من غابات جيروند الفرنسية إلى المرتفعات المحيطة بمدريد، ومن جبال الكاف وبنزرت في تونس إلى الأحزمة الخضراء في شمال الجزائر، يمتد حزام من النيران على ضفتي البحر المتوسط، مدفوعًا بموجات حر شديدة، وتربة فقدت رطوبتها، ونباتات جافة حوّلت مساحات واسعة إلى وقود سريع الاشتعال.
وخلال أيام قليلة، تحولت الحرائق من حوادث محلية متفرقة إلى أزمة إقليمية واسعة، استدعت إجلاء السكان، وحشد وحدات عسكرية، والاستعانة بطائرات أجنبية، وتفعيل آليات دولية للحماية المدنية. وبحسب أحدث الحصائل المنشورة، تجاوز عدد الذين اضطروا إلى مغادرة منازلهم في فرنسا وإسبانيا وحدهما ربع مليون شخص، في واحدة من أوسع عمليات الإجلاء المرتبطة بحرائق الغابات في أوروبا خلال السنوات الأخيرة.
ولا تكمن خطورة المشهد في عدد الحرائق فقط، بل في تزامنها واتساع رقعتها وسرعة انتقالها. فعندما تندلع عدة جبهات في وقت واحد، تتعرض قدرات الإطفاء الوطنية لضغط هائل، وتصبح الطائرات والأطقم البرية ومراكز الإيواء والطرق الآمنة موارد محدودة تتنافس عليها المناطق المنكوبة.
فرنسا… النيران تصل إلى قلب الموسم السياحي
في جنوب غربي فرنسا، اتخذت الأزمة بعدًا استثنائيًا مع امتداد النيران في إقليم جيروند واقترابها من شبه جزيرة كاب فيريه المطلة على المحيط الأطلسي، وهي واحدة من أبرز الوجهات السياحية الفرنسية في فصل الصيف.
وأمرت السلطات بإخلاء شبه الجزيرة بالكامل، مستخدمة القوارب والطريق البري الوحيد الذي يربطها باليابسة لنقل السكان والسياح. وكان الحريق قد أتى، بحلول صباح الجمعة، على نحو 8700 هكتار، بينما تسبب حريق آخر قرب بيسكاروس، على مسافة نحو 40 كيلومترًا إلى الجنوب، في إحراق 2500 هكتار وإجلاء أكثر من 23 ألف شخص من المخيمات والمنازل ومرافق رعاية المسنين والأطفال.
ولم تعد الأزمة قابلة للاحتواء بالقدرات المحلية وحدها، ما دفع الرئيس إيمانويل ماكرون إلى طلب تفعيل آلية الحماية المدنية التابعة للاتحاد الأوروبي. وتشمل التعزيزات طائرات «كانادير» كرواتية، وطائرات «إير تراكتور» برتغالية، ومروحيات ثقيلة من طراز «بلاك هوك» مقدمة من التشيك وسلوفاكيا.
تكشف هذه الاستعانة الخارجية عن حجم التحدي الذي تواجهه فرنسا؛ فالمسألة لم تعد مجرد إخماد جبهة مشتعلة، وإنما إدارة أزمة متحركة تشمل حماية البلدات وتأمين طرق الإجلاء والتعامل مع كثافة الدخان وانقطاع الكهرباء والضغط على البنية السياحية في ذروة الموسم.
وكانت هيئة الأرصاد الفرنسية قد حذرت من أن اجتماع الحرارة المرتفعة وجفاف التربة أوجد وضعًا استثنائيًا لخطر حرائق الغابات. كما أظهرت بياناتها أن يونيو/حزيران 2026 كان أشد أشهر يونيو حرارة في فرنسا منذ بدء السجلات، مع عجز في الأمطار بلغ نحو 50% على مستوى البلاد وتعمق جفاف التربة في معظم المناطق.
إسبانيا… أول طوارئ وطنية بسبب الحرائق
على الجانب الآخر من الحدود، أعلنت الحكومة الإسبانية حالة طوارئ وطنية بسبب الحرائق المشتعلة قرب مدريد وفي مقاطعة أفيلا، في خطوة هي الأولى من نوعها في البلاد بالنسبة إلى أزمة حرائق غابات.
وينقل الإعلان مسؤولية تنسيق الاستجابة إلى وزير الداخلية، بما يسمح بحشد إمكانات الإدارات المختلفة وتسريع نشر الموارد العسكرية والمدنية. وقد دفعت السلطات بوحدات الطوارئ العسكرية، إلى جانب مئات العناصر وعشرات الآليات البرية والطائرات، لمواجهة جبهات اشتعلت بصورة متزامنة تحت تأثير الرياح والحرارة الشديدة.
وفرضت الحرائق إجلاء بلدات ومجمعات سكنية في فيا ديل برادو وسان مارتين دي فالديغليسياس وبيلايوس دي لا بريسا وألديا ديل فريسنو، بينما صدرت أوامر لسكان مناطق أخرى بالبقاء داخل المنازل بسبب الدخان وخطر امتداد اللهب.
