بين جدران مثقوبة بالرصاص وبيوت تزدحم بلوحات لم تجد طريقها إلى قاعات العرض، يواصل الفنانون التشكيليون في اليمن ممارسة إبداعهم في ظروف استثنائية. فبعد سنوات طويلة من الحرب والتدهور الاقتصادي، لم يعد الفنان اليمني منشغلاً فقط بتوثيق الألم أو البحث عن أسلوب فني مميز، بل أصبح يخوض معركة يومية للحفاظ على فنه وتأمين أبسط متطلبات الحياة.
لقد أحدث النزاع شرخاً عميقاً بين واقع الحركة الفنية قبل الحرب وما آلت إليه اليوم. فالمعارض والملتقيات الثقافية التي كانت تمنح الفنان مساحة للظهور والتواصل تراجعت بصورة ملحوظة، كما تقلصت فرص بيع الأعمال الفنية بسبب انهيار القدرة الشرائية وغياب السياحة وضعف اهتمام المؤسسات الرسمية والخاصة بالقطاع الثقافي.
وفي هذا الواقع القاسي، تحولت اللوحة من مساحة للجمال والتأمل إلى وثيقة بصرية تسجل الخوف والفقد والنزوح والحصار. كما أصبح بيع العمل الفني في كثير من الأحيان قراراً اضطرارياً، لا يعكس قيمته الإبداعية، بل حجم الحاجة التي يواجهها صاحبه.
ريشة ناعمة وسط آثار الحرب
في حي الإخوة المطل على المناطق الشرقية من مدينة تعز، تمارس الفنانة الشابة ناعمة الشيباني الرسم في بيئة تحمل آثار سنوات من المواجهات. الرصاص الذي اخترق جدران المباني المحيطة بها لا يمثل مجرد خلفية مكانية، بل يشكل جزءاً من الذاكرة التي تتسلل إلى لوحاتها وألوانها.
بدأت ناعمة الرسم منذ المرحلة الابتدائية، وكانت ترى في الفن وسيلة للتعبير عن المشاعر التي تعجز الكلمات عن نقلها. ومع مرور الوقت، تحولت الهواية إلى مساحة شخصية لمواجهة الواقع، ثم إلى محاولة للبحث عن مصدر دخل في ظل انعدام فرص العمل.
ورغم دراستها تخصص التغذية العلاجية، لم تتمكن من إيجاد فرصة مهنية في مجالها، فوجدت نفسها تعود إلى موهبتها القديمة، على أمل أن يتيح لها الرسم دخلاً ولو محدوداً. إلا أن التجربة كشفت لها سريعاً أن بيع اللوحات لا يغطي في أحيان كثيرة تكلفة الأدوات والألوان والقماش، فضلاً عن الوقت والجهد المبذولين في إنجاز العمل.
وقد لا يتجاوز ما تحصل عليه بعد بيع إحدى لوحاتها بضعة آلاف من الريالات اليمنية، وهو مبلغ لا يوازي القيمة الحقيقية للعمل. ومع ذلك، يمنحها وجود لوحاتها في منازل الآخرين شعوراً بالتقدير، كما يشجعها اهتمام الناس بالفن على الاستمرار بعد فترات من التوقف والإحباط.
سوق فني يفتقر إلى المشترين
لا تنحصر أزمة الفنان التشكيلي اليمني في ضعف الدخل، بل تمتد إلى محدودية السوق الفنية نفسها. ففي مدن مثل تعز، تصبح الأولوية لدى معظم الأسر لتوفير الغذاء والدواء والسكن، بينما يُنظر إلى اقتناء اللوحات بوصفه أمراً ثانوياً أو نوعاً من الرفاهية.
ويؤدي هذا الواقع إلى اختلال واضح في العلاقة بين قيمة العمل الفنية وسعره في السوق. فقد ينجز الفنان لوحة كبيرة تستغرق أسابيع، ثم يضطر إلى بيعها بمبلغ زهيد بسبب حاجته إلى المال أو خوفه من بقائها مكدسة في منزله من دون عرض أو اهتمام.
كما يواجه الفنانون ضعفاً في التسويق وغياباً للصالات المتخصصة والمنصات الاحترافية التي يمكن أن تربطهم بالمشترين داخل اليمن وخارجه. وفي ظل هذه الفجوة، يلجأ كثير منهم إلى مواقع التواصل الاجتماعي، عارضين أعمالهم بصورة فردية وفي ظروف تفاوضية غير متكافئة.
لغة فنية تتشكل من الألم
على الرغم من قسوة الظروف، لا يزال المشهد التشكيلي اليمني يتميز بتنوع تجاربه وأساليبه. فإلى جانب المدرسة الواقعية، تظهر أعمال تعتمد الكولاج والفن التقليدي والتجريد والنحت واستخدام الخامات البيئية.
وقد وجدت ناعمة الشيباني هويتها الفنية في المزج بين الفن التقليدي والكولاج، لما يمنحها ذلك من حرية في التعبير واستخدام المواد والأشكال بطريقة لا تخضع للقواعد الصارمة. هذا الأسلوب مكّنها من نقل مشاعرها وتجاربها الشخصية، وجعل المتلقين يرون في أعمالها إحساساً يتجاوز الشكل الخارجي للوحة.
لكن موضوعات الأعمال الفنية نفسها تغيرت بفعل الحرب. فبعد أن كانت اللوحات قبل النزاع تحتفي بالهوية اليمنية والزخارف المعمارية والطبيعة والتراث الشعبي، أصبحت اليوم أكثر التصاقاً بالألم والخوف والهروب والحنين إلى حياة طبيعية افتقدها المجتمع.
وهكذا لم يعد الفنان مجرد منتج للجمال، بل أصبح شاهداً على عصره، يسجل بريشته ما تعجز التقارير والأرقام عن التعبير عنه.
