لم يعد الخوف الأكبر من الذكاء الاصطناعي مرتبطًا فقط بخسارة الوظائف أو نشر المعلومات المضللة. داخل مختبرات التقنية ومراكز الأمن الحيوي، يتصاعد قلق أكثر رعبًا: أن تساعد النماذج المتقدمة جهة خبيثة على ابتكار مُسبّب مرض قاتل، سريع الانتشار وصعب الاكتشاف، قبل أن يمتلك العالم الأدوات اللازمة لاحتوائه.
حين يُسأل عدد من قادة الذكاء الاصطناعي وخبراء الأمن عن السيناريو الذي يثير قلقهم أكثر من غيره، يتكرر الحديث عن تهديد لا يُرى بالعين: مُسبّب مرض جديد ينتشر بصمت، ويتجاوز أنظمة المراقبة الصحية، ويصل إلى نطاق واسع قبل أن يدرك العالم طبيعته.
هذا السيناريو ليس توقعًا مؤكدًا، ولا دليل على أن الذكاء الاصطناعي قادر اليوم بمفرده على صناعة وباء. لكنه انتقل من صفحات الخيال العلمي إلى صلب المناقشات المتعلقة بالأمن القومي وسلامة النماذج الأكثر تقدمًا.
فالخطر لا يكمن في أن يتحول الذكاء الاصطناعي إلى عالم أحياء مستقل داخل مختبر، بل في أن يخفض الحواجز المعرفية أمام جهات تملك نوايا خبيثة وبعض الموارد، عبر تسريع البحث، وتلخيص المعلومات المعقدة، والمساعدة في حل المشكلات التقنية التي كانت تتطلب سابقًا سنوات من الخبرة.
أرقام تثير القلق
في دراسة أعدها باحثون من مبادرة MIT FutureTech وجامعة كوينزلاند، طُلب من 272 خبيرًا دوليًا تقييم 24 فئة من مخاطر الذكاء الاصطناعي خلال الفترة الممتدة من عام 2025 إلى عام 2030.
وقدّر المشاركون، حتى مع تطبيق إجراءات عملية لتخفيف الأضرار، احتمالًا بنسبة 12% لوقوع نتائج كارثية مرتبطة بامتلاك أنظمة الذكاء الاصطناعي قدرات خطرة، ونسبة مماثلة للأسلحة والهجمات السيبرانية وغيرها من وسائل الإضرار الجماعي المدعومة بالذكاء الاصطناعي.
وعرّفت الدراسة النتيجة «الكارثية» بأنها قد تتضمن أكثر من مليون وفاة، أو خسائر مالية تتجاوز 100 مليار دولار، أو أضرارًا غير مادية ذات نطاق حضاري مماثل. وفي سيناريو استمرار السياسات الحالية من دون تحسينات كافية، رأى الخبراء أن 18 خطرًا من أصل 24 يحمل احتمالًا يتجاوز 10% لإحداث نتيجة كارثية.
لكن هذه النسب ليست توقعات إحصائية دقيقة لما سيحدث، بل تقديرات خبراء جُمعت بطريقة «دلفي»، التي تعتمد على جولات منظمة من التقييم والمراجعة. وهي تقيس مستوى القلق العلمي والأمني أكثر مما تقدم تنبؤًا حتميًا بالمستقبل.
مع ذلك، فإن مجرد وصول تقديرات المخاطر الشديدة إلى هذه المستويات كان كافيًا لدفع ملف الأسلحة البيولوجية المدعومة بالذكاء الاصطناعي إلى مقدمة أولويات السلامة.
كيف يمكن أن يتشكل الخطر؟
تحتاج الهندسة البيولوجية المتقدمة اليوم إلى خبرات متخصصة، ومختبرات مجهزة، ومواد قد تكون خاضعة للرقابة، إضافة إلى قدر كبير من العمل التجريبي الذي قد ينتهي بالفشل.
هذه العوائق لا تزال قائمة، وهي أحد الأسباب التي تمنع القفز إلى استنتاج أن أي شخص يحمل حاسوبًا يستطيع صناعة سلاح بيولوجي.
لكن نماذج الذكاء الاصطناعي قد تساعد في تقليص بعض الحواجز المعرفية. فهي قادرة على جمع الأدبيات العلمية، وشرح الإجراءات المعقدة، واقتراح حلول للمشكلات المختبرية، وربط كميات هائلة من البيانات البيولوجية والجينومية بسرعة يصعب على الإنسان مجاراتها.