وبحلول السبت، كانت الحرائق في منطقة مدريد قد أجبرت أكثر من 30 ألف شخص على الإجلاء، فيما طُلب من نحو 20 ألفًا آخرين التزام منازلهم. كما التهمت النيران أكثر من تسعة آلاف هكتار في الإقليم، وسط تحذيرات من أن هبوب رياح تصل سرعتها إلى 60 كيلومترًا في الساعة قد يعيد تسريع تمددها.
وفي مقاطعة غوادالاخارا، أحرق أكبر حريق تشهده إسبانيا هذا العام نحو 32 ألف هكتار، وأدى إلى إجلاء عشرات التجمعات السكانية. وتجاوز إجمالي المساحة المحترقة في البلاد منذ بداية 2026 حاجز 100 ألف هكتار، فيما سجل موسم الحرائق 13 وفاة، ليصبح من أكثر المواسم دموية خلال العقود الأخيرة.
وإلى جانب الجفاف والحرارة، برز عامل بيئي إضافي في إسبانيا؛ إذ أدت أمطار الربيع الغزيرة إلى نمو كثيف للنباتات، قبل أن تجف سريعًا تحت وطأة حرارة الصيف، فتتحول إلى كتلة ضخمة من الوقود القابل للاشتعال.
تونس… مئات التدخلات في أيام ملتهبة
امتدت الأزمة إلى الضفة الجنوبية للمتوسط، حيث شهدت تونس حرائق متسارعة في ولايات الكاف وباجة وبنزرت، وسط درجات حرارة مرتفعة ورياح قوية ساعدت النيران على الانتشار في غابات الصنوبر الحلبي والمناطق الجبلية الوعرة.
وفي ولاية الكاف، واجهت فرق الحماية المدنية حرائق واسعة في جبل تاكرونة ومنطقة نبر، بينما امتدت النيران إلى مناطق في رأس الأسود بولاية باجة. وأعلنت خدمة كوبرنيكوس الأوروبية لإدارة الطوارئ تفعيل خرائط الأقمار الصناعية لمتابعة الحرائق التي بدأت في 20 يوليو/تموز وانتشرت تحت ظروف جوية قاسية.
كما تعرضت مرتفعات غار الملح وسيدي علي المكي ورفراف في ولاية بنزرت لحرائق أثارت مخاوف السكان والمصطافين، فيما شاركت وحدات من الجيش وفرق الغابات في دعم عمليات الإطفاء والتبريد ومنع إعادة اشتعال البؤر.
وسجلت تونس 90 حريق غابات بين 11 و22 يوليو/تموز، جرى إخماد 77 منها بالكامل، بينما بقيت بؤر نشطة في الكاف وباجة وبنزرت. كما أعلنت وزارة الداخلية تنفيذ 296 عملية لإطفاء حرائق خلال يوم 22 يوليو وحده.
وهنا تجدر الإشارة إلى أن رقم 296 يتعلق بجميع تدخلات إطفاء الحرائق خلال ذلك اليوم، ولا يعني وقوع 296 حريق غابات تحديدًا. وهذا التمييز ضروري في التغطية الصحفية حتى لا تختلط الحرائق المنزلية والزراعية وحرائق الأعشاب بالحرائق الغابية الكبرى.
ورغم أن تونس اعتادت مواجهة حرائق صيفية، فإن ارتفاع وتيرة التدخلات واتساع المناطق المهددة يضعان منظومة الحماية أمام تحديات متزايدة، خصوصًا مع صعوبة الوصول إلى التضاريس الجبلية ونقص الموارد المائية وتزامن الحرائق في أكثر من ولاية.
الجزائر… السيطرة على الجبهات الأخطر
في الجزائر، اندلعت خلال عدة أيام عشرات الحرائق في الغابات والأحراش والمحاصيل الزراعية في ولايات شمالية، ما أدى إلى سقوط ضحايا وإصابة عشرات الأشخاص، واستدعى تعبئة فرق الحماية المدنية والجيش والمروحيات ووحدات الأمن ومتطوعين من السكان.
وأفادت تقارير تستند إلى بيانات وزارة الداخلية بوفاة ستة أشخاص جراء الحرائق، فيما سجلت البلاد في ذروة الأزمة أكثر من 150 حريقًا في الغابات والنباتات والمحاصيل الزراعية.
وخلال زيارته ولاية تلمسان، أعلن وزير الداخلية سعيد سعيود السيطرة على الحرائق التي كانت تهدد السكان والممتلكات، مع استمرار التعامل مع بؤر محدودة. كما أوضح أن الجزائر سجلت أكثر من 160 حريقًا بين الخميس والسبت في عدد من الولايات، وصل انتشارها في بعضها إلى أكثر من نصف البلديات.
ويعكس تحسن الوضع الميداني أثر التعبئة الواسعة وتدخل الطائرات والمروحيات، لكنه لا يلغي حجم الخسائر البيئية والاجتماعية، ولا سيما في المناطق الريفية التي تعتمد على الغابات والزراعة وتربية المواشي في مصادر دخلها.
