بعد أعوام من الترقب ورفض عروض الأندية، عاد زين الدين زيدان إلى منتخب فرنسا، لا بوصفه صانع ألعابه وقائدًا لتاريخه الذهبي، بل مدربًا مكلفًا بفتح حقبة جديدة تمتد حتى كأس العالم 2030.
عاد زين الدين زيدان رسميًا إلى المكان الذي صنع فيه واحدًا من أعظم فصول مسيرته، بعدما قدّمه الاتحاد الفرنسي لكرة القدم مدربًا جديدًا للمنتخب الأول، خلفًا لزميله السابق ديدييه ديشامب.
وأعلن الاتحاد الفرنسي تعيين زيدان لمدة أربعة أعوام، على أن يتولى مهماته رسميًا في الأول من آب 2026 ويقود «الديوك» حتى كأس العالم 2030. وبذلك يصبح بطل العالم عام 1998 المدرب الثامن عشر لفرنسا منذ عام 1964.
لحظة انتظرها زيدان طويلًا
لم يخفِ زيدان تأثره خلال المؤتمر الصحافي الذي عُقد في مقر الاتحاد الفرنسي، مؤكدًا أن تدريب المنتخب كان المهمة الوحيدة التي أرادها بعد انتهاء تجربته مع ريال مدريد عام 2021.
وقال المدرب الفرنسي إنه أمضى الأعوام الأربعة أو الخمسة الماضية في انتظار هذه اللحظة، وإن رغبته في قيادة بلاده كانت السبب الأساسي وراء عدم عودته إلى تدريب الأندية، رغم تلقيه عروضًا متعددة خلال فترة ابتعاده عن الملاعب.
وبالنسبة إلى زيدان، لا تمثل المهمة الجديدة محطة تدريبية عادية، بل عودة إلى قميص صنع من خلاله شهرته العالمية. فقد كان أحد أبرز أبطال تتويج فرنسا بكأس العالم 1998، قبل أن يضيف لقب كأس أوروبا عام 2000، وينهي مسيرته الدولية بعدما خاض 108 مباريات مع المنتخب وسجل 31 هدفًا.
ووصف رئيس الاتحاد الفرنسي فيليب ديالو تعيين زيدان بأنه مصدر فخر كبير للاتحاد، معتبرًا أن المرحلة الجديدة تجمع بين أسطورة بارزة في تاريخ المنتخب ومدرب أصبح من بين الأكثر نجاحًا واحترامًا في جيله.
خلافة إرث ديشامب
يتسلم زيدان منتخبًا عاش تحت قيادة ديشامب واحدة من أكثر حقباته استقرارًا ونجاحًا. فقد أمضى المدرب السابق 14 عامًا على رأس الجهاز الفني، وقاد فرنسا في 185 مباراة، حقق خلالها 120 انتصارًا.
وخلال تلك المرحلة، تُوجت فرنسا بكأس العالم 2018 ودوري الأمم الأوروبية، كما بلغت نهائي كأس أوروبا 2016 ونهائي مونديال 2022. وانتهت رحلة ديشامب بعد احتلال المنتخب المركز الرابع في كأس العالم 2026.
لكن زيدان شدد على أنه لا ينوي إحداث قطيعة مع الماضي أو التقليل من إرث سلفه، بل يريد البناء على ما تحقق مع تقديم أفكاره الخاصة. ولخص رؤيته بالقول إن «ديشامب هو ديشامب، وزيزو هو زيزو»، مشيرًا إلى أن هدفه يتمثل في ضمان استمرار المنتخب في الانتصارات.
وتحمل عملية انتقال القيادة رمزية إضافية، إذ كان زيدان وديشامب زميلين في المنتخب المتوج بكأس العالم عام 1998. كما يصبح زيدان ثالث لاعب من ذلك الجيل الذهبي يتولى تدريب فرنسا، بعد لوران بلان وديشامب.
هوية هجومية منتظرة
لم يكشف زيدان جميع تفاصيل مشروعه التكتيكي، لكنه قدم إشارات أولية إلى طبيعة كرة القدم التي يريد تطبيقها.
