مبادرة مشتركة تعزّز التحول الرقمي وترفع الجهوزية لمواجهة الآفات والحرائق والتحديات المناخية
في خطوة تعكس توجهاً متسارعاً نحو تحديث القطاع الزراعي اللبناني، أطلقت وزارة الزراعة، بدعم من جمهورية الصين الشعبية، مبادرة نوعية لإدخال تقنيات الطائرات المسيّرة المتطورة إلى منظومة العمل الزراعي والبيئي في لبنان، بهدف تعزيز حماية المحاصيل والغابات، ورفع كفاءة الإنتاج، وتحسين إدارة الموارد الطبيعية.
وجرى إطلاق المبادرة خلال احتفال أُقيم في مركز جمعية الثروة الحرجية والتنمية «AFDC» في بلدة قرنايل في جبل لبنان، برعاية وحضور وزير الزراعة الدكتور نزار هاني، وبمشاركة سفير جمهورية الصين الشعبية لدى لبنان شن شاندونغ، إلى جانب سفيري إسبانيا وأوكرانيا، وعدد من النواب وممثلي وزارة الدفاع وقيادة الجيش اللبناني، والمنظمات الدولية الشريكة، واتحادات البلديات والتعاونيات الزراعية والجمعيات البيئية والأهلية.
وتشكّل المبادرة محطة أساسية في مسار التحول الرقمي للقطاع الزراعي، إذ تسعى إلى توظيف تقنيات الاستشعار عن بُعد والزراعة الدقيقة وجمع البيانات الميدانية في تحسين عمليات الرش والمراقبة، ومكافحة الآفات والأمراض، ورصد المخاطر البيئية، ولا سيما حرائق الغابات.
ضمن استراتيجية الزراعة اللبنانية 2026–2035
وأكدت وزارة الزراعة أن المشروع يندرج ضمن رؤيتها الاستراتيجية للأعوام 2026–2035، الهادفة إلى تحديث القطاع الزراعي وتعزيز قدرته على مواجهة التحديات الاقتصادية والمناخية والبيئية، من خلال اعتماد أحدث التقنيات الرقمية وأنظمة الاستشعار عن بُعد والذكاء الاصطناعي وتطبيقات الزراعة الذكية والدقيقة.
وتأتي هذه الخطوة في وقت يواجه فيه المزارعون اللبنانيون تحديات متراكمة، أبرزها ارتفاع كلفة الإنتاج، وشح الموارد المائية، وتراجع القدرة على الوصول إلى بعض الأراضي الزراعية، إضافة إلى التغيرات المناخية التي تؤثر في مواسم الإنتاج وتزيد انتشار الآفات والأمراض ومخاطر اندلاع الحرائق.
ومن شأن استخدام الطائرات المسيّرة أن يوفّر للجهات المختصة أدوات أكثر سرعة ودقة في التعامل مع هذه التحديات، وأن يتيح تنفيذ المهمات الزراعية والبيئية في مناطق يصعب الوصول إليها بالوسائل التقليدية.
تعاون لبناني–صيني من أجل التنمية المستدامة
وأكد سفير جمهورية الصين الشعبية لدى لبنان، شن شاندونغ، أن إطلاق مشروع الطائرات المسيّرة الزراعية في بلدة قرنايل يشكّل محطة جديدة في مسار التعاون الزراعي والبيئي بين الصين ولبنان، ويعكس التزام البلدين بتعزيز التنمية المستدامة وحماية الموارد الطبيعية.
وأشار إلى أن قرنايل، بما تحتضنه من غابات صنوبر وأحراج طبيعية ومساحات زراعية جبلية، تمثّل نموذجاً للمناطق التي تحتاج إلى حلول تكنولوجية متقدمة، سواء لحماية الغابات أو لمكافحة الأمراض والآفات الزراعية.
وأوضح أن الطائرات الصينية المخصصة للأعمال الزراعية مزوّدة بأنظمة حديثة للرش الدقيق، تتيح توزيع المبيدات والأسمدة بكفاءة أعلى، والحد من الكميات المهدورة والتأثيرات البيئية غير المرغوب فيها.
