عاد الذهب إلى جذب أنظار المستثمرين بعدما ارتفع إلى أعلى مستوى له في نحو تسعة أسابيع، مدعوما ببيانات ضعيفة من سوق العمل الأمريكي وتراجع التوقعات بشأن تشديد السياسة النقدية في الولايات المتحدة. لكن الصعود الحالي لا يرتبط بعامل واحد فقط، بل يأتي نتيجة تداخل مجموعة من المتغيرات الاقتصادية والنقدية والجيوسياسية التي قد تحدد مسار المعدن النفيس خلال الأشهر المقبلة.
وسجل الذهب في المعاملات الفورية نحو 4379 دولارا للأوقية، بينما ارتفعت العقود الأمريكية الآجلة إلى قرابة 4440 دولارا، في تحرك أعاد التفاؤل إلى الأسواق بعد فترة من التذبذب. ومع ذلك، لا تزال الأسعار بعيدة عن القمة المسجلة في يناير/كانون الثاني عند 5589 دولارا للأوقية.
سوق العمل يعيد خلط أوراق الفائدة
المحرك المباشر لارتفاع الذهب كان بيانات الوظائف الأمريكية الأخيرة، التي أظهرت فقدان الاقتصاد نحو 23 ألف وظيفة خلال يوليو/تموز، إلى جانب تعديلات هبوطية كبيرة لأرقام مايو/أيار ويونيو/حزيران.
هذه البيانات عززت المخاوف من تباطؤ الاقتصاد الأمريكي، ودفعت المستثمرين إلى إعادة تقييم توقعاتهم بشأن أسعار الفائدة.
فكلما ظهرت إشارات إلى ضعف سوق العمل، تتراجع قدرة مجلس الاحتياطي الفدرالي على الاستمرار في سياسة نقدية متشددة، خصوصا إذا ترافق ذلك مع انخفاض تدريجي في التضخم.
وتكتسب أسعار الفائدة أهمية خاصة بالنسبة إلى الذهب، لأن المعدن الأصفر لا يمنح حامله عائدا دوريا مثل السندات. لذلك، عندما ترتفع عوائد السندات يصبح الاحتفاظ بالذهب أقل جاذبية نسبيا، بينما يؤدي انخفاضها عادة إلى تعزيز الطلب عليه.
ومن هنا، فإن تراجع توقعات رفع الفائدة في الولايات المتحدة يشكل أحد أبرز عناصر الدعم لأسعار الذهب حاليا.
التضخم.. الاختبار التالي للأسواق
رغم ضعف سوق العمل، فإن اتجاه الذهب خلال المرحلة المقبلة لن يتحدد ببيانات الوظائف وحدها.
فالأسواق تنتظر بيانات التضخم الأمريكية باعتبارها العامل الأكثر حساسية في تحديد قرارات مجلس الاحتياطي الفدرالي. وإذا أظهرت الأرقام استمرار تباطؤ أسعار المستهلكين، فقد تتراجع المبررات التي تدفع البنك المركزي إلى رفع أسعار الفائدة، وهو سيناريو قد يوفر دعما إضافيا للذهب.
أما إذا جاءت أرقام التضخم أعلى من التوقعات، فقد تعود المخاوف من تشديد السياسة النقدية، وهو ما قد يضغط مؤقتا على أسعار المعدن.
وبالتالي، فإن المستثمر الذي يراهن على استمرار صعود الذهب بناء على ضعف الوظائف فقط قد يتجاهل جزءا مهما من الصورة. فالمعادلة الحقيقية بالنسبة إلى الاحتياطي الفدرالي تتمثل في الموازنة بين خطرين: التضخم من جهة، وتباطؤ النمو وارتفاع البطالة من جهة أخرى.
البنوك المركزية تغير قواعد السوق
بعيدا عن تحركات الفائدة قصيرة الأجل، يبرز عامل أكثر قوة واستدامة، وهو الطلب المتزايد من البنوك المركزية العالمية.
فخلال السنوات الأخيرة، اتجهت بنوك مركزية عديدة إلى زيادة احتياطياتها من الذهب بهدف تنويع الأصول وتقليل الاعتماد على العملات الأجنبية والسندات السيادية.
وبحسب بيانات مجلس الذهب العالمي، أضافت البنوك المركزية نحو 289 طنا من الذهب إلى احتياطياتها خلال النصف الأول من عام 2026، بزيادة كبيرة مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.
