الدمار في قرى جنوب لبنان لم يهدم المنازل فحسب؛ فقد محا معالم كانت تحدد العقارات، وكشف هشاشة البيوع غير المسجلة والملكيات المشتركة، مهدداً بتحويل إعادة الإعمار إلى نزاعات بين الجيران والورثة
وقف أحد أبناء زوطر الغربية أمام مساحة كان يعرف تفاصيلها حجراً حجراً، لكنه لم يستطع هذه المرة تحديد الطريق إلى أرضه. الجدران التي كانت تفصل بين العقارات اختفت، والأشجار التي استخدمها السكان علاماتٍ للمكان اقتُلعت، فيما تغيرت بعض الطرق والممرات تحت وطأة القصف والتجريف.
في شهادته المنشورة، اختصر الرجل المشهد بالقول إن «كل شيء تبدّل». لم يعد يعرف من أين يمر، ولا أين تبدأ أرضه أو تنتهي. وفي البلدة نفسها، تحدث سكان آخرون عن صعوبة التعرف إلى عقاراتهم بعدما تحولت الأحياء إلى مساحات متشابهة تغطيها الأنقاض.
قد تبدو هذه المشكلة تفصيلاً ثانوياً أمام حجم الخسائر البشرية والمادية، لكنها تفتح واحداً من أكثر ملفات ما بعد الحرب تعقيداً: كيف يمكن إعادة بناء منزل عندما يصبح موقعه موضع خلاف؟ ومن يستحق التعويض إذا كانت الملكية موزعة بين ورثة، أو مستندة إلى عقد لم يسجّل، أو قائمة في منطقة لم تخضع أصلاً لمسح عقاري نهائي؟
تكشف مراجعة الإطار القانوني والإداري للملكية العقارية في لبنان، إلى جانب شهادات الأهالي وتقديرات الدمار، أن الجنوب لا يواجه أزمة مساكن فقط. ثمة خطر متزايد بأن تتحول إزالة الركام وبدء الإعمار إلى نقطة انطلاق لنزاعات ملكية قد تستمر سنوات أمام القضاء.
حين كانت الشجرة جزءاً من الخريطة
في عدد من القرى، لم يكن السكان يحتاجون يومياً إلى فتح خريطة عقارية لمعرفة حدود أملاكهم. كانت الحدود مرئية في المشهد: شجرة زيتون معمرة، صنوبرة فوق تلة، سلسلة حجرية، ساقية مياه، منزل قديم أو منعطف في طريق زراعية.
هذه العلامات لا تستبدل التسجيل القانوني، لكنها كانت تؤدي دوراً عملياً في تحديد الحيازة، ولا سيما في الأراضي غير الممسوحة أو العقارات الموروثة التي لم تستكمل فيها معاملات الإفراز وانتقال الملكية.
في الخيام، قالت سهى عبدالله إنها لم تتمكن من التعرف إلى منزل جدها أو المنزل المجاور له بعد عودتها. أما غادة، من دبين، فكانت تستدل على أرض عائلتها بمنزل الجد وصنوبرة قديمة وأسماء أصحاب الأراضي المجاورة. ومع اختفاء تلك المعالم وفقدان وثائق العائلة ووفاة عدد من كبارها، لم يعد ممكناً تحديد الحدود بالطريقة التي عرفها أفراد الأسرة طوال حياتهم.
وتتكرر المخاوف ذاتها، وفق الشهادات المنشورة، في حولا وكفركلا والعديسة ومارون الراس وقرى أخرى تعرضت لتدمير وتجريف واسعَين. لا يعني ذلك بالضرورة ضياع الملكية قانوناً، لكنه يعني أن مطابقة القيود والخرائط الرسمية مع الواقع الجديد على الأرض قد تحتاج إلى أعمال مسح دقيقة، وأن الخلاف سيصبح أكثر احتمالاً عندما تكون القيود ناقصة أو غير موجودة.