ويشير تقرير السلامة الدولي للذكاء الاصطناعي لعام 2026 إلى أن الأنظمة العامة تستطيع تقديم معلومات مرتبطة بتطوير أسلحة بيولوجية وكيميائية، بما يشمل بيانات عن مسبّبات الأمراض وتعليمات مختبرية متقدمة. كما أظهرت بعض الاختبارات وصول نماذج حديثة إلى أداء يوازي الخبراء أو يتجاوزهم في مهام محددة، من بينها اكتشاف الأخطاء في بروتوكولات مختبرات الفيروسات.
وقد يتيح ربط النماذج بما يعرف بـ«الوكلاء» تنفيذ سلاسل طويلة من المهمات بصورة شبه مستقلة: البحث في الدراسات، وفرز الاحتمالات، وتشغيل أدوات علمية متخصصة، وتحليل النتائج، ثم تعديل المقترحات بناءً عليها.
المخاوف هنا لا تتعلق فقط بتقديم معلومة موجودة على الإنترنت، بل بتحويل المعارف المتناثرة إلى خطة منظمة ومخصصة لقدرات المستخدم وأهدافه.
بين التحذير والتهويل
رغم التطور السريع، يشدد تقرير السلامة الدولي على أن مقدار الزيادة الفعلية التي يضيفها الذكاء الاصطناعي إلى المخاطر البيولوجية ما زال غير محسوم.
فالانتقال من إجابة علمية مكتوبة إلى إنتاج عامل بيولوجي فعّال وآمن بالنسبة إلى الجهة التي تصنعه وقابل للاستخدام في العالم الحقيقي، يتطلب تجاوز حواجز مادية وعملية معقدة. وتشمل هذه الحواجز الحصول على المعدات والمواد، وتنفيذ الإجراءات الدقيقة، والتعامل مع الإخفاقات، ثم إيجاد وسيلة للنشر.
كما أن أداء النماذج لا يزال متفاوتًا؛ فقد تنجح في أسئلة شديدة التعقيد ثم ترتكب أخطاء في خطوات أبسط. ولا تعني النتائج المرتفعة في الاختبارات بالضرورة قدرة مماثلة على العمل داخل مختبر حقيقي.
لكن منتقدي الانتظار حتى ظهور دليل قاطع يحذرون من أن الضرر المحتمل كبير إلى درجة تجعل الاستعداد المبكر أكثر عقلانية من التعامل مع الأزمة بعد وقوعها.
وفي الأمن الحيوي، قد لا يملك العالم ترف الانتظار، لأن العامل المرضي الجديد يمكن أن ينتشر قبل تحديد هويته، فيما تصبح إجراءات الاحتواء أكثر صعوبة كلما تأخر اكتشاف الحالات الأولى.
تحالف نادر بين عمالقة التقنية
في حزيران 2026، وقّع قادة شركات متنافسة في الذكاء الاصطناعي رسالة مفتوحة تدعو المشرعين الأميركيين إلى فرض فحص إلزامي لطلبات تصنيع الأحماض النووية الاصطناعية، مثل الحمضين النوويين DNA وRNA، والتحقق من هوية المشترين والاحتفاظ بسجلات الطلبات.
وشملت قائمة الداعمين سام ألتمان من OpenAI، وداريو أمودي من Anthropic، وديميس هاسابيس من Google DeepMind، ومصطفى سليمان من Microsoft AI، وألكسندر وانغ من Meta، إلى جانب باحثين ومسؤولين في شركات تصنيع المواد الجينية.
وحذرت الرسالة من احتمال أن تؤدي قدرات الذكاء الاصطناعي إلى تآكل الحواجز المعرفية التي جعلت الحصول على الأسلحة البيولوجية صعبًا تاريخيًا. لكنها أقرت في الوقت نفسه بأن الأدلة بشأن حجم الخطر الحالي لا تزال مختلطة وغير حاسمة.
وتقوم الفكرة المقترحة على إنشاء نقطة تفتيش داخل سلسلة التوريد البيولوجية: فحص التسلسلات المطلوبة قبل تصنيعها، والتأكد من مشروعية الجهة الطالبة، والاحتفاظ بمعلومات تسمح بتعقب أي طلب مشبوه يتجاوز الفحص الأولي.
