بدأت القضية كسرقة عائلية بقيمة ضخمة، قبل أن تقود التحقيقات إلى شبهات أخطر: خلية عابرة للحدود، موقوفون داخل أحد السجون اللبنانية، فارّون محتملون إلى سوريا، وأموال يُشتبه في أنها وصلت إلى تنظيم «داعش» لتمويل مخططات إرهابية. لكن الرواية المنشورة حتى الآن تترك أسئلة أساسية بلا إجابات، في مقدمها: كيف نُقلت الأموال؟ وهل وصلت كاملة إلى التنظيم؟
في ظاهرها، تبدو القضية عملية سرقة من داخل منزل: شاب يتمكن من الوصول إلى خزنة والده والاستيلاء على مبلغ قدره 400 ألف دولار. لكن ما كشفته التحقيقات، وفق مصدر قضائي تحدث إلى وكالة «فرانس برس» طالبًا عدم الكشف عن هويته، نقل الملف من نطاق الجريمة العائلية إلى دائرة مكافحة الإرهاب.
فبحسب المصدر، أوقفت شعبة المعلومات في قوى الأمن الداخلي الشاب، قبل أن يتبين خلال التحقيق أنه حوّل الأموال إلى سوريا لمصلحة تنظيم «داعش». ولا تزال هذه المعلومات في إطار التحقيقات الأولية والاتهامات المنقولة عن مصدر قضائي، من دون صدور حكم قضائي يثبت المسؤوليات النهائية.
خلية لا تتوقف عند الموقوف
الأخطر في القضية أن المشتبه فيه لا يبدو، وفق الرواية المنشورة، شخصًا تحرك بصورة منفردة. فالتحقيقات تشير إلى أنه يعمل ضمن خلية تنشط بين لبنان وسوريا، وتضم ثلاثة أشخاص موقوفين أساسًا في سجن القبة في طرابلس، قيل إنهم تولوا التنسيق مع عناصر التنظيم في سوريا، إضافة إلى شخصين آخرين يُرجح أنهما فرا إلى الأراضي السورية.
ويقول المصدر القضائي إن المجموعة كانت تتولى تمويل التنظيم بهدف تنفيذ أعمال إرهابية في لبنان أو سوريا. وبذلك، لا يعود مبلغ الـ400 ألف دولار مجرد حصيلة سرقة، بل يتحول، وفق الشبهات، إلى جزء من بنية تمويلية تضم ممولين ومنسقين ووسطاء وجهة مستفيدة خارج الحدود.
لكن المعلومات المتداولة لا توضح طبيعة العلاقة بين أفراد الخلية: من تولى التجنيد؟ ومن أصدر تعليمات الحصول على المال؟ وهل كانت السرقة مخططة منذ البداية لمصلحة التنظيم، أم اتُخذ قرار تحويل الأموال بعد الاستيلاء عليها؟
كما أن الإشارة إلى وجود ثلاثة من أفراد الشبكة في سجن القبة تحتاج إلى تدقيق إضافي. فصياغة المعلومات المنشورة لا تحسم ما إذا كان تنسيقهم مع التنظيم قد جرى قبل توقيفهم، أم استمر خلال وجودهم داخل السجن.
وفي حال ثبوت استمرار التواصل من داخل السجن، فإن القضية ستتجاوز مسؤولية أفراد الخلية إلى مراجعة آليات ضبط الاتصالات والهواتف والمراسلات بين السجناء والخارج. أما إذا كان التنسيق قد سبق توقيفهم، فمن الضروري تحديد ما إذا كانت الشبكة قد أعادت توزيع الأدوار بعد دخولهم السجن.
كيف عبرت 400 ألف دولار إلى سوريا؟
السؤال المركزي الذي لا تجيب عنه الرواية المنشورة يتعلق بالمسار المالي. فالتقارير لا تحدد ما إذا كانت الأموال قد نُقلت نقدًا عبر الحدود، أو حُوّلت بواسطة شركات تحويل أموال، أو سُلّمت إلى وسيط يعمل بنظام الحوالة غير المرخصة، أو وزعت على دفعات وأسماء متعددة.
ولا يمكن افتراض أي وسيلة من هذه الوسائل في القضية قبل انتهاء التحقيق، إلا أن تقرير التقييم المتبادل الخاص بلبنان، الصادر عن مجموعة العمل المالي للشرق الأوسط وشمال أفريقيا، سبق أن حدد نقل الأموال النقدية عبر الحدود والحوالات غير القانونية أو غير المرخصة بوصفهما من أبرز قنوات تمويل الإرهاب المرصودة في لبنان، يليهما استخدام شركات تحويل الأموال، ثم المعاملات المصرفية بدرجة أقل.
وتزداد أهمية معرفة وسيلة التحويل بسبب ضخامة المبلغ. فنقل 400 ألف دولار نقدًا دفعة واحدة يحتاج إلى ترتيبات لوجستية ووسيط موثوق وطريق عبور آمن نسبيًا، فيما قد يتطلب تحويله إلكترونيًا أو بواسطة شركات التحويل تقسيمه إلى عمليات متعددة لتجنب إثارة الشبهات.
ومن هنا، يفترض أن يركز التحقيق المالي الموازي على حركة الحسابات والاتصالات، وسجلات شركات تحويل الأموال والصرافين، وحركة المشتبه فيهم على المعابر الرسمية وغير الرسمية، فضلًا عن تحديد المستفيد النهائي داخل سوريا.
