بين إعادة تفعيل نظام قديم وتغيير قواعد الدورة بعد انطلاقها، يواجه أطباء امتحانات الكولوكيوم غموضاً إدارياً يهدد مساراتهم المهنية والأكاديمية
لم يعد تأخر نتائج امتحانات الكولوكيوم في الطب العام مجرد مسألة إدارية عابرة. فبعد نحو شهر على خضوع المرشحين للامتحانين الخطي والشفهي، لا تزال النتائج معلقة، فيما برز توجه لإخضاع الناجحين لامتحان سريري عملي من نوع OSCE لم يكن مدرجاً، بحسب الأطباء، ضمن البرنامج المعلن للدورة الأولى من عام 2026.
وكان 224 طبيباً يترقبون أن يبحث مجلس التعليم العالي الملف في اجتماعه الأخير، أملاً في حسم مصير الدورة والامتحان السريري. إلا أن الاجتماع انتهى من دون مناقشة القضية، ومن دون صدور موقف رسمي عن وزارة التربية والتعليم العالي، ما دفع عدداً من المرشحين إلى التحضير لمراجعة أمام مجلس شورى الدولة.
القضية، وفق المعطيات المتاحة، لا تدور حول رفض الأطباء الخضوع لتقييم سريري، بل حول سؤال أكثر جوهرية: هل يجوز للإدارة تعديل شروط امتحان رسمي بعد انطلاقه، وبعدما أنجز المرشحون المراحل المعلنة منه؟
امتحانان أُنجزا… ونتائج لم تصدر
بحسب البرنامج الذي أعلنته وزارة التربية للدورة الأولى من امتحانات الكولوكيوم لعام 2026، خضع أطباء الطب العام للامتحان الخطي في 7 تموز، وانتقل الناجحون في اليوم التالي إلى الامتحان الشفهي.
وكان المرشحون يتوقعون صدور النتائج بعد انتهاء الامتحانات بفترة قصيرة، استناداً إلى ما جرى في دورات سابقة. إلا أن الأيام تحولت إلى أسابيع، من دون إعلان النتائج أو إصدار توضيح رسمي يحدد سبب التأخير والجدول الزمني المتوقع لاستكمال الدورة.
خلال هذه الفترة، بدأت تتسرب إلى الأطباء معلومات عن توجه لإجراء امتحان سريري عملي، يُعرف عالمياً بالـOSCE، وهو اختبار يقوم عادة على انتقال المرشح بين محطات سريرية مختلفة لتقييم قدرته على أخذ السيرة المرضية، وفحص المريض، والتواصل، واتخاذ القرار الطبي.
غير أن هذا الامتحان، بحسب المرشحين، لم يكن مدرجاً في البرنامج الذي تسلموه قبل بدء الدورة، ولم يُبلغوا رسمياً بأنه يشكل مرحلة إلزامية لاستكمالها.
وهنا بدأت الأزمة.
الاعتراض على التوقيت لا على الامتحان
يصر الأطباء المعترضون على أنهم لا يرفضون تطوير امتحانات الكولوكيوم أو تعزيز الجانب السريري في تقييم الأطباء. بل إن عدداً منهم يعتبر الامتحان العملي أكثر قدرة من الامتحانات التقليدية على قياس الكفاءة المهنية.
لكنهم يفصلون بين مبدأ اعتماد الامتحان وبين تطبيقه على دورة بدأت وفق شروط معلنة ومحددة.
وبالنسبة إليهم، فإن إدخال مرحلة امتحانية جديدة بعد إجراء الامتحانين الخطي والشفهي يعني عملياً تغيير قواعد الاستحقاق بعد انطلاقه. ويقولون إنهم اتخذوا قرارات مهنية وأكاديمية بناءً على البرنامج المعلن، وإن بعضهم غادر لبنان، فيما التحق آخرون ببرامج اختصاص أو تقدموا إلى جامعات ومستشفيات في الخارج منتظرين إفادة النجاح.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة لأن إفادة الكولوكيوم ليست مجرد نتيجة امتحان، بل وثيقة أساسية لممارسة المهنة واستكمال معاملات المعادلة والتسجيل في بعض برامج الاختصاص، داخل لبنان وخارجه.
وبالتالي، لا يقتصر أثر التأخير على الانتظار، بل قد ينعكس خسارة فرص تدريبية أو تأجيل مواعيد تسجيل أو تعثر ملفات إقامة وسفر والتزامات مهنية محددة بمهل زمنية.
