أرقام بقيمة 217 مليون دولار أعادت فتح ملف العلاقة المالية الملتبسة بين مؤسسات الدولة، لكن التدقيق يكشف أن شعار «الصدّي يطالب الصدّي» يختصر قضية أعقد من صراع داخل وزارة واحدة
بدأت القضية بجدول نشره وزير الطاقة والمياه جو الصدّي، مطالباً الإدارات والمؤسسات العامة بتسديد فواتير متراكمة لمصلحة مؤسسة كهرباء لبنان. أراد الوزير أن يثبت أن الأموال المطلوبة ليست سلفة جديدة من الخزينة ولا استدانة إضافية، بل مستحقات مقابل كهرباء استهلكتها مؤسسات الدولة ولم تدفع ثمنها.
لكن الجدول نفسه فتح باباً لم يكن في مصلحة الرواية الرسمية بالكامل.
فمن أصل نحو 217 مليون دولار من المتأخرات المسجلة بين تشرين الثاني 2022 ونهاية كانون الأول 2025، يظهر أن المؤسسات العامة الأربع للمياه مدينة بنحو 134.7 مليون دولار. أي إن ما يقارب 62.1% من إجمالي المبلغ يعود إلى قطاع المياه الذي يخضع لوصاية الوزارة التي يديرها الصدّي.
ومن هنا وُلد السؤال السياسي والإعلامي: هل يطالب وزير الطاقة الدولة بالدفع، فيما توجد غالبية الديون تقريباً داخل المؤسسات الواقعة تحت وصاية وزارته؟
السؤال مشروع، لكن الإجابة ليست بالبساطة التي يوحي بها شعار «الصدّي يطالب الصدّي».
ماذا تقول الأرقام فعلياً؟
بحسب الأرقام المنشورة، تتصدر مؤسسة مياه لبنان الجنوبي قائمة مؤسسات المياه المدينة، بمتأخرات تقارب 85.6 مليون دولار. وتأتي بعدها مؤسسة مياه البقاع بنحو 25.4 مليون دولار، ثم مؤسسة مياه لبنان الشمالي بنحو 15.5 مليون دولار، ومؤسسة مياه بيروت وجبل لبنان بنحو 8.2 ملايين دولار.
المجموع هو 134.7 مليون دولار، وليس مجرد رقم هامشي في سجل الديون. إنه يعادل أكثر من ثلاثة أخماس المستحقات الواردة في الجدول.
لكن وصفه بأنه «نحو ثلثي المتأخرات» يحتاج إلى بعض الدقة؛ فثلثا 217 مليون دولار يساويان نحو 144.7 مليوناً، فيما تبلغ ديون مؤسسات المياه المنشورة 134.7 مليوناً. الفارق لا ينسف جوهر القضية، لكنه مهم في تحقيق يفترض أن يقوم على الأرقام لا على المبالغة.
ولا تقتصر المتأخرات على مؤسسات المياه. فقد أظهر الجدول، وفق ما نشرته صحيفة «المدن»، أن المديرية العامة للطيران المدني مدينة بنحو 29.2 مليون دولار، إلى جانب وزارات وبلديات ومؤسسات عسكرية وصناديق ومجالس ومؤسسات دينية مختلفة.
بذلك، لا تعكس الـ217 مليون دولار فشل جهة واحدة، بل شبكة واسعة من مؤسسات عامة تستهلك الكهرباء من دون أن تعمل بينها آلية مالية تضمن التسديد المنتظم.
ثلاث روايات رقمية تحتاج إلى تفسير
المشكلة الأولى التي يكشفها التدقيق ليست فقط هوية المدينين، بل تعدد الأرقام الرسمية المستخدمة لوصف الدين نفسه.
الجدول المنشور عن الفترة الممتدة من تشرين الثاني 2022 إلى نهاية 2025 يتحدث عن نحو 217 مليون دولار. لكن الوزير قال في تصريح رسمي من السراي الحكومي إن الديون بلغت نحو 250 إلى 260 مليون دولار حتى نهاية كانون الأول 2025، وإنها تزداد بنحو 12 مليون دولار شهرياً، لتصل حالياً إلى ما بين 330 و340 مليون دولار.
هذا يعني أن الجمهور وُضع أمام ثلاثة مستويات مختلفة:
217 مليون دولار في الجدول التفصيلي، ونحو 250 أو 260 مليوناً بوصفها مستحقات نهاية 2025، وما بين 330 و340 مليوناً بوصفها القيمة الحالية.