كما تساهم هذه التقنيات، عند استخدامها وفق ضوابط علمية وفنية دقيقة، في تقليل تعرّض الكائنات النافعة والملقحات الطبيعية، ولا سيما النحل، للمواد الكيميائية، من خلال حصر عمليات الرش في المساحات المستهدفة والتحكم في الجرعات ومسارات التشغيل.
ولفت السفير الصيني إلى أهمية قدرة الطائرات المسيّرة على العمل في المناطق الجبلية الوعرة التي يصعب وصول الآليات الزراعية التقليدية إليها، معتبراً أن المبادرة تجسّد الاستخدام السلمي والبنّاء للتكنولوجيا الحديثة في خدمة الإنسان والبيئة.
وأعرب عن تقديره للدعم الذي وفّره الجيش اللبناني وسائر الجهات الشريكة لإنجاح المشروع وضمان تطبيقه وفق معايير السلامة والكفاءة التشغيلية.
استثمار مباشر في مستقبل الزراعة اللبنانية
من جهته، شدد وزير الزراعة الدكتور نزار هاني على أن المبادرة لا تقتصر على تسليم معدات تقنية متطورة، بل تمثّل استثماراً مباشراً في مستقبل الزراعة اللبنانية، وفي بناء قدرات وطنية حديثة تستطيع حماية الإنتاج الزراعي والغابات والموارد الطبيعية باستخدام أدوات علمية متقدمة.
وأكد أن الوزارة وضعت التحول الرقمي والزراعة الذكية في صلب استراتيجيتها الوطنية، انطلاقاً من قناعة بأن التحديات الراهنة لا يمكن التعامل معها بالأدوات التقليدية وحدها، بل تتطلب حلولاً مبتكرة تستند إلى البيانات الدقيقة والتكنولوجيا الحديثة.
وأوضح هاني أن الطائرات المسيّرة ستساهم في رفع كفاءة عمليات الرش الزراعي وتسريعها، وتحسين مكافحة الآفات والأمراض، وترشيد استخدام المياه والمبيدات والأسمدة، والحد من الهدر، ما ينعكس إيجاباً على إنتاجية المزارعين وسلامة البيئة والصحة العامة.
ويُتوقع أن تساعد هذه التقنيات أيضاً في خفض المخاطر المهنية التي يتعرض لها العاملون أثناء رش المبيدات، ولا سيما في الأراضي شديدة الانحدار أو في المواقع الوعرة، فضلاً عن الحد من الاحتكاك المباشر بالمواد الكيميائية.
من الرش الزراعي إلى جمع البيانات
لا تقتصر أهمية الطائرات المسيّرة على رش المحاصيل، إذ يمكن أن تتحول إلى منصات متقدمة لجمع المعلومات والبيانات الميدانية، من خلال تزويدها بالكاميرات والحساسات المناسبة.
وأكد وزير الزراعة أن التكنولوجيا الجديدة ستدعم تطوير أنظمة التتبع الزراعي وسلامة الغذاء، عبر مراقبة مختلف مراحل الإنتاج وجمع بيانات دقيقة عن الحقول والمحاصيل والعمليات الزراعية المنفذة.
ويمكن لهذه البيانات أن تساعد في تعزيز إمكانية تتبع المنتجات من الحقل إلى المستهلك، ورفع مستويات الشفافية والثقة، وتحسين إجراءات الرقابة والجودة، ودعم قدرة المنتجات اللبنانية على دخول الأسواق المحلية والخارجية وفق المعايير الدولية الحديثة.
غير أن تحقيق هذه الأهداف يتطلب، إلى جانب توفير الطائرات، تطوير منظومة متكاملة تشمل تدريب المشغّلين، وإدارة البيانات، وصيانة المعدات، ووضع بروتوكولات واضحة للسلامة والرش، وتحديد المسؤوليات القانونية والفنية المرتبطة باستخدام الطائرات في الأجواء اللبنانية.
سبع طائرات من طراز JT20
ويتضمن المشروع توفير سبع طائرات مسيّرة متطورة من طراز «JT20»، صُممت خصيصاً لدعم عمليات مكافحة الآفات والأمراض الزراعية وحماية الغابات.
