه التي تتسرب اليوم من أسفل نهر تايلور قد تكون نافذة على مرحلة مختلفة تمامًا من تاريخ القارة القطبية الجنوبية، حين كانت مياه البحر تصل إلى مناطق أصبحت اليوم مدفونة تحت الجليد.
وبفضل التحليل الجيني للكائنات المجهرية، بات العلماء يمتلكون دليلًا جديدًا يعزز فرضية أن النظام المائي الحالي يحتفظ ببصمة ذلك البحر القديم.
وهكذا تتحول «شلالات الدم» من مشهد طبيعي غريب إلى أرشيف بيئي حي، حفظ تحت الجليد قصة بحر اختفى منذ مئات آلاف السنين، وما زالت آثاره تتدفق إلى السطح قطرة بعد أخرى.





