بين الكتل الجرانيتية الضخمة التي ترتفع فوق محافظة المخواة بمنطقة الباحة، يقف جبل شدا الأسفل شاهدًا طبيعيًا على آلاف السنين من التاريخ الإنساني، محتفظًا في كهوفه وتكويناته الصخرية بآثار مجتمعات قديمة استوطنت جنوب غرب الجزيرة العربية ودوّنت تفاصيل حياتها على جدران الصخر.
وتنتشر في أنحاء الجبل كهوف طبيعية اتخذها الإنسان قديمًا مساكن وملاجئ، ولا تزال بعض جدرانها تحمل رسومًا ونقوشًا ثمودية وأشكالًا آدمية وحيوانية ورموزًا متنوعة، تمثل سجلًا بصريًا للحياة الاجتماعية والبيئية التي عرفتها المنطقة في عصور سابقة.
وتمنح هذه النقوش الباحثين والمهتمين بالآثار نافذة لفهم أنماط الاستيطان القديمة، وطبيعة الحيوانات التي عاشت في المنطقة، والأنشطة اليومية التي مارسها السكان، إلى جانب ما تعكسه الرموز الصخرية من معتقدات وأساليب للتواصل والتعبير.
ولا تقتصر أهمية جبل شدا الأسفل على قيمته التاريخية والأثرية، إذ يتميز بتكوينات جيولوجية فريدة صنعتها عوامل الطبيعة عبر فترات زمنية طويلة، فتحولت صخوره إلى مشاهد هندسية مدهشة تتخللها الممرات والكهوف والتجاويف الطبيعية.
ويمتد الجبل على ارتفاع يصل إلى نحو 1600 متر فوق سطح البحر، ما يمنحه تنوعًا مناخيًا وبيئيًا لافتًا، ويجعله موطنًا لعدد من النباتات والكائنات الفطرية. كما تنتشر في محيطه الأودية والشعاب والمدرجات الزراعية التي استفاد منها السكان في زراعة محاصيل متعددة، يتقدمها البن الشدوي الذي ارتبط اسمه بهوية الجبل وتراثه الزراعي.
ومع تنامي الاهتمام بالسياحة الريفية والتراثية، أعاد أهالي جبلي شدا تأهيل عدد من الكهوف التي سكنها الآباء والأجداد في الماضي، وحولوها إلى وحدات ومنتجعات سياحية تحافظ على طابعها الصخري التقليدي، مع تزويدها بالخدمات التي تتيح للزوار الإقامة وسط بيئة الجبل الطبيعية.
وقال الباحث في تاريخ وتراث جبل شدا ناصر الشدوي إن الأهالي حرصوا على استثمار الكهوف القديمة وإحياء قيمتها التاريخية، لتتحول من مساكن تقليدية إلى وجهات سياحية تستقبل الزوار في موسمي الصيف والشتاء، وتتيح لهم التعرف على تاريخ الجبل وإرث سكانه.
وأضاف أن جبل شدا أصبح مقصدًا لعشاق المغامرات والاستكشاف والتصوير، إذ يستقطب زوارًا من داخل المملكة وخارجها، لما يقدمه من تجربة تجمع بين الطبيعة والآثار والثقافة المحلية، فضلًا عن فرصة التجول بين التكوينات الصخرية والكهوف التاريخية والمزارع الجبلية.
ويعكس هذا التحول نموذجًا للاستفادة من الموروث المحلي في تنمية السياحة، من خلال المحافظة على الهوية المعمارية والبيئية للمكان، وإشراك المجتمع المحلي في تقديم التجارب السياحية والتعريف بالمنتجات الزراعية والحرفية المرتبطة بالجبل.
ويبقى جبل شدا الأسفل أحد أكثر المعالم الطبيعية غرابة وتميزًا في المملكة، إذ تتداخل فيه الجغرافيا بالتاريخ، وتتحول صخوره وكهوفه إلى صفحات مفتوحة تروي رحلة الإنسان مع المكان، منذ الاستيطان القديم وحتى ازدهار السياحة الجبلية في العصر الحديث.