في زوطر الغربية، قدّر رئيس البلدية عبد عز الدين أن أكثر من نصف البلدة دُمّر، بينما لحقت أضرار جسيمة بجزء كبير من الأبنية التي بقيت قائمة. وبدأ السكان دخول البلدة بصورة حذرة بعد انتشار الجيش اللبناني وبدء أعمال البحث عن الألغام والذخائر غير المنفجرة.
ثلث الأراضي اللبنانية غير ممسوح
تزداد خطورة المشكلة بسبب واقع السجل العقاري اللبناني نفسه.
بحسب تقرير أعدته مبادرة الأرض العربية والشبكة العالمية لأدوات الأراضي، خضع نحو 65 في المئة من الأراضي اللبنانية للمسح، فيما لا تزال 35 في المئة منها غير ممسوحة. ويوضح التقرير أن العقار المحدد والممسوح بصورة أصولية يستطيع الدخول في السجل العقاري، بينما لا تملك العقارات غير الممسوحة المستوى نفسه من التحديد الرسمي للحدود.
لا تعني الأرض غير الممسوحة أنها بلا مالك. قد يمتلكها أفراد وعائلات منذ أجيال، وتوجد لديهم عقود أو إفادات أو قيود إرث أو أحكام قضائية أو أدلة على الحيازة. لكن إثبات الحق فيها يصبح أكثر هشاشة عند فقدان الوثائق واختفاء المعالم وتعارض شهادات الجيران والورثة.
ويشير التقرير إلى أن النزاعات حول ملكية الأراضي غير الممسوحة، إلى جانب مشكلات الإرث والتعدي على الأملاك، تقع ضمن أبرز أسباب الخلافات العقارية في لبنان. كما يلفت إلى أن مشكلات أمن الحيازة والإسكان ظهرت في جنوب لبنان بعد النزاعات السابقة، ولا سيما عندما كان التوثيق غير دقيق ولم تكن عملية إعادة الإعمار محكومة بإطار واضح.
وهنا تظهر ثغرة أساسية: الدمار الحالي لم يخلق جميع مشكلات الملكية، بل كشف مشكلات كانت مؤجلة أو مضبوطة بالأعراف العائلية وحدود الأمر الواقع.
عقار واحد وورثة كثر
يُقسم العقار في النظام اللبناني إلى 2400 سهم. وعندما تكون الملكية شائعة، يمتلك كل شريك عدداً من الأسهم في العقار كله، من دون أن يعني ذلك بالضرورة أن له جزءاً مادياً مستقلاً ومحدداً على الأرض.
عملياً، قد تتفق العائلة على أن المنزل القائم عند الطرف الشرقي يعود إلى أحد الأبناء، وأن الأرض الزراعية في الجهة الأخرى يستخدمها شقيقه. وقد يستمر هذا الترتيب سنوات من دون إفراز رسمي.
لكن إذا دُمّر المنزل واختفت الأسوار، يعود السؤال القانوني إلى الواجهة: هل كان الجزء المبني مملوكاً فعلاً لصاحب المنزل، أم أنه جزء من عقار مشترك بين جميع الورثة؟
وقد يكون أحد الورثة قد دفع تكاليف البناء، فيما يملك آخرون حصصاً في الأرض. وقد يكون بعضهم مقيماً خارج لبنان، أو لا يزال حصر الإرث غير منجز، أو توفي أحد أصحاب الحقوق من دون نقل حصته إلى ورثته.
هذه الحالات لا تُحل بمجرد تذكّر مكان المنزل. فإعادة البناء فوق عقار مشترك تحتاج، من حيث المبدأ، إلى مراعاة حقوق جميع الشركاء، وقد تؤدي مباشرةً إلى اعتراضات إذا شعر أحدهم بأن البناء الجديد يكرّس تقسيماً لم يوافق عليه.
عقود موجودة… وملكية غير مكتملة
تظهر مشكلة أخرى في البيوع التي أُبرمت بعقود لكنها لم تسجّل في الدوائر العقارية.
يوضح تقرير حقوق الأراضي أن القانون اللبناني يشترط تسجيل معاملات بيع العقارات كي تصبح نافذة في مواجهة الأطراف الآخرين. وهذا يعني أن العقد غير المسجل قد يثبت وجود التزام بين البائع والمشتري، لكنه لا يمنح دائماً المشتري الحماية نفسها التي يمنحها انتقال الملكية المسجل.
