بين تخصيص عقار في المدور، وخطط إنشاء مرفأ جاف في البقاع، وطموح الانضمام إلى ممرات التجارة الدولية، تسعى الدولة إلى إعادة مرفأ بيروت لاعباً إقليمياً. لكن خلف العنوان الكبير، لا تزال الكلفة والتمويل والعائد المتوقع وهوية المستفيدين وطبيعة التوسعة أسئلة بلا أجوبة منشورة.
لم يحتج قرار توسعة مرفأ بيروت إلى أكثر من سطر في البيان الحكومي. ففي 23 تموز 2026، وافق مجلس الوزراء على تخصيص العقار رقم 1383 في منطقة المدور–المرفأ لتنفيذ مشروع التوسعة. غير أن هذا السطر المقتضب يفتح ملفاً يتجاوز حدود قطعة أرض محاذية للمرفأ، ليصل إلى موقع لبنان على خريطة التجارة الإقليمية، ومستقبل الواجهة البحرية لبيروت، وطريقة إدارة أحد أكثر المرافق العامة حساسية وربحية في البلاد.
الرواية الرسمية الناشئة تتحدث عن مرفأ لا يكتفي بخدمة السوق اللبنانية، بل يتحول إلى مركز للنقل البحري والخدمات اللوجستية، مرتبطاً بالبقاع والحدود السورية، وربما لاحقاً بممرات تجارية بين آسيا وأوروبا. أما المعلومات المنشورة حتى إعداد هذا التحقيق، فلا تزال أقل بكثير من حجم الطموح: لا مخطط تفصيلياً متاحاً للعامة، ولا دراسة جدوى اقتصادية، ولا كلفة تقديرية معلنة، ولا جدولاً زمنياً، ولا تحديداً واضحاً لما سيقام على العقار الجديد.
هنا تبدأ المسافة بين قرار التوسعة ومشروع التوسعة.
من عقار في المدور إلى ممر إقليمي
لا يبدو تخصيص العقار رقم 1383 خطوة منفصلة. ففي شباط 2026، أعلنت إدارة مرفأ بيروت، بالتعاون مع مجلس الإنماء والإعمار، مجموعة مشاريع تشمل إنشاء خط لوجستي يصل المرفأ بالحدود اللبنانية–السورية عبر البقاع، وإقامة «مرفأ جاف» في البقاع، وإعادة تنظيم مداخل المرفأ ومخارجه، واستحداث بوابة جديدة تحمل الرقم 16. كما أُعلن عن دراسة لاستخدام منطقة برج حمود ومحيطها ضمن خطة التوسعة.
والمرفأ الجاف ليس مرفأ بالمعنى البحري، بل مركز داخلي تُنقل إليه الحاويات والبضائع لإتمام عمليات التخزين والفرز والتخليص والتوزيع بعيداً عن الساحل. نظرياً، يسمح هذا النموذج بتخفيف الضغط عن ساحات مرفأ بيروت، ونقل جانب من النشاط اللوجستي إلى البقاع، وفتح مسار بري نحو سوريا والعراق.
هكذا تتضح الفكرة الإقليمية: تدخل البضاعة عبر البحر إلى بيروت، ثم تنتقل إلى مركز لوجستي في الداخل، ومنه إلى الأسواق اللبنانية أو عبر الحدود. وإذا نجح هذا المسار، فلن يعود المرفأ يعتمد حصراً على حركة الاستيراد المحلية، بل سيحصل على رسوم من المناولة والتخزين والترانزيت وإعادة التوضيب والتوزيع والخدمات المرافقة.
لكن نجاح هذه السلسلة يتطلب أكثر من تخصيص الأراضي. فهو يفترض طرقاً آمنة وفعالة، وجمارك سريعة، ومعابر حدودية مستقرة، واتفاقات مع دول العبور والأسواق المستهدفة، وكلفة نقل قادرة على منافسة المرافئ المجاورة.
مرسيليا ووعود الممر الدولي
قبل يومين من القرار الحكومي، جُدد التعاون بين مرفأي بيروت ومرسيليا–فوس بموجب مذكرة تمتد ثلاث سنوات، وتشمل التعاون المؤسسي والتجاري والتقني، وتحديث العمليات والرقمنة والخدمات اللوجستية. كما طُرحت مشاركة بيروت في النقاشات المتعلقة بـ«نادي موانئ» ممر الهند–الشرق الأوسط–أوروبا، المعروف اختصاراً بـIMEC.