معضلة النماذج المفتوحة
تستطيع الشركات المالكة للنماذج المغلقة فرض قيود على الاستخدام، ومراقبة الطلبات الخطرة، وإيقاف الحسابات التي تحاول تجاوز إجراءات الحماية.
وقد أعلنت OpenAI، على سبيل المثال، تصنيف بعض نماذجها ضمن مستوى قدرات بيولوجية وكيميائية «مرتفع» وفق إطارها الداخلي، مع تأكيدها عدم امتلاك دليل نهائي على أن هذه النماذج تساعد المبتدئين بصورة مؤثرة على إحداث ضرر بيولوجي شديد. وقالت الشركة إنها طبقت طبقات من الحماية والمراقبة وقيود الوصول كإجراء احترازي.
أما النماذج المفتوحة الأوزان، فيمكن تشغيلها وتعديلها محليًا بعيدًا عن خوادم الشركة المطورة. وهذا يمنح الباحثين والشركات استقلالية كبيرة، لكنه يصعّب أيضًا فرض قواعد موحدة أو اكتشاف إساءة الاستخدام.
ولا يعني ذلك أن الانفتاح التقني خطر بطبيعته. فالأدوات البيولوجية المفتوحة والذكاء الاصطناعي يمكن أن يسرعا اكتشاف الأدوية واللقاحات وتشخيص الأمراض. لكن المشكلة تظهر عندما تصبح القدرات القوية متاحة من دون رقابة أو وسائل فعالة تمنع تعطيل ضوابط السلامة.
التقنية التي تخلق الخطر قد تمنعه
في الجهة المقابلة، يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي نفسه لتعزيز الدفاع الحيوي. فالخوارزميات قادرة على تحليل المؤشرات الوبائية، واكتشاف الأنماط غير المعتادة، وتسريع تصميم الاختبارات واللقاحات، وتحسين فحص التسلسلات الجينية المشبوهة.
وهنا يدور السباق الحقيقي: هل تتطور قدرات الكشف والوقاية أسرع من الأدوات التي قد يستخدمها المهاجمون؟
الاعتماد على حواجز المحادثة وحدها لن يكون كافيًا. فالحماية تحتاج إلى منظومة متعددة الطبقات تشمل تقييم النماذج قبل إطلاقها، ومراقبة الاستخدامات الخطرة، وتأمين المختبرات، وفحص طلبات المواد الجينية، وتبادل المعلومات بين شركات التقنية والسلطات الصحية، وتطوير أنظمة إنذار مبكر للأوبئة.
كما يفترض ألا تكون شركات الذكاء الاصطناعي الجهة الوحيدة التي تختبر منتجاتها وتحكم على سلامتها، لأن المصالح التجارية وضغط المنافسة قد يدفعان إلى إطلاق النماذج بسرعة تفوق قدرة المؤسسات التنظيمية على متابعتها.
الخطر الأكبر هو التأخر
ليس هناك دليل على أن الذكاء الاصطناعي قد صنع وباءً قاتلًا، ولا أن كارثة بيولوجية مدعومة منه أصبحت حتمية. لكن المؤشرات الحالية تقول إن النماذج تتحسن في مجالات علمية حساسة، فيما لا تزال أنظمة الرقابة الدولية مجزأة وبطيئة.
الخوف الحقيقي ليس من آلة شريرة تقرر إبادة البشر بمفردها، بل من التقاء ثلاثة عناصر: نموذج شديد القدرة، وشخص أو جهة تمتلك نية خبيثة، ونظام رقابي يكتشف الخطر بعد فوات الأوان.
لقد منحت الهندسة البيولوجية البشرية قدرة غير مسبوقة على علاج الأمراض. ويمنحها الذكاء الاصطناعي الآن سرعة إضافية هائلة. لكن الأدوات التي تستطيع تصميم دواء في وقت قياسي قد تساعد، في ظروف مختلفة، على البحث عن نقاط الضعف ذاتها بهدف استغلالها.
ولهذا، لا ينبغي أن يتحول النقاش إلى ذعر جماعي أو إلى إنكار مريح. فالسيناريو غير مؤكد، لكنه شديد الخطورة. وفي مواجهة تهديد قد ينتشر بصمت، قد يكون أول خطوط الدفاع هو رفض الصمت عنه.