بعد الدمار، يمكن أن يجد مشتري العقار نفسه أمام ورثة البائع الذي لا يزال اسمه مدوناً في السجل. وقد تظهر مطالبتان على الأرض نفسها: واحدة تستند إلى الإقامة والبناء وعقد البيع، وأخرى تستند إلى القيد العقاري الرسمي.
وتزداد المخاطر إذا فُقدت النسخة الأصلية من العقد، أو كانت عملية البيع قد تمت شفهياً، أو اقتصرت على وكالة أو إفادة محلية لم تُستكمل بعدها معاملات التسجيل.
لذلك، فإن فقدان سند موجود داخل منزل مهدّم ليس أخطر الحالات دائماً؛ إذ يمكن في العقار المسجل طلب مستندات بديلة من الدائرة المعنية. الخطر الأكبر يقع عندما تكون العملية القانونية الأصلية ناقصة، أو عندما لم تُسجل الملكية أساساً.
هل تكفي السجلات الرقمية؟
توفر المديرية العامة للشؤون العقارية خدمات إلكترونية، من بينها الاطلاع على الصحيفة العقارية ومتابعة المعاملات وإفادات الملكية، كما تعمل من خلال شبكة من مكاتب السجل والمساحة.
لكن الرقمنة لا تلغي الحاجة إلى الخرائط والقيود الأصلية، ولا تعني أن كل معاملة عقارية أو تقسيم عرفي أو حق غير مسجل أصبح محفوظاً إلكترونياً.
بحسب تقرير مبادرة الأرض العربية، تضم قواعد البيانات العقارية قرابة ثلاثة ملايين عقار ونحو 24 مليون قيد في الصحائف العقارية، إلا أن مستوى التغطية والوصول إلى المعلومات الجغرافية الرقمية لا يزال يعاني ثغرات. وتجدر الإشارة إلى أن بيانات هذا التقرير جُمعت حتى عام 2022، ولذلك قد لا تعكس أي تطوير أُنجز لاحقاً.
حتى عندما تكون الصحيفة العقارية محفوظة، يحتاج تثبيت الحدود على الطبيعة إلى خريطة مساحية وإحداثيات وأعمال فنية. وفي المناطق التي تغير شكلها جذرياً، لن يكون اسم المالك ورقم العقار وحدهما كافيين لبدء البناء قبل إعادة تحديد الموقع ميدانياً.
الجرافة قد تمحو آخر الأدلة
تتطلب العودة إلى القرى إزالة كميات ضخمة من الأنقاض وفتح الطرق ومعالجة المخاطر الناتجة عن الذخائر غير المنفجرة. لكن رفع الردميات ليس عملية إنشائية محضة.
قد تخفي الأنقاض أساسات منازل، أو بقايا جدران كانت تفصل بين العقارات، أو علامات مساحية تساعد على إعادة تكوين شكل الحي قبل الدمار. وإذا أُزيلت هذه العناصر قبل توثيقها، قد تختفي آخر الأدلة المادية المتوافرة.
بحسب تقييم البنك الدولي للأضرار والاحتياجات، تضررت نحو 162,900 وحدة سكنية في لبنان خلال الفترة التي غطاها التقرير، بينها قرابة 45,400 وحدة مدمرة، فيما بلغت الأضرار المادية المقدرة في قطاع الإسكان نحو 4.6 مليارات دولار. وقدّر البنك احتياجات التعافي وإعادة الإعمار في مختلف القطاعات بنحو 11 مليار دولار.
هذه الأرقام توضح حجم ورشة الإعمار، لكنها تبرز أيضاً خطورة البدء بسرعة من دون بروتوكول عقاري يسبق إزالة الأنقاض.
المطلوب أن يُوثق كل موقع بالصور والإحداثيات، وأن تُقارن صور ما قبل الحرب وما بعدها، وأن تُحفظ آثار الأساسات والحدود قبل تحريكها. وإلا فقد يتحول تسريع الإعمار إلى عامل يعقّد إثبات الملكية بدلاً من تسهيل العودة.