لقاءات رسمية بلا قرار معلن
في محاولة لتحريك الملف، التقى ممثلون عن الأطباء المدير العام للتعليم العالي مازن الخطيب، والمدير العام لوزارة الصحة العامة وئام أبو حمدان، وقدموا مستندات تتعلق بانعكاسات تأخير النتائج على أوضاعهم الأكاديمية والمهنية.
وبحسب بيان وزعه الأطباء عقب اللقاء، أبلغهم الخطيب أن القضية سترفع إلى وزيرة التربية والتعليم العالي ريما كرامي، وأنها ستعرض على مجلس التعليم العالي.
كما نقل الأطباء عن أبو حمدان تأييده بدء تطبيق الامتحان السريري اعتباراً من العام المقبل، بدلاً من فرضه على الدورة الحالية. إلا أن هذا الموقف بقي، حتى الآن، منقولاً على لسانهم، ولم يصدر في شأنه بيان رسمي واضح عن وزارة الصحة.
وكان الأطباء ينتظرون أن يشكل اجتماع مجلس التعليم العالي محطة حاسمة، لكن الملف لم يطرح، وفق المعلومات المتداولة، على جدول النقاش. ولم تصدر الوزارة بعد الاجتماع أي إجابة علنية عن ثلاثة أسئلة أساسية: هل ستعلن نتائج الامتحانين الخطي والشفهي؟ هل سيطبق الـOSCE على مرشحي الدورة الحالية؟ وما هو الأساس القانوني والإجرائي لأي قرار في هذا الشأن؟
رواية الإدارة: ليس امتحاناً جديداً
في المقابل، تقدم أوساط المديرية العامة للتعليم العالي قراءة مختلفة للملف.
فبحسب هذه القراءة، لا يشكل الامتحان السريري استحداثاً لمرحلة جديدة، بل إعادة تفعيل لامتحان منصوص عليه في النظام المعتمد منذ عقود، لكنه لم يكن مطبقاً عملياً منذ عام 1959.
وتشير الأوساط نفسها إلى أن المديرية تملك تفويضاً يتيح تمديد فترة الامتحانات حتى نهاية العام، وأن الصلاحيات المتاحة لها تسمح بتنظيم امتحانات إضافية ضمن الفترة المحددة للاستحقاق.
إذا صحت هذه المقاربة، تصبح حجة الإدارة قائمة على أن الامتحان السريري جزء أصيل من النظام القانوني للكولوكيوم، وأن عدم تطبيقه طوال عقود لا يلغي وجوده أو يمنع العودة إليه.
لكن هذه الرواية تفتح بدورها مجموعة من الأسئلة التي لم تقدم الإدارة أجوبة علنية عنها حتى الآن: ما هو النص القانوني أو التنظيمي الذي يفرض الامتحان السريري؟ هل يحدد هذا النص مراحله وآلية إبلاغ المرشحين به؟ ولماذا أعيد تفعيله في هذه الدورة تحديداً؟ وهل اتخذ قرار رسمي بذلك قبل بدء الامتحانات أم بعدها؟
كما يبرز سؤال حول البرنامج الذي أعلنته الوزارة. فإذا كان الامتحان السريري جزءاً إلزامياً من الدورة، لماذا لم يرد بوضوح في البرنامج المنشور أو في التعليمات الموجهة إلى المرشحين؟
بين النص والممارسة
تكشف القضية عن إشكالية تتجاوز الدورة الحالية، وتتعلق بالفجوة بين النصوص التنظيمية القديمة والممارسة الإدارية المستقرة.
فإذا كان امتحان ما منصوصاً عليه لكنه لم يطبق منذ أكثر من ستة عقود، هل يكفي وجوده في النص لإعادة فرضه فوراً، أم أن حسن الإدارة يقتضي الإعلان المسبق عنه، وتحديد معاييره ومضمونه والجهات المشرفة عليه وآلية الاعتراض على نتائجه؟
الأطباء لا يجادلون، وفق طرحهم، في صلاحية الدولة لتطوير معايير الترخيص الطبي. لكنهم يتمسكون بأن أي تطوير يجب أن يبدأ من دورة لاحقة، بعد إبلاغ المرشحين مسبقاً، لا أن يطبق على أشخاص أنجزوا المراحل التي أعلنتها الوزارة قبل الامتحان.
أما الإدارة، فتبدو متمسكة بفكرة أن الدورة لم تنته بعد، وأن عدم إعلان النتائج يعني أن العملية الامتحانية ما زالت مفتوحة، بما يسمح باستكمال عناصرها قبل إصدار النتيجة النهائية.