قد يكون الفارق ناتجاً عن إدخال فواتير أو إعفاءات أو مستحقات إضافية لم تشملها الجداول المنشورة. وقد أشار الوزير بالفعل إلى أن الدولة لم تعوّض مؤسسة كهرباء لبنان عن إعفاءات مُنحت لمناطق الجنوب خلال الحرب. إلا أن المواد الرسمية التي جرى نشرها لا تقدم كشفاً توفيقياً واضحاً يشرح الانتقال من 217 مليوناً إلى 250 مليوناً، ثم إلى أكثر من 330 مليوناً.
وهذا ليس تفصيلاً محاسبياً. فعندما يُطلب من مجلس الوزراء دفع 50 مليون دولار شهرياً، يصبح من حق الرأي العام أن يعرف أي رقم يجري تسديده، وما هي الفترة التي يغطيها، وما إذا كان يشمل فواتير مثبتة ومدققة أو تعويضات وإعفاءات تحتاج إلى قرارات منفصلة.
هل مؤسسات المياه جزء من الوزارة؟
هنا تظهر الثغرة الأساسية في خطاب الخصوم.
قانون تنظيم قطاع المياه أنشأ أربع مؤسسات عامة للمياه ومنحها صراحةً الشخصية المعنوية والاستقلال المالي والإداري. وهي تضع أنظمتها، وتقترح تعرفاتها، وتدير خدماتها، ويترأس كل مؤسسة مجلس إدارة ومدير عام.
وبالتالي، لا يستطيع وزير الطاقة أن يحوّل مباشرةً أموال مؤسسة مياه إلى كهرباء لبنان كما لو أنه ينقل مبلغاً بين حسابين داخل الإدارة المركزية. مؤسسات المياه ليست مديريات عادية في الوزارة، ولكل واحدة منها موازنتها وإيراداتها والتزاماتها وإدارتها.
من هذه الزاوية، فإن عبارة «الصدّي يطالب الصدّي» فعالة سياسياً، لكنها غير دقيقة قانونياً ومالياً.
إلا أن الاستقلال لا يعني انعدام المسؤولية الوزارية.
فالوزارة تمارس الوصاية والرقابة على المؤسسات المائية، وتملك صلاحية متابعة أدائها استناداً إلى برامج ومؤشرات، فيما يُعيّن أعضاء مجالس إداراتها بمرسوم في مجلس الوزراء بناءً على اقتراح وزير الطاقة والمياه. كما ينص القانون على لجنة لتقييم أداء المؤسسات يرأسها وزير الطاقة.
النتيجة أن الوزير لا يدير حسابات مؤسسات المياه يومياً، لكنه أيضاً لا يستطيع التعامل معها كجهات مجهولة لا علاقة للوزارة بأدائها. الوصاية القانونية تعني، في الحد الأدنى، وجوب تفسير كيفية تراكم أكثر من 134 مليون دولار من فواتير الكهرباء، وما الإجراءات التي اتُّخذت لمنع تضخمها.
لماذا تعجز مؤسسات المياه عن دفع الكهرباء؟
تكشف مراجعة وضع قطاع المياه أن الديون ليست حادثاً طارئاً بدأ مع الوزير الحالي، بل نتيجة نموذج مالي مختل منذ سنوات.
تحتاج مؤسسات المياه إلى كميات كبيرة من الطاقة لضخ المياه من الآبار، وتشغيل المحطات، ونقل المياه إلى المناطق المرتفعة، ومعالجة مياه الصرف. وتزداد الكلفة في الجنوب، حيث يتطلب الضخ من بعض المصادر الجوفية استهلاكاً مرتفعاً للطاقة.
وتشير دراسات سابقة عن القطاع إلى أن مؤسسات المياه كانت تعاني، حتى قبل الانهيار المالي، من ضعف الجباية وعدم كفاية الإيرادات لتغطية التشغيل والصيانة وفواتير الكهرباء. كما أن انخفاض قيمة العملة وارتفاع أسعار المعدات والمحروقات عمّقا الفجوة بين إيرادات تُجبى محلياً ونفقات ترتبط عملياً بالدولار.
هذا يضع الدولة أمام حلقة مغلقة:
مؤسسة المياه تحتاج إلى الكهرباء كي تضخ المياه، لكنها لا تجمع ما يكفي من رسوم المشتركين لتسديد فاتورة الكهرباء. كهرباء لبنان تحتاج إلى تحصيل الفاتورة كي تشتري الفيول، لكنها لا تستطيع قطع التيار بالكامل عن منشآت المياه من دون تهديد خدمة أساسية وحياة السكان.
وعندما لا تدفع مؤسسة المياه، تتراكم الديون على كهرباء لبنان. وعندما لا تتوافر السيولة لكهرباء لبنان، تنخفض التغذية، فتضطر مؤسسة المياه إلى اللجوء إلى مولدات أو مصادر طاقة أكثر كلفة. بذلك ترتفع نفقاتها أكثر، وتتراجع قدرتها على السداد.