الحرارة لا تشعل الشرارة وحدها
من السهل رد كل حريق إلى التغير المناخي بصورة مباشرة، لكن التفسير العلمي أكثر تعقيدًا. فالحرارة المرتفعة والجفاف والرياح لا تشعل النار بالضرورة، لكنها تخلق البيئة التي تسمح لشرارة صغيرة بالتحول إلى حريق خارج عن السيطرة.
وتشير هيئة الأرصاد الفرنسية إلى أن تسعة من كل عشرة حرائق تبدأ بفعل بشري، سواء عن قصد أو نتيجة الإهمال، وأن نصفها تقريبًا يرتبط بتصرفات غير حذرة أو خطرة. لكن أثر النشاط البشري الأولي يتضاعف عندما تكون التربة جافة والنباتات شديدة القابلية للاشتعال والرياح قوية.
بذلك، لا يعفي تغير المناخ الأفراد والسلطات من المسؤولية، ولا يلغي دور الإهمال أو التخطيط العمراني السيئ أو ضعف إدارة الغابات. لكنه يوسع نافذة الخطر، ويطيل موسم الحرائق، ويزيد احتمال تحول الحوادث المحدودة إلى كوارث كبرى.
وتشير بيانات كوبرنيكوس إلى أن أوروبا الغربية سجلت في يونيو/حزيران 2026 أشد أشهر يونيو حرارة على الإطلاق، بمتوسط يزيد 3.06 درجات مئوية على المعدل المسجل بين عامي 1991 و2020. كما عانت مناطق واسعة من ظروف أكثر جفافًا من المعتاد، أسهمت في زيادة نشاط الحرائق، خصوصًا في شبه الجزيرة الإيبيرية.
اختبار يتجاوز قدرات الإطفاء
تكشف حرائق صيف 2026 أن زيادة عدد الطائرات وعربات الإطفاء، على أهميتها، لن تكون كافية وحدها. فالمعركة تبدأ قبل ظهور اللهب، من خلال تنظيف الغابات من الكتلة النباتية الجافة، وإنشاء مساحات عازلة حول البلدات، ومراقبة شبكات الكهرباء والأنشطة الزراعية، وتقييد الوصول إلى المناطق الخطرة خلال موجات الحر.
كما تحتاج المناطق الواقعة بين الغابات والتجمعات السكنية إلى قواعد بناء أكثر صرامة، وطرق إجلاء متعددة، وأنظمة إنذار تصل إلى السكان بسرعة. فبعض الكوارث لا تتفاقم بسبب قوة النار وحدها، بل لأن طريقًا واحدًا يصبح منفذ الهروب لعشرات الآلاف.
وتؤكد الأزمة كذلك أهمية التعاون العابر للحدود. فالطائرات التي تنتقل من كرواتيا والبرتغال والتشيك وسلوفاكيا إلى فرنسا، أو الدعم الجوي المقدم للدول التي تتجاوز الحرائق قدراتها الوطنية، لم يعد استجابة استثنائية، بل جزءًا أساسيًا من منظومة الحماية في قارة تواجه مواسم نيران أطول وأكثر تعقيدًا. وقد أعد الاتحاد الأوروبي لصيف 2026 أكبر قوة جوية مشتركة لمكافحة الحرائق في تاريخه، مع مركز تنسيق يعمل على مدار الساعة لتوجيه الموارد نحو الدول المتضررة.
متوسط أكثر سخونة… وكلفة أعلى
قد تُخمد النيران خلال أيام، لكن آثارها ستبقى سنوات. فالغابة لا تستعيد عافيتها فور اختفاء الدخان، والتربة المحترقة تصبح أكثر عرضة للانجراف والفيضانات، والحياة البرية تفقد موائلها، بينما تتحمل المجتمعات المحلية تكاليف تدمير المنازل والمحاصيل والمرافق السياحية.
ما يحدث على ضفتي المتوسط ليس أربع أزمات منفصلة في فرنسا وإسبانيا وتونس والجزائر، بل مشهد مناخي وأمني مترابط. فالحرارة والجفاف والرياح لا تعترف بالحدود السياسية، والدخان يعبرها بسهولة، فيما تتشابه التحديات التي تواجه فرق الإنقاذ والسكان.
وتضع هذه الحرائق الحكومات أمام سؤال يتجاوز كيفية إطفاء النيران الحالية: هل تستمر في التعامل مع الحرائق بوصفها طوارئ موسمية، أم تعيد بناء سياساتها على أساس أن الصيف المتوسطي أصبح أكثر حرارة، وأن ما كان يُعد موسمًا استثنائيًا قد يتحول إلى واقع متكرر؟
الإجابة لن تُقاس بعدد الطائرات التي تصل عند اشتعال الغابات، بل بعدد الحرائق التي تنجح السياسات الوقائية في منعها قبل أن تظهر شرارتها الأولى.