كما تشير استطلاعات المجلس إلى أن نسبة مهمة من البنوك المركزية تعتزم زيادة حيازاتها من المعدن خلال الاثني عشر شهرا المقبلة.
وتمنح هذه المشتريات الذهب دعما هيكليا يختلف عن المضاربات قصيرة الأجل. فالبنوك المركزية لا تتعامل عادة مع الذهب بهدف تحقيق أرباح سريعة، بل باعتباره أصلا استراتيجيا ووسيلة للتحوط من المخاطر المالية والجيوسياسية.
ويعني ذلك أن الطلب الرسمي قد يضع أرضية قوية للأسعار حتى في الفترات التي يتراجع فيها طلب المستثمرين الأفراد.
هل يصل الذهب إلى 6000 دولار؟
تبدو توقعات المؤسسات المالية الكبرى متفائلة بصورة ملحوظة.
فقد توقع بنك “يو بي إس” وصول الذهب إلى مستوى 5000 دولار للأوقية خلال النصف الأول من عام 2027، بينما ذهب “جيه بي مورغان” إلى سيناريو أكثر تفاؤلا، مقدرا إمكانية وصول الأسعار إلى نحو 6000 دولار في الربع الأخير من عام 2026، ثم 6300 دولار بحلول نهاية 2027.
لكن التعامل مع هذه المستويات باعتبارها نتيجة حتمية سيكون خطأ.
فتحقيقها يتطلب استمرار عدد من الظروف الداعمة في الوقت نفسه، مثل ضعف الدولار، وتراجع العوائد الحقيقية على السندات، واستمرار مشتريات البنوك المركزية، وعدم عودة التضخم بصورة تدفع الاحتياطي الفدرالي إلى موجة جديدة من التشديد النقدي.
وبالمقابل، فإن قوة الاقتصاد الأمريكي أو عودة التضخم للارتفاع أو ارتفاع حاد في عوائد السندات يمكن أن تعرقل هذا السيناريو.
الطاقة والجغرافيا السياسية
كما يبقى الوضع الجيوسياسي عنصرا مؤثرا، وإن كان تأثيره على الذهب أكثر تعقيدا مما يبدو.
فالذهب يستفيد عادة من تصاعد المخاطر باعتباره ملاذا آمنا، لكن النزاعات قد تؤدي في الوقت نفسه إلى ارتفاع أسعار النفط والطاقة، وبالتالي إلى زيادة التضخم، وهو ما قد يدفع البنوك المركزية نحو تشديد السياسة النقدية.
ولهذا فإن تراجع أسعار النفط مع انحسار التوترات المرتبطة بمضيق هرمز قد يخفف الضغوط التضخمية في الولايات المتحدة، وهو عامل يمكن أن يخدم الذهب بصورة غير مباشرة إذا قلل احتمالات رفع الفائدة.
الذهب بين الملاذ الآمن والتحول الهيكلي
اللافت في دورة صعود الذهب الحالية أنها لا تعتمد فقط على الخوف من الأزمات أو المضاربات التقليدية.
فالعالم يشهد تحولا تدريجيا في طريقة إدارة الاحتياطيات والأصول، مع اتجاه بعض الدول إلى زيادة الوزن النسبي للذهب في احتياطياتها، في وقت ترتفع فيه مستويات الدين الحكومي وتتزايد المخاطر الجيوسياسية وعدم اليقين بشأن مستقبل أسعار الفائدة والعملات الرئيسية.
لهذا، قد يكون من الأدق النظر إلى الذهب اليوم باعتباره جزءا من تحول أوسع في النظام المالي العالمي، وليس مجرد أصل يرتفع عندما تتراجع أسعار الفائدة.
وفي المدى القصير، ستظل بيانات التضخم وسوق العمل وقرارات مجلس الاحتياطي الفدرالي عوامل حاسمة في حركة الأسعار. أما على المدى المتوسط والطويل، فإن استمرار مشتريات البنوك المركزية والتحوط من الديون والمخاطر السياسية قد يمنح المعدن الأصفر دعما أكبر.
ويبقى السؤال الأهم ليس ما إذا كان الذهب سيصل إلى 5000 أو 6000 دولار للأوقية، بل ما إذا كانت العوامل التي أوصلته إلى مستوياته الحالية أصبحت مؤقتة أم تحولت إلى اتجاه اقتصادي طويل الأجل.
وحتى الآن، تبدو الأدلة أقرب إلى الاحتمال الثاني، وإن كان الطريق نحو قمم جديدة مرشحا لأن يكون مليئا بالتقلبات والتصحيحات الحادة.