تكمن جاذبية هذا الطرح في وضع بيروت على طريق تجاري يمتد من الهند والخليج إلى أوروبا. إلا أن المذكرات والتفاهمات لا تساوي، وحدها، إدراجاً تنفيذياً في الممر. فالممرات الاقتصادية تُبنى على عقود شحن واستثمارات وبنى تحتية واتفاقات سياسية عابرة للحدود، لا على الموقع الجغرافي وحده.
ولبنان، رغم موقعه على شرق المتوسط، لا يملك اتصالاً برياً أو سككياً مستقراً مع الأسواق الإقليمية. كما أن الطريق إلى العراق والخليج يمر حكماً عبر سوريا أو عبر مسارات بديلة أطول وأكثر كلفة. وبذلك، فإن شعار «ربط البحر بالداخل العربي» يبقى رهناً بمتغيرات أمنية وسياسية لا تتحكم بها إدارة المرفأ.
الأرقام تقول إن التعافي بدأ
لا تنطلق فكرة التوسعة من فراغ كامل. فقد سجل مرفأ بيروت خلال عام 2025 حركة بلغت 944,242 حاوية نمطية، بزيادة سنوية قدرها 24.23 في المئة. وشكلت حركة الترانزيت وإعادة الشحن 244,854 حاوية، بارتفاع 21.85 في المئة، فيما بلغت الحاويات المرتبطة بالاستيراد والتصدير المحليين 699,388 حاوية.
هذه الأرقام تمنح إدارة المرفأ حجة اقتصادية: الحركة استعادت جزءاً مهماً من زخمها، وحصة إعادة الشحن ليست هامشية، وهناك فرصة لاستقطاب نشاط إضافي إذا توفرت المساحات والخدمات والأسعار المنافسة.
لكن الأرقام نفسها تطرح سؤالاً معاكساً: هل يحتاج المرفأ فعلاً إلى توسعة جغرافية الآن، أم يحتاج أولاً إلى استكمال تحديث منشآته الحالية ورفع كفاءتها؟
منذ عام 2022، تدير شركة CMA Beirut Terminal محطة الحاويات بموجب عقد مدته عشر سنوات. وأعلنت الشركة خطة استثمار بقيمة 33 مليون دولار لتحديث المحطة ورقمنة عملياتها، مع استهداف قدرة تشغيلية تصل إلى 1.4 مليون حاوية سنوياً. وبمقارنة هذا الهدف بحركة عام 2025، يتبين أن النشاط الحالي لا يزال دون الطاقة المستهدفة بنحو نصف مليون حاوية.
لا يعني ذلك أن التوسعة غير ضرورية. فالأرض الجديدة قد تكون مخصصة للبضائع العامة أو المستودعات أو الطرق أو الخدمات اللوجستية، لا لزيادة ساحات الحاويات فقط. لكنه يعني أن على أصحاب المشروع أن يشرحوا بدقة: أين يقع الاختناق التشغيلي الحالي؟ وما النشاط الذي يحتاج إلى المساحة الإضافية؟
حتى الآن، لا تقدم البيانات المنشورة جواباً.
«المردود الأكبر»… لمن؟
يتحقق مردود المرافئ من مصادر متعددة: رسوم دخول السفن، ومناولة الحاويات والبضائع، وإيجار المستودعات والساحات، وخدمات المناطق الحرة، والتخزين، وإعادة الشحن، والتوضيب، والتخليص والخدمات البحرية.
لكن عبارة «مردود أكبر» تبقى غير قابلة للقياس من دون معرفة خمسة عناصر أساسية: حجم الاستثمار، وكلفة التشغيل، وحجم الحركة المتوقع، وتوزيع الإيرادات بين الدولة والمشغلين، والمدة اللازمة لاسترداد الأموال.