وتتميز كل طائرة بخزان تبلغ سعته 20 لتراً، وبقدرة تشغيلية تسمح بتغطية مساحة تتراوح بين 9 و11 هكتاراً في الساعة، بحسب طبيعة الأرض وكثافة المحاصيل وظروف التشغيل.
وتتيح هذه القدرة تسريع عمليات الرش وتحسين فعاليتها مقارنة بالوسائل التقليدية، خصوصاً في المساحات الزراعية الواسعة أو المتباعدة وفي المواقع التي تواجه صعوبات لوجستية.
وتعتمد الطائرات نظام رش متطوراً مزوّداً بثماني فوهات، يغطي نطاقاً يتراوح عرضه بين أربعة وستة أمتار خلال كل مسار طيران، مع معدل تدفق يصل إلى خمسة لترات في الدقيقة.
ويساعد هذا النظام في توزيع المبيدات أو الأسمدة بصورة أكثر تجانساً، والحد من الاستخدام العشوائي أو المفرط للمواد الزراعية، وتحقيق استفادة أفضل من الكميات المستخدمة.
ملاءمة التضاريس الجبلية
تكتسب الطائرات المسيّرة أهمية خاصة في بلد مثل لبنان، حيث تشكّل الجبال والمنحدرات جزءاً أساسياً من المشهد الزراعي والحرجي.
وقد زُوّدت طائرات «JT20» بأنظمة متقدمة لتتبّع تضاريس الأرض بشكل تلقائي، بما يسمح لها بالحفاظ على ارتفاع مناسب وثابت فوق المحاصيل والمنحدرات خلال تنفيذ المهمات.
ويُعد هذا الأمر ضرورياً لضمان انتظام الرش وتقليل تفاوت الكميات الموزعة، فضلاً عن تعزيز سلامة الطيران في التضاريس غير المستوية.
كما تتضمن الطائرات كاميرات للمراقبة المباشرة، مزوّدة بإضاءة ليلية لدعم عمليات الرصد والمتابعة أثناء التشغيل، ويمكن تجهيزها بحساسات أمامية وخلفية تساعدها على اكتشاف العوائق وتجنبها، ما يعزز مستويات الدقة والسلامة التشغيلية.
حماية الغابات والرصد المبكر للحرائق
إلى جانب الاستخدام الزراعي، يكتسب المشروع بعداً بيئياً واستراتيجياً يرتبط بحماية الغابات والأحراج اللبنانية، خصوصاً في ظل التغيرات المناخية المتسارعة وارتفاع درجات الحرارة وازدياد مخاطر اندلاع الحرائق.
وأشار الوزير هاني إلى أن الطائرات المسيّرة توفر إمكانات متقدمة في مجال المراقبة البيئية، والكشف المبكر عن المخاطر، وتقييم الأضرار، وتزويد فرق التدخل بمعطيات فورية ودقيقة عن مواقع الحرائق ومسارات انتشارها والمناطق المهددة.
ومن شأن هذه المعلومات أن ترفع مستوى الجهوزية الوطنية، وتساعد فرق الدفاع المدني والجيش والبلديات والجمعيات البيئية على تحديد أولويات التدخل وتوجيه الموارد البشرية والآليات إلى المواقع الأكثر خطورة.
كما يمكن استخدام الطائرات في إجراء مسوحات دورية للغابات، ورصد التغيرات في الغطاء النباتي، ومراقبة انتشار الأمراض والحشرات التي تهدد الأشجار، وتقييم الأضرار الناجمة عن الحرائق أو العواصف أو قطع الأشجار والتعديات.
من إدارة الأزمات إلى إدارة المخاطر
ورأى وزير الزراعة أن المبادرة تعبّر عن انتقال تدريجي من منطق إدارة الأزمات بعد وقوعها إلى إدارة المخاطر والوقاية منها، ومن التدخل المتأخر إلى التخطيط الاستباقي القائم على المعرفة والبيانات.
ويمثّل هذا التحول أحد أهم عناصر الإدارة الحديثة للقطاعات الزراعية والبيئية، إذ لا تكمن قيمة التكنولوجيا في سرعة الاستجابة فحسب، بل في قدرتها على التنبؤ بالمشكلات وتقليل احتمالات وقوعها أو الحد من خسائرها.