تعويضات قد تشعل الخلاف
يبدأ التعويض عادةً بتحديد صاحب الحق وحجم الضرر. لكن ماذا يحدث إذا كان العقار غير ممسوح، أو مسجلاً باسم شخص متوفى، أو مشتركاً بين عشرات الورثة، أو مشتَرى بعقد غير مسجل؟
قد يُدفع التعويض لشخص يعتبره الآخرون واحداً من عدة أصحاب حقوق. وقد يحصل أحد أفراد العائلة على ترخيص لإعادة البناء في موقع يعترض عليه شركاؤه. كما قد يؤسس البناء الجديد وضعاً مادياً يصعب تغييره لاحقاً، حتى إذا صدر حكم قضائي مخالف.
لذلك، فإن حصر الأضرار لا يساوي حصر الحقوق. المنزل وحدة مادية يمكن تصويرها وتقدير كلفتها، أما الملكية فهي سلسلة من القيود والعقود والمواريث والحصص، وقد يكون لكل حلقة فيها أكثر من تفسير.
وتكتسب المشكلة بعداً زمنياً خطيراً، إذ يشير تقرير إدارة الأراضي إلى أن الحصول على حكم ابتدائي في قضية عقارية قد يستغرق ما بين سنتين وثلاث سنوات، من دون احتساب الاستئناف.
ومع احتمال ظهور عدد كبير من الدعاوى في وقت متزامن، قد تبقى عائلات بلا قدرة على البناء أو التصرف بأراضيها سنوات، فيما تكون الحاجة إلى العودة فورية.
الدولة أمام اختبار تثبيت الملكية
معالجة الملف تتوزع بين المديرية العامة للشؤون العقارية والقضاء والجيش والبلديات والمخاتير والمساحين ووزارات المالية والداخلية والأشغال، إضافة إلى الجهات الممولة لإزالة الأنقاض وإعادة الإعمار.
لكن تعدد الجهات قد يتحول إلى عائق إذا لم توجد مرجعية موحدة.
قبل دخول الجرافات، تحتاج المناطق المتضررة إلى مسح توثيقي شامل. وقبل دفع التعويض، يجب تدقيق القيد العقاري وحصر الإرث ووضع الشركاء والبيوع غير المسجلة. وقبل إصدار رخصة البناء، ينبغي فتح مهلة للاعتراض والتأكد من أن الموقع لا يقع ضمن نزاع قائم.
كما تتطلب الأزمة لجاناً استثنائية تضم قضاة عقاريين ومساحين محلفين وممثلين عن الدوائر العقارية والبلديات، مع توفير مساعدة قانونية للأهالي الذين فقدوا مستنداتهم أو لا يستطيعون تحمل تكاليف المسح والدعاوى.
من دون ذلك، قد يستفيد أصحاب الملكيات المسجلة والواضحة سريعاً من برامج التعويض، فيما يبقى أصحاب الحقوق الأضعف قانونياً خارج عملية الإعمار، رغم أنهم قد يكونون قد سكنوا الأرض واستثمروها طوال عقود.
الإعمار يبدأ قبل صبّ الإسمنت
في القرى الجنوبية، لا تبدأ إعادة الإعمار ببناء الجدران، بل بإعادة بناء الخريطة القانونية للمكان.
المنزل المهدّم يمكن تشييده من جديد، لكن البناء لا يستطيع حل النزاع على الأرض التي سيقام فوقها. وإذا بدأت الورش قبل تثبيت الحقوق، فقد تتحول المساعدات والتعويضات إلى سبب جديد للخلاف بين الجيران أو أفراد العائلة الواحدة.
عاد السكان بحثاً عن البيوت التي تركوها، فاكتشف بعضهم أن الدمار لم يسلبهم المنزل وحده، بل أخفى العلامات التي كانت تقول إن هذه الأرض لهم.
لهذا، فإن السؤال الذي سيحدد مصير العودة ليس فقط: متى يبدأ الإعمار؟
السؤال الأسبق والأصعب هو: من يملك الأرض، وأين تقع حدودها؟