فاللاعب السابق الذي لمع في مركز صناعة الألعاب أكد أن تسجيل الأهداف ومتعة اللعب سيشكلان جزءًا أساسيًا من رؤيته، من دون التخلي عن التوازن بين الخطوط. كما أشار إلى تأثره بالأعوام الطويلة التي أمضاها في الكرة الإسبانية لاعبًا ومدربًا.
وسيكون التحدي أمامه تحويل الإمكانات الفردية الكبيرة في المنتخب الفرنسي إلى منظومة أكثر تنوعًا وفاعلية، مع منح اللاعبين المبدعين مساحة للتحرك واتخاذ القرارات، من دون فقدان الانضباط الذي ميّز حقبة ديشامب.
ويصل زيدان إلى المنتخب بسجل تدريبي استثنائي، بعدما قاد ريال مدريد إلى ثلاثة ألقاب متتالية في دوري أبطال أوروبا بين عامي 2016 و2018، إضافة إلى تحقيق لقب الدوري الإسباني خلال تجربته الثانية مع النادي الملكي.
مبابي والقيادة داخل المنتخب
وحول علاقته بقائد المنتخب كيليان مبابي، أوضح زيدان أنه لم يتواصل معه بعد، مفضلًا منحه فرصة للراحة عقب موسم طويل والمشاركة في كأس العالم.
ومن المنتظر أن تبدأ الاتصالات المباشرة مع اللاعبين قبيل التجمع الأول في أيلول، عندما يعرض المدرب الجديد أفكاره الفنية ويحدد الأدوار داخل الفريق. كما أعلن الاتحاد الفرنسي أن هوية أعضاء الجهاز الفني ستُكشف في بداية أيلول.
ورغم العلاقة السابقة التي جمعت زيدان بمبابي في محيط ريال مدريد والاحترام المتبادل بينهما، فإن المدرب الجديد تجنب حسم مسألة استمرار نجم الفريق في حمل شارة القيادة، مؤكدًا أن النقاش سيأتي في الوقت المناسب.
اختبار مبكر وصعب
لن يحصل زيدان على فترة طويلة للاستقرار، إذ يبدأ مشواره في مجموعة قوية ضمن دوري الأمم الأوروبية تضم إيطاليا وبلجيكا وتركيا.
وسيخوض المنتخب الفرنسي أربع مباريات خلال فترة دولية مكثفة تبدأ بمواجهة تركيا خارج أرضه في 25 أيلول، ثم بلجيكا في 28 منه، قبل استقبال إيطاليا على ملعب فرنسا في الثاني من تشرين الأول وبلجيكا في الخامس منه.
واعتبر زيدان أن هذا البرنامج يمنحه فرصة مثالية لبدء العمل المباشر مع اللاعبين، واضعًا مواجهة تركيا في صدارة أولوياته. وبعد دوري الأمم، سيكون عليه قيادة فرنسا في تصفيات كأس أوروبا 2028، ثم التحضير للاستحقاق الأكبر المتمثل في مونديال 2030.
الأسطورة أمام الاختبار الأصعب
يأتي زيدان إلى المنصب محاطًا بثقة جماهيرية واسعة وذاكرة لا تزال تحتفظ بهدفَيه في نهائي مونديال 1998، لكن التاريخ الذي صنعه بقميص المنتخب لن يخفف حجم الضغوط المنتظرة.
فقيادة منتخب يملك واحدًا من أغنى مخزونات المواهب في العالم تفرض عليه المنافسة على كل بطولة، لا الاكتفاء بتقديم كرة جميلة. كما أن نجاحه الاستثنائي مع ريال مدريد سيرفع سقف التوقعات منذ المباراة الأولى.
انتظر زيدان سنوات حتى فُتح أمامه باب المنتخب الفرنسي. أما الآن، فقد انتهى زمن الانتظار وبدأ زمن الاختبار. وبين إرث ديشامب وطموحات جيل مبابي، يعود الرقم 10 لقيادة فرنسا، وهذه المرة من على مقاعد المدربين.