وفي هذا السياق، تستطيع الصور الجوية والبيانات التي تجمعها الطائرات المسيّرة دعم إعداد خرائط للمخاطر الزراعية والحرجية، وتحديد المناطق الأكثر عرضة للحرائق أو الآفات أو نقص المياه، ومساعدة الإدارات العامة والبلديات على اتخاذ قرارات أكثر دقة.
التكنولوجيا وحدها لا تكفي
ورغم الإمكانات الكبيرة التي يوفرها المشروع، فإن نجاحه على المدى الطويل يرتبط بقدرته على التحول من مبادرة تقنية محدودة إلى برنامج وطني مستدام.
فالطائرات المسيّرة تحتاج إلى فرق متخصصة في التشغيل والصيانة وتحليل البيانات، وإلى قطع غيار وبطاريات وتجهيزات لوجستية، فضلاً عن آليات تنسيق واضحة بين وزارة الزراعة والجيش والبلديات والدفاع المدني والتعاونيات الزراعية والجمعيات البيئية.
كما ينبغي وضع معايير صارمة لاختيار المبيدات والمواد المستخدمة، وتحديد الظروف المناخية الملائمة للرش، مثل سرعة الرياح ودرجات الحرارة، لمنع انجراف الرذاذ إلى مناطق غير مستهدفة أو إلى مصادر المياه والمناطق السكنية وخلايا النحل.
ومن الضروري كذلك ضمان وصول هذه التكنولوجيا إلى صغار المزارعين والتعاونيات، وعدم حصر فوائدها في المشاريع الكبرى أو المناطق القادرة على تحمّل تكاليف التشغيل، بما يحقق عدالة أكبر في الاستفادة من التحول الرقمي الزراعي.
تحية للمزارعين الصامدين
وتحمل المبادرة رسالة دعم إلى المزارعين اللبنانيين الذين يواصلون العمل والإنتاج رغم الأزمات الاقتصادية وارتفاع الأسعار وصعوبة الحصول على مستلزمات الزراعة والطاقة والتمويل.
فإدخال التكنولوجيا إلى القطاع لا يهدف إلى استبدال المزارع، بل إلى تزويده بأدوات تساعده على اتخاذ قرارات أفضل، وخفض الكلفة والهدر، وتحسين الإنتاجية والجودة، وحماية صحته وسلامته.
ويشكّل الاستثمار في تدريب المزارعين والمهندسين الزراعيين والشباب على تشغيل الطائرات وتحليل بياناتها فرصة لخلق اختصاصات ومهن جديدة، وربط القطاع الزراعي بمجالات البرمجة والذكاء الاصطناعي والاستشعار الجغرافي والهندسة البيئية.
نحو قطاع أكثر قدرة على مواجهة المستقبل
تؤكد مبادرة الطائرات المسيّرة التوجه نحو إدماج التكنولوجيا الحديثة في إدارة القطاع الزراعي والغابات في لبنان، بما يساهم في تعزيز الأمن الغذائي وحماية الموارد الطبيعية ورفع كفاءة الإنتاج.
كما تعكس المشروع أهمية الشراكات الدولية في دعم المؤسسات اللبنانية ونقل المعرفة والتقنيات إليها، شرط أن تقترن هذه المساعدات ببناء قدرات محلية مستدامة، وخطط تشغيل واضحة، ومؤشرات قابلة للقياس لتقييم النتائج.
وبينما تمثّل الطائرات السبع بداية واعدة، يبقى الاختبار الحقيقي في كيفية استخدامها وتوزيع خدماتها، ومدى دمجها في برامج الوزارة والبلديات والتعاونيات، وقدرتها على تحقيق أثر فعلي في الحقول والغابات.
فالتحول نحو الزراعة الذكية لا يتحقق بمجرد امتلاك المعدات، بل ببناء منظومة متكاملة تجمع التكنولوجيا بالخبرة البشرية، والبيانات بالقرار، والابتكار بالحوكمة، بما يضمن حماية المزارعين والموارد الطبيعية، ويؤسس لقطاع زراعي لبناني أكثر إنتاجية واستدامة وقدرة على مواجهة تحديات المستقبل.