هل ستمول إدارة المرفأ التوسعة من إيراداتها؟ هل ستُطرح شراكة مع القطاع الخاص؟ هل ستدخل شركة تشغيل جديدة؟ هل سيُستخدم العقار مقابل بدل إشغال، أم سيبقى تحت إدارة مباشرة؟ وهل ستكون الخدمات الجديدة خاضعة لمناقصة مفتوحة؟
تزداد أهمية هذه الأسئلة لأن إدارة محطة الحاويات منفصلة عن الإدارة العامة للمرفأ، فيما تتوزع المسؤوليات بين إدارة المرفأ والجمارك والأجهزة الأمنية والوزارات ومجلس الإنماء والإعمار. وقد حذر البنك الدولي مراراً من الفراغ القانوني وتداخل الصلاحيات في قطاع المرافئ اللبناني، داعياً إلى اعتماد هيكل حوكمة واضح، وتحديث الجمارك، وإجراء مناقصات شفافة، ووضع استراتيجية وطنية تحدد أدوار مرافئ بيروت وطرابلس وسائر المرافق البحرية واللوجستية.
من دون هذه الإصلاحات، قد تزيد التوسعة مساحة المرفأ، لكنها لا تضمن زيادة القيمة الاقتصادية التي ينتجها.
دراسة سابقة تشكك في الرهان على الترانزيت
بعد انفجار الرابع من آب 2020، طُرحت دراسات متعددة لمستقبل المرفأ. ومن أبرزها دراسة استراتيجية أعدتها شركتا Roland Berger وHamburg Port Consulting، خلصت إلى أن مرفأ بيروت كان يخدم بصورة أساسية الطلب المحلي، وأن نحو 90 في المئة من تجارته البحرية كانت مرتبطة بالاستيراد مقابل حصة محدودة للصادرات.
الأهم أن الدراسة لم تتبنَّ بلا تحفظ فكرة تحويل بيروت إلى مركز ترانزيت بري واسع. فقد أشارت إلى أن قدرة المرفأ على توسيع نشاط الترانزيت قد تبقى محدودة بسبب بنى المرافئ المنافسة في الدول المجاورة، وضعف شبكة النقل الداخلية المعتمدة على الطرق، وتأثر حركة العبور بالعلاقات الجيوسياسية. وفي المقابل، رأت فرصة أكثر واقعية في توسيع الخدمات اللوجستية ذات القيمة المضافة، مثل التخزين وإعادة التوضيب والتغليف.
هذه الخلاصة لا تنفي المشروع الجديد، لكنها تفرض على الحكومة إثبات أن الظروف تغيرت: هل توجد تعهدات من خطوط ملاحية؟ هل أُنجزت توقعات للطلب السوري والعراقي؟ هل قورنت كلفة المسار عبر بيروت بمسارات اللاذقية وطرابلس ومرسين والعقبة ومرافئ الخليج؟
من دون هذه المقارنة، قد تتحول عبارة «مركز إقليمي» إلى شعار تسويقي يسبق السوق التي يفترض أن يخدمها.
التوسعة وسط مدينة مختنقة
تبلغ المساحة الحالية لمرفأ بيروت نحو 1.2 مليون متر مربع، ويضم أرصفة للحاويات والبضائع العامة والمواد السائبة. لكنه يقع في قلب تجمع سكاني وعمراني كثيف، وتفصل منشآته أحياء العاصمة عن جزء كبير من واجهتها البحرية.
ومن هنا لا تكون التوسعة مسألة مرفئية فقط، بل قراراً عمرانياً وبيئياً. فإضافة ساحات للشاحنات أو المستودعات قد ترفع حركة المرور والضجيج والتلوث في المدور والكرنتينا وبرج حمود. أما إقامة أنشطة لوجستية داخلية من دون منافذ طرق مخصصة، فقد تنقل الاختناق من داخل المرفأ إلى الشوارع المحيطة به.
في المقابل، يمكن للمرفأ الجاف أن يخفف الضغط إذا نُقلت إليه عمليات التخزين والتخليص، شرط أن يكون الربط بين بيروت والبقاع فعالاً وألا يتحول إلى مسار جديد لطوابير الشاحنات.
لذلك يفترض بأي مخطط توسعة أن يتضمن دراسة للأثر المروري والبيئي، وخطة للتعامل مع المواد الخطرة، ومسافات أمان واضحة عن المناطق السكنية، وآلية تشاور مع بلدية بيروت والبلديات والمجتمعات المحيطة.