وبين الموقفين، تغيب حتى الآن الوثيقة الأكثر أهمية: قرار رسمي مكتوب ومعلل يحدد مصير الدورة الحالية والأساس القانوني لاعتماد الامتحان السريري فيها.
مراجعة أمام مجلس شورى الدولة
أمام غياب القرار، يتجه عدد من الأطباء إلى إعداد مراجعة قضائية أمام مجلس شورى الدولة للطعن في الإجراءات المرتبطة بالدورة.
وقد تتركز المراجعة، بحسب الطرح الذي يناقشه المعترضون، على طريقة اتخاذ القرار وتوقيت إبلاغ المرشحين به، إضافة إلى الأضرار الناتجة من تعليق النتائج لفترة غير محددة.
لكن المسار القضائي نفسه يواجه مسألة أولية: ما هو القرار الإداري القابل للطعن ما دام الموقف الرسمي لم يصدر بوضوح؟
قد يعتبر الأطباء أن الامتناع عن إعلان النتائج، أو ربطها بامتحان إضافي، يشكل قراراً إدارياً ضمنياً يمكن مراجعته. في المقابل، قد تدفع الإدارة بأن الدورة لا تزال جارية وأنه لم يصدر بعد قرار نهائي يمس حقوق المرشحين.
هذا الجدل يجعل استمرار الصمت الرسمي عاملاً يزيد تعقيد القضية، إذ يبقي الأطباء في حالة انتظار، ويؤخر في الوقت نفسه إمكانية تحديد القرار الذي يمكن الاعتراض عليه قانوناً.
من يجيب عن الأسئلة العالقة؟
لا يمكن حسم النزاع بالاستناد إلى بيانات الأطباء أو إلى معلومات منسوبة إلى أوساط إدارية فقط. فالملف يحتاج إلى نشر مستندات واضحة، في مقدمها البرنامج الرسمي الكامل للدورة، والنظام القانوني للكولوكيوم، وأي قرار اتخذ لإعادة تفعيل الامتحان السريري، ومحاضر اللجان المختصة أو توصياتها.
كما يحتاج إلى توضيح رسمي من وزارة التربية بشأن عدد المرشحين، ونتائج المرحلتين المنجزتين، وأسباب عدم إعلانها، والجهة التي اقترحت إجراء الـOSCE، وتاريخ اتخاذ هذا القرار.
ويفترض أيضاً توضيح كيفية تنظيم الامتحان عملياً: أين سيجرى؟ من سيضع محطاته؟ ما هي معايير النجاح؟ هل جرى تدريب الممتحنين؟ وهل توجد آلية موحدة تضمن العدالة بين المرشحين؟
فالامتحان السريري ليس مجرد إضافة موعد إلى البرنامج. إنه عملية تحتاج إلى بنية تنظيمية ولوجستية ومعايير تقييم دقيقة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بامتحان وطني يترتب عليه منح الحق في ممارسة مهنة الطب.
أزمة ثقة قبل أن تكون أزمة امتحان
حتى الآن، لا تبدو المشكلة تقنية أو أكاديمية فقط. إنها أزمة ثقة بين المرشحين والإدارة المسؤولة عن الامتحان.
فالأطباء يقولون إنهم دخلوا دورة وفق برنامج محدد، ثم وجدوا أنفسهم أمام شروط محتملة لم يسبق إبلاغهم بها. والإدارة، من جهتها، تعتبر أن لديها صلاحيات ونصوصاً تسمح باستكمال الامتحان وفق المعايير التي تراها ضرورية.
وكان يمكن خفض مستوى التصعيد عبر إعلان رسمي مبكر يشرح الخلفية القانونية والعملية، ويحدد المواعيد ويجيب عن اعتراضات المرشحين. لكن غياب الشفافية، وتأخر النتائج، وعدم طرح الملف أمام مجلس التعليم العالي كما كان متوقعاً، دفعت القضية إلى حافة المواجهة القضائية.
المطلوب اليوم ليس فقط اتخاذ قرار بإجراء الامتحان السريري أو تأجيله، بل نشر الأساس الذي يستند إليه القرار وتحمل المسؤولية الإدارية عن نتائجه.
وبينما يستعد أطباء للجوء إلى مجلس شورى الدولة، تبقى 224 مسيرة مهنية معلقة على إجابة لم تصدر بعد: هل انتهت دورة الكولوكيوم، أم أن قواعدها لا تزال قابلة للتغيير؟