ليست هذه علاقة بين مدين ودائن فقط، بل فشل متبادل بين مرفقين عامين يعتمد كل منهما على الآخر.
من يتحمل مسؤولية الـ85.6 مليون دولار في الجنوب؟
تستحق مؤسسة مياه لبنان الجنوبي تدقيقاً خاصاً لأنها وحدها مسؤولة عن قرابة 40% من إجمالي المتأخرات المدرجة في جدول الـ217 مليون دولار.
قد توجد أسباب تشغيلية تفسر جزءاً من الرقم: ارتفاع كلفة الضخ، الأضرار التي لحقت بالمنشآت، صعوبة الجباية في المناطق المتضررة، والإعفاءات التي أقرتها الدولة خلال الحرب. لكن التفسير لا يساوي الإعفاء من المساءلة.
لكي يتحول الرقم إلى واقعة قابلة للتقييم، يجب نشر بيانات أكثر تفصيلاً:
كم من الـ85.6 مليون دولار نتج عن استهلاك فعلي؟ وكم يعود إلى فوائد أو فروقات أو تسويات قديمة؟ وما قيمة الفواتير المرتبطة بمنشآت متوقفة أو متضررة؟ وما نسبة التحصيل من المشتركين خلال الفترة نفسها؟ وهل اعتمدت مؤسسة كهرباء لبنان عدادات دقيقة لجميع محطات الضخ؟
من دون هذه البيانات، يبقى الرقم صالحاً للاستخدام في الاشتباك السياسي، لكنه غير كافٍ لتحديد المسؤوليات الإدارية أو القانونية.
هل تحل دفعات الخمسين مليوناً الأزمة؟
يقترح الوزير أن تسدد الدولة 50 مليون دولار شهرياً لمدة أربعة أو خمسة أشهر، لتوفير سيولة تسمح لكهرباء لبنان بشراء الفيول ومواجهة ارتفاع أسعار النفط.
هذا الإجراء قد يحل أزمة السيولة الآنية، لكنه لا يعالج أصل المشكلة.
فإذا دفعت الخزينة ديون مؤسسات المياه من دون إعادة هيكلة آليات الجباية والتعرفة واستهلاك الطاقة، ستعود المتأخرات إلى التراكم. وسيصبح ما يُقدَّم باعتباره «تسديد فواتير» شكلاً غير مباشر من أشكال الدعم المتكرر.
التمييز الذي يصر عليه الوزير بين «السلفة» و«المستحقات» صحيح من الناحية المحاسبية: الفاتورة غير المسددة ليست سلفة جديدة. لكن من الناحية الاقتصادية، إذا كانت المؤسسة المدينة عاجزة عن الدفع واضطرت الخزينة إلى الدفع عنها، فإن العبء النهائي يعود إلى المال العام أياً كانت التسمية المستخدمة.
التحقيق الحقيقي يبدأ من المستندات الناقصة
لا تكمن القضية في أن الوزير طلب تحصيل أموال مستحقة؛ فهذا من أبسط حقوق مؤسسة كهرباء لبنان. كما لا يمكن اتهام مؤسسات المياه وحدها بتدمير قطاع الكهرباء، لأن المتأخرات تشمل طيفاً واسعاً من الإدارات، ولأن أزمة الكهرباء أقدم وأعمق من جدول فواتير واحد.
لكن الأرقام المنشورة تفرض على وزارة الطاقة مسؤوليتين متوازيتين.
الأولى هي تحصيل حقوق كهرباء لبنان من جميع المؤسسات بلا استثناء.
والثانية هي فتح حسابات مؤسسات المياه، الواقعة تحت وصايتها، وشرح أسباب تراكم 134.7 مليون دولار من المتأخرات عليها.
ما يحتاج إليه الرأي العام ليس سجالاً بين «الدولة التي لا تدفع» و«الوزارة التي تطالب نفسها»، بل كشفاً موحداً ومدققاً يتضمن أصل كل دين، والفترة التي يغطيها، وقيمة الاستهلاك، والمدفوعات السابقة، والإعفاءات الحكومية، وخطة التسديد، والمسؤول الإداري عن عدم الدفع.
حتى ذلك الحين، تثبت الأرقام وجود أزمة حقيقية، لكنها لا تثبت وحدها وجود «فضيحة». الفضيحة، إن وُجدت، ستكون في استمرار تبادل الفواتير بين مؤسسات عامة من دون نظام واضح للمحاسبة، وفي مطالبة المواطنين بتمويل مرفقين متعثرين من دون أن تُنشر أمامهم الحسابات الكاملة.