ولم تُعلن حتى الآن دراسة من هذا النوع مرتبطة بالعقار رقم 1383.
إعادة الإعمار ليست هي التوسعة
يزداد الغموض بسبب تداخل ثلاثة مسارات مختلفة في الخطاب العام: إعادة بناء ما دمره انفجار 2020، وتحديث محطة الحاويات، والتوسعة الجديدة.
في عام 2024، قُدمت خطة فرنسية لإعادة تأهيل المرفأ، تركز على إصلاح الأرصفة المتضررة وتنظيم حركة البضائع ورفع معايير السلامة واستخدام الطاقة الشمسية. وقدرت كلفتها بنحو 60 إلى 80 مليون دولار، على أن تمول من إيرادات المرفأ التي بلغت نحو 150 مليون دولار عام 2023. لكن الخطة اصطدمت أيضاً بضرورة إزالة مخلفات الانفجار، وإصلاح نظام الحوكمة، وتسوية ملفات السلامة والمنطقة المحيطة بالإهراءات.
أما مشروع العقار 1383، فلا تتوافر معطيات تثبت ما إذا كان جزءاً من تلك الخطة، أو امتداداً مستقلاً لها، أو عنصراً في مشروع المرفأ الجاف والممر اللوجستي.
هذا الخلط يسمح بعرض كل خطوة باعتبارها جزءاً من «نهضة المرفأ»، لكنه يصعّب على الرأي العام معرفة ما نُفذ فعلاً، وما يجري تمويله، وما لا يزال في طور الإعلان.
الأسئلة التي يجب أن تجيب عنها الحكومة
لكي يتحول قرار مجلس الوزراء إلى مشروع عام قابل للمساءلة، ينبغي نشر الصحيفة العقارية للعقار المخصص ومساحته وقيمته وطبيعة إشغاله الحالي، إلى جانب المخطط الهندسي ودراسة الجدوى وتوقعات الحركة والإيرادات.
كما يفترض تحديد العلاقة بين التوسعة وخطة إعادة الإعمار الفرنسية وعقد تشغيل محطة الحاويات ومشروع المرفأ الجاف، والإعلان عن الجهة التي ستدير المنشآت الجديدة وآلية اختيار المقاولين والمشغلين.
ويبقى السؤال الأهم: هل أُعد المشروع انطلاقاً من طلب تجاري مثبت، أم انطلاقاً من أرض متاحة ورغبة سياسية في استخدامها؟
الفرق جوهري. فالمرافئ الناجحة لا تتوسع لأن لديها أرضاً، بل لأنها تملك حركة بضائع وعقوداً وممرات نقل وأسواقاً تبرر الاستثمار.
فرصة حقيقية… بشروط صعبة
يمتلك مرفأ بيروت عناصر قوة لا يمكن تجاهلها: موقعاً بحرياً مهماً، واتصالاً بخطوط ملاحية دولية، وخبرة تشغيلية، وسوقاً محلية تعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد، وحركة حاويات استعادت نموها خلال العام الماضي.
كما أن إنشاء منظومة تربط المرفأ بالبقاع والحدود يمكن أن يولد نشاطاً اقتصادياً وفرص عمل خارج العاصمة، ويعزز قطاعات التخزين والنقل والتوضيب والتصدير.
لكن فرصة كهذه قد تضيع إذا استُخدمت «الأهداف الإقليمية» لتبرير مشروع لم تُنشر جدواه، أو إذا جرى توزيع استثماراته وعقوده ضمن المنظومة القديمة نفسها التي جعلت المرفأ، لعقود، مساحة تتقاطع فيها الصلاحيات والمصالح بعيداً عن رقابة مؤسساتية مكتملة.
المشكلة إذاً ليست في الطموح. فمن حق بيروت أن تستعيد دورها البحري، ومن حق لبنان أن يبحث عن حصة في التجارة الإقليمية. المشكلة أن الطموح، في المشاريع العامة، لا يعفي من الأرقام.
حتى الآن، خصصت الحكومة الأرض. أما إثبات أن هذه الأرض ستنتج «مردوداً أكبر» للبنان، لا مجرد مساحة أكبر للمرفأ، فلا يزال المهمة الأصعب.





