على شُرفةِ الجبلِ العالي
وقفتِ،
كأنّكِ آخرُ فكرةٍ
لم يفرغِ اللهُ من تأويلها.
تحتكِ يجري الليطاني
مُثقَلًا بأسرارِ مَن عبروا،
يُصلّي على ضفّتَيه
ولا يبلغُ البحرَ
إلّا وقد نسيَ اسمَه.
يا قلعةً
لبستْ جسدَ الصخرِ
كي لا يراها الموتُ عارية،
كم فارسًا مرَّ من بابكِ
مؤمنًا أنّ السيفَ أطولُ من عمره،
ثم صار غبارًا
على نصلِ سيفٍ آخر؟
هنا،
كان الجنودُ يعدّون أعداءهم،
وكانتِ الريحُ تعدّهم جميعًا
في صفٍّ واحد.
هنا،
صعد المنتصرون إلى الأسوار
ولم ينتبهوا
أنّ الهزيمةَ كانت تصعد فيهم،
درجةً
درجة.
يا شقيفُ،
أيُّهما أنتِ:
حصنُ الذين احتموا بكِ،
أم شاهدُ الذين لم تحميهم؟
يقول الحجرُ:
أنا لستُ بيتًا لأحد،
أنا وقفةُ العابر
بين بابين؛
بابٍ يظنّه الحياة،
وبابٍ يسمّيه الموت
لأنّه لم يتعلّم بعدُ
لغةَ الوصول.
في الليل،
حين تنام المدافعُ
في متاحف الصدأ،
يخرجُ من شقوقكِ شيخٌ خفيّ،
يُسبّحُ بحصى المعارك
ويقول:
ليس العدوُّ مَن يقفُ وراء السور،
العدوُّ جدارٌ
نبنيه في القلب
ثم نطلبُ من الله
أن يفتحَه.
ليس الوطنُ أرضًا نملكها،
الوطنُ سرٌّ يملكنا؛
كلّما متنا من أجله
ولد فينا،
وكلّما قتلنا باسمه
ابتعد.
أصغي إليكِ،
فأسمعُ وقعَ أقدامٍ
لا أصحابَ لها،
وأرى راياتٍ
أكلتْها الشمس،
وأسماءَ ملوكٍ
صار عرشُهم الآن
عشًّا لحمامة.
فمَن كان غالبًا،
يا قلعةَ الغيم؟
الرجلُ الذي رفع الراية؟
أم العشبُ الذي نما
بعد سقوطها؟
مَن كان أبقى:
صوتُ القائدِ في الساحة،
أم صمتُ أمٍّ
كانت تنتظرُ ابنها
عند آخر الطريق؟
يا قلعةً
تعلّمتْ من الحصار
أنّ الأبوابَ لا تنقذُ البيوت،
وأنّ البيوتَ التي يسكنها الخوفُ
مهدّمةٌ
ولو ظلّت جدرانُها واقفة.
أنا أيضًا قلعةٌ،
وفي داخلي
جيوشٌ لا أعرفُ أسماءها:
رغبةٌ تريدُ احتلالي،
وذاكرةٌ ترفضُ الانسحاب،
وحبٌّ صغيرٌ
يرفعُ رايته البيضاء
ولا يستسلم.
أنا المحاصَرُ
وأنا الحصار،
أنا السهمُ
والجرحُ الذي يدلُّه،
أنا من يبحثُ عن الله
فوق الجبل،
ثم يجده
في انكساره.
علّمتِني، يا شقيفُ،
أنّ العلوَّ ليس اقترابًا من السماء؛
فكم من واقفٍ فوق القمم
كان أبعدَ عن النور
من درويشٍ
ينحني ليزرعَ وردة.
وعلّمتِني
أنّ الصخرَ لا يخلّدُ ساكنيه،
بل يحفظُ لحظةَ رحيلهم،
وأنّ التاريخَ ليس ما حدث،
بل ما بقيَ فينا
بعد أن انتهى الحدوث.
في الفجر،
ينزل الضوءُ على كتفكِ
كأنّه يدُ غريبٍ
يواسيكِ.
فتلينُ حجارتُكِ قليلًا،
وتكادين تقولين:
مرّوا جميعًا،
وبقيَ الطريق.
رفعوا السيوفَ،
وبقيَ الندى.
تقاسموا الأرضَ،
وبقيتِ السماءُ
بلا حدود.
أمّا أنا،
فما كنتُ قلعةً
ولا فاتحًا،
كنتُ سؤالًا
نام قرونًا في حجر،
ثم أيقظتْه الريح:
ماذا يبقى من الإنسان
حين يسقطُ اسمُه
عن باب الزمن؟
يبقى ما أحبّ،
لا ما امتلك.
يبقى ما أعطى،
لا ما انتصر.
يبقى منه ذلك النورُ الخفيُّ
الذي مرَّ في قلبٍ آخر
وقال له، دون كلام:
كنتُ هنا،
ولم أكن وحدي.