كما ينبغي توضيح ما إذا كانت الأموال وصلت كاملة إلى التنظيم، أم أمكن ضبط جزء منها، ومن تسلمها، وفي أي منطقة سورية، وما إذا استُخدم أي جزء منها بالفعل في شراء معدات أو أسلحة أو توفير دعم لوجستي.
السرقة وسيلة للتمويل الذاتي
ليست الاستعانة بالسرقة للحصول على الأموال ظاهرة غير مسبوقة في ملفات الخلايا المتطرفة في لبنان. ففي عام 2024، أعلن الجيش اللبناني توقيف ثمانية أشخاص مؤيدين لتنظيم «داعش»، بعدما أظهرت التحقيقات تنفيذهم أعمال سرقة بهدف تمويل مخططات إرهابية، إلى جانب تورطهم في إطلاق نار واستطلاع أحد مراكز الجيش تمهيدًا لاستهدافه.
ويشير ذلك إلى نموذج يعرف بـ«التمويل الذاتي»، حيث لا تنتظر الخلية تحويلات مباشرة من قيادة التنظيم، بل تجمع الأموال محليًا عبر السرقة أو الاحتيال أو مساهمات أفرادها، ثم تستخدمها في التجنيد والتسليح والنقل والتخطيط.
وفي قضية الـ400 ألف دولار، يبرز سؤال إضافي عن مصدر الأموال الموجودة في خزنة الوالد. وهذا السؤال لا يعني توجيه شبهة إلى صاحب المال، بل يندرج ضمن التحقيق المالي الطبيعي الذي يتطلب توثيق ملكية المبلغ، وتحديد فئاته النقدية، وما إذا كانت أرقامه التسلسلية أو وجهة سحبها تسمح بتتبع جزء منه.
توقيفات تكشف نشاطًا مستمرًا
تأتي القضية بعد سلسلة عمليات أمنية استهدفت قياديين وخلايا مرتبطة بالتنظيم. ففي 30 حزيران 2026، أوقفت شعبة المعلومات سوريًا قالت إنه يشغل منصب «الأمير الأمني العام» لما يسمى «ولاية الجنوب» و«ولاية الوسط» في سوريا، ويتولى إدارة أنشطة التنظيم وعملياته الأمنية بالتنسيق مع مسؤولين آخرين. وأُعلن عن التوقيف رسميًا في 13 تموز.
وكان الجيش اللبناني قد أعلن في حزيران 2025 توقيف شخص ملقب بـ«قسورة»، وصفه بأنه أحد أبرز قياديي التنظيم، مشيرًا إلى أنه تسلم قيادة «داعش» في لبنان بعد توقيف سلفه الملقب بـ«أبو سعيد الشامي» مع عدد من القياديين في عملية نُفذت في كانون الأول 2024.
لا تثبت هذه التوقيفات وجود رابط مباشر بينها وبين ملف الأموال المسروقة، لكنها تظهر أن التنظيم، رغم خسارته مناطق سيطرته الواسعة، لا يزال يعتمد على شبكات صغيرة وقيادات أمنية ودوائر تمويل واتصال تعمل بصورة سرية بين لبنان وسوريا.
المسار القضائي المنتظر
يجرّم القانون اللبناني تمويل الإرهاب بصورة مباشرة أو غير مباشرة، سواء جاءت الأموال من مصدر مشروع أو غير مشروع، وسواء استُخدمت بالفعل أم لم تُستخدم، وسواء وقع النشاط الإرهابي داخل لبنان أم خارجه، وفق تقييم المنظومة القانونية اللبنانية الوارد في تقرير مجموعة العمل المالي.
وعليه، قد يواجه المشتبه فيه، في حال ثبوت الوقائع، ملاحقات تتجاوز جرم السرقة لتشمل تمويل الإرهاب والانتماء إلى خلية والتعامل مع تنظيم إرهابي. وقد تطاول التحقيقات كل من ساهم في جمع المال أو نقله أو إخفاء مصدره أو تسليمه إلى المستفيدين.
لكن تحديد المسؤوليات يتطلب أجوبة قضائية وأمنية واضحة: هل اعترف الموقوف؟ وما الأدلة الرقمية أو المالية التي تدعم الاتهامات؟ وهل استند التحقيق إلى رسائل واتصالات أم إلى إفادات أشخاص آخرين؟ وهل صدرت مذكرات توقيف بحق الفارين المفترضين؟ وما دور الموقوفين الثلاثة في سجن القبة؟
قضية أكبر من سرقة عائلية
تكمن خطورة الملف في أنه يكشف، في حال ثبوت تفاصيله، قدرة خلية محدودة العدد على الاستيلاء على مبلغ كبير، وتحريكه عبر الحدود، وربط أشخاص موجودين في لبنان بجهة إرهابية في سوريا.
لكن أهمية القضية لا تبرر تحويل التسريبات الأولية إلى إدانة إعلامية. فالتفاصيل المتاحة حتى الآن تستند أساسًا إلى مصدر قضائي مجهّل، ولا تتضمن اسم الموقوف أو تاريخ العملية أو طريقة تحويل الأموال أو الأدلة التي أثبتت وصولها إلى التنظيم.
التحقيق الحقيقي يبدأ من هذه الثغرات، لا من تكرار الرواية الأمنية وحدها. فمن خزنة الأب إلى الجهة التي تسلمت المال في سوريا، تمتد سلسلة من الأشخاص والاتصالات والوسطاء المحتملين. وكشف هذه السلسلة كاملة هو ما سيحدد ما إذا كانت الأجهزة أوقفت ممولًا منفردًا، أم أمسكت بطرف شبكة أخطر لا تزال بعض حلقاتها تعمل بين لبنان وسوريا.