بيع اللوحة كبيع جزء من الذاكرة
تتخذ معاناة الفنان عزيز المعافري بعداً أكثر قسوة، إذ اضطر إلى عرض بعض لوحاته للبيع عبر صفحته على فيسبوك. لم يكن القرار سهلاً بالنسبة إليه، لأن العمل الفني في نظره لا يمثل مجرد قماش وألوان، بل يحمل جزءاً من ذاكرته ومشاعره وصلته بالمكان.
تعكس لوحات المعافري الريف اليمني وحنين الإنسان إلى البساطة والحياة القديمة. لذلك يشعر أن التخلي عن لوحة أصلية يشبه التخلي عن جزء من تجربته الشخصية، خاصة أن العمل الأصلي يحتفظ بتفاصيل وروح لا يمكن أن تنقلها الصور أو النسخ الرقمية.
ورغم أن البيع ينقل ملكية اللوحة إلى شخص آخر، فإن علاقة الفنان بعمله لا تنتهي عند هذه اللحظة. فاللوحة تظل شاهدة على الوقت الذي أنفقه فيها، وعلى الظروف النفسية والاجتماعية التي رافقت ولادتها.
من هنا، لا يصبح عرض العمل للبيع مجرد معاملة تجارية، بل تجربة عاطفية مؤلمة، خصوصاً عندما يتم البيع بدافع الحاجة وليس بوصفه تقديراً حقيقياً لقيمة العمل.
حين ينقطع الراتب ولا يتوقف الفن
أما الفنان والنحات وليد دله، فيمثل نموذجاً لجيل من الفنانين الذين واصلوا الإنتاج رغم انقطاع الرواتب وتراجع الدعم المؤسسي. داخل منزله في المدينة القديمة بتعز، تتراكم اللوحات والمنحوتات التي تستعيد التاريخ اليمني وتوثق آثار الحرب وتتناول قضايا عربية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.
ورغم حصوله على جوائز وتكريمات، فإن ذلك لم ينعكس استقراراً مادياً أو مهنياً. فقد ظل لسنوات يطالب براتبه المتوقف، في وقت يواصل فيه إنتاج أعمال تحتاج إلى مواد وأدوات وتكاليف لا يستطيع الفن وحده توفيرها.
ويشير دله إلى أن أزمة الفن في اليمن ليست جديدة بالكامل، إذ عاش كثير من الفنانين أوضاعاً صعبة حتى قبل الحرب. غير أن النزاع ضاعف المعاناة بعد توقف السياحة واختفاء نسبة كبيرة من المشترين الأجانب الذين كانوا يشكلون سوقاً رئيسية للأعمال الفنية.
كما أن دائرة المهتمين باقتناء اللوحات داخل المجتمع اليمني بقيت محدودة، وهو ما جعل الفنان يعمل غالباً من دون ضمان أن يتمكن من بيع إنتاجه أو تعويض تكاليفه.
معارض تقاوم الانطفاء
على الرغم من التراجع الكبير، لم يتوقف النشاط التشكيلي في اليمن بصورة كاملة. فقد شهدت صنعاء وعدن وتعز خلال السنوات الماضية عدداً من المعارض والمبادرات الفنية، اتخذ بعضها طابعاً احتجاجياً أو توثيقياً مرتبطاً بالحرب والحصار.
ومن أبرز هذه الفعاليات معارض تناولت دور الفن في مواجهة النزاع، وأخرى أتاحت للأطفال والشباب فرصة عرض أعمالهم. كما احتضنت عدن أنشطة لجماعات فنية مستقلة، بينما شهدت تعز معارض ركزت على الحصار ومعاناة السكان.
لكن هذه الفعاليات ظلت متباعدة ومحدودة الإمكانات، كما أن كثيراً من الأنشطة التي أقيمت في المحافظات الأخرى لم تحظ بتغطية إعلامية كافية. ويكشف ذلك عن فجوة واضحة بين حجم الإنتاج الفني وقدرة المؤسسات الثقافية والإعلامية على توثيقه ودعمه.
الفن بوصفه شهادة ومقاومة
لا يعيش الفن التشكيلي في اليمن اليوم حالة ازدهار بالمعنى المهني أو الاقتصادي، لكنه لم يختفِ أيضاً. فما يجري أقرب إلى حالة مقاومة ثقافية مستمرة، يحاول من خلالها الفنانون الدفاع عن حقهم في التعبير وحماية ذاكرتهم من الضياع.
إن استمرار الفنان في الرسم وسط الفقر والحصار وانقطاع الرواتب ليس فعلاً جمالياً فقط، بل موقف وجودي في مواجهة واقع يسعى إلى اختزال الإنسان في احتياجاته اليومية. ومن خلال اللوحات، يستعيد الفنان جزءاً من صوته وكرامته وقدرته على تخيل حياة أخرى.
غير أن تمجيد صمود الفنان وحده لا يكفي؛ إذ قد يتحول الاحتفاء بقدرته على الاحتمال إلى غطاء لإهمال حقوقه. فالفنانون يحتاجون إلى صالات عرض ومنح إنتاجية وبرامج تسويق وحماية مهنية، إضافة إلى منصات رقمية تساعدهم على الوصول إلى أسواق عربية ودولية من دون وسطاء يستنزفون قيمة أعمالهم.
وحتى يتحقق ذلك، ستظل اللوحة اليمنية معلقة بين قيمتين متعارضتين: قيمتها الفنية والإنسانية من جهة، والثمن الزهيد الذي تفرضه الحاجة من جهة أخرى. وستبقى كل لوحة تباع لتوفير لقمة العيش شاهداً على مأساة فنان اضطر إلى تحويل جزء من روحه إلى وسيلة للبقاء.





