على أرضٍ اعتادت في الأشهر الماضية أخبار الحرب والغارات، حضرت كرة القدم هذه المرة بصخب جماهيري ودراما استثنائية. ومن ملعب محمد سعيد سعد في جويا، قلب النجمة تأخّره أمام العهد إلى فوز قاتل، ليؤجّل حسم لقب الدوري اللبناني ويضرب موعدًا ناريًا مع الأنصار في الجولة الأخيرة.
لم تكن مواجهة النجمة والعهد مجرّد مباراة ضمن الجولة الخامسة من رباعية الأوائل، بل كانت واحدة من أكثر أمسيات الموسم إثارة. فالفريق النبيذي دخل اللقاء وهو يدرك أن أي تعثّر قد يمنح الأنصار فرصة حسم اللقب، قبل أن يجد نفسه متأخرًا بهدف مع بداية الشوط الثاني.
وسجّل بدر قوام هدف تقدّم العهد في الدقيقة 51، ليضع النجمة أمام سيناريو بالغ الصعوبة. حافظ الفريق الأصفر على أفضليته حتى الدقائق الأخيرة، وبدا قريبًا من توجيه ضربة قاسية إلى آمال منافسه، لكن النجمة رفض الاستسلام.
وفي الدقيقة 85، أعاد علي قصاص فريقه إلى المباراة بهدف التعادل، قبل أن تكتمل العودة المجنونة عبر محمد صادق، الذي سجّل هدف الفوز في الوقت القاتل، وسط احتفالات كبيرة في المدرجات. وشهدت اللحظات الأخيرة طرد لاعب العهد محمد المصري، فيما أثار هدف الانتصار نقاشًا تحكيميًا قبل تأكيده بعد مراجعة تقنية الفيديو.
الأنصار يحمي الصدارة
وفي جونية، عاش الأنصار بدوره مباراة صعبة أمام جويا الرياضي، بعدما وجد نفسه متأخرًا منذ الدقيقة 12 بهدف سجّله حسن معتوق من ركلة جزاء.
لكن حامل اللقب استعاد توازنه سريعًا، وأدرك الحاج مالك تال التعادل في الدقيقة 27، قبل أن يمنحه محمد بو صالح هدف الفوز في الدقيقة 80. وبهذا الانتصار، حافظ الأنصار على صدارته برصيد 36 نقطة، مقابل 34 للنجمة، فيما بقي جويا ثالثًا بـ23 نقطة والعهد رابعًا بـ22.
وأدّت نتيجتا المباراتين إلى تأجيل الحسم حتى الجولة السادسة والأخيرة، التي تجمع قطبي الكرة اللبنانية في مواجهة مباشرة على اللقب. ويدخل الأنصار اللقاء بأفضلية النقطتين، ما يعني أن التعادل يكفيه للاحتفاظ بالبطولة، في حين لا يملك النجمة سوى خيار الفوز لانتزاع الكأس.
كرة القدم تعود إلى الجنوب
بعيدًا عن الحسابات الفنية، حملت إقامة مباراة بحجم النجمة والعهد على ملعب محمد سعيد سعد دلالة تتجاوز المستطيل الأخضر. فجويا ليست مجرد محطة رياضية جديدة في روزنامة البطولة، بل بلدة جنوبية تستعيد عبر كرة القدم جانبًا من حياتها الطبيعية، في وقت لا تزال فيه المنطقة تعيش تحت وطأة الحرب والقلق الأمني.
وكان الدوري اللبناني قد توقّف قسرًا بسبب الحرب، بعدما جمّد الاتحاد جميع نشاطاته في آذار، قبل اتخاذ قرار استئناف المسابقات لاحقًا. وخلال فترة التوقف، اضطرت أندية جنوبية، بينها جويا والتضامن صور والعباسية، إلى الابتعاد عن ملاعبها واستئجار منشآت في بيروت وجبل لبنان، وسط صعوبات طاولت التدريبات وتنقّل اللاعبين وتجميع الفرق.
من هنا، اكتسبت عودة المباريات إلى جويا معنى خاصًا. فأن تستضيف بلدة جنوبية مواجهة بين اثنين من أبرز أندية لبنان، وأن تمتلئ مدرجاتها بالمشجعين، يعني أن المنطقة ترفض أن تختصرها صور الدمار والخوف.
غير أن هذا المشهد لا ينبغي تقديمه بصورة رومانسية تتجاهل المخاطر. فإقامة النشاط الرياضي في منطقة متأثرة بالحرب تبقى مرتبطة بالتقييم الأمني وسلامة اللاعبين والجمهور، وقد أثار قرار استكمال الدوري أساسًا انقسامًا بين من رأى فيه ضرورة لحماية الأندية واللاعبين، ومن اعتبر أن الظروف الإنسانية والأمنية لا تسمح بعودة طبيعية للمنافسات.
ملعب يتحول إلى مساحة للحياة
في جويا، لم تكن صافرة البداية إعلانًا عن مباراة فقط، بل عن محاولة لاستعادة مساحة مدنية في الجنوب. اللاعبون ركضوا خلف الكرة، والجمهور عاش توتر النتيجة، فيما ظل واقع الحرب حاضرًا خارج أسوار الملعب.
وهنا تكمن المفارقة: كرة القدم لم توقف الحرب، ولم تلغِ الأخطار أو الخسائر، لكنها منحت الناس لساعات قليلة مشهدًا مختلفًا. بدل أصوات الانفجارات، ارتفعت هتافات الجماهير، وبدل انتظار الأخبار الأمنية، انشغل المتابعون بهدف متأخر وقرار تحكيمي وصراع على البطولة.
سيناريو يتكرر
المواجهة الختامية بين الأنصار والنجمة تعيد إلى الأذهان ما حدث قبل موسمين، حين دخل الأنصار المباراة الأخيرة بأفضلية التعادل، لكن النجمة انتصر بنتيجة 2-1 وخطف اللقب في اللحظة الحاسمة. السيناريو نفسه يعود اليوم: الأنصار أمام فرصتين، والنجمة أمام طريق واحد هو الفوز.
وبين ريمونتادا النجمة وصلابة الأنصار، باتت البطولة على موعد مع نهائي لا يحتاج إلى كثير من العناوين التسويقية. هي مباراة تحمل تاريخ الخصومة، وضغط الجماهير، وذكريات لقب ضائع، وموسمًا استثنائيًا توقّف بالحرب ثم عاد ليصل إلى نهايته الأكثر إثارة.
لكن الصورة التي ستبقى من الجولة قبل الأخيرة قد لا تكون هدف محمد صادق القاتل وحده، بل مشهد الكرة وهي تدور مجددًا في جويا. ففي جنوب أنهكته الحرب، بقي الملعب قادرًا على أن يقول إن الحياة، ولو لتسعين دقيقة، لا تزال ممكنة.





