وثّقت دراسة علمية جثة حوت زعنفة جنحت على ساحل البحر الأبيض المتوسط في شمال سيناء، في واقعة تسلط الضوء على ندرة البيانات المتعلقة بالحيتان في شرق المتوسط، وتدفع باتجاه إنشاء برنامج وطني متكامل لرصد الثدييات البحرية والاستجابة لحالات جنوحها ونفوقها.
في التاسع من فبراير/شباط 2021، عُثر على جثة حوت ضخم على أحد شواطئ البحر الأبيض المتوسط في شمال سيناء بمصر. وبعد توثيق الموقع وتحليل الصور الملتقطة للجثة، توصل باحثون إلى أنها تعود لحوت الزعنفة، ثاني أكبر حيوان على سطح الأرض بعد الحوت الأزرق.
وجرى توثيق الواقعة في دراسة علمية نُشرت في مجلة «سيتاسيان ريسيرش آند مانجمنت» (Cetacean Research and Management)، تناولت تفاصيل العثور على الحوت، والخصائص التي استند إليها الباحثون في تحديد نوعه، إلى جانب الأهمية العلمية والبيئية لتسجيل وجوده على الساحل المصري الشرقي للبحر المتوسط.
وقال الدكتور باسم ربيع، الباحث في جامعة ميسوري الأميركية والباحث الرئيسي في الدراسة، إن حوت الزعنفة مصنف عالميا ضمن الأنواع المعرضة لخطر الانقراض، في حين تواجه جماعته في البحر الأبيض المتوسط مستوى أكبر من التهديد، بسبب محدودية أعدادها وتعرضها لضغوط بشرية متزايدة.
وتشير الأبحاث إلى أن حيتان الزعنفة في البحر المتوسط تشكل جماعة سكانية مميزة نسبيا عن معظم تجمعات المحيطات، إذ تظهر اختلافات وراثية وسلوكية محدودة، لكنها لا تصنف بوصفها نوعا مستقلا.
عملاق مسالم
يصل طول حوت الزعنفة عادة إلى ما بين 18 و24 مترا، وقد يبلغ نحو 27 مترا، بينما يمكن أن يتجاوز وزنه 70 طنا. وعلى الرغم من حجمه الهائل، فإنه لا يمثل خطرا على البشر، إذ يعد من الحيوانات البحرية المسالمة، ويتغذى على الأسماك الصغيرة والكائنات البحرية، ولا يعرف عنه مهاجمة الإنسان.
وعثر على جثة الحوت خلال أعمال رصد ساحلية في شمال سيناء، حيث سُجل موقعها باستخدام جهاز يدوي لتحديد المواقع عبر الأقمار الصناعية «جي بي إس»، قبل التقاط مجموعة من الصور من زوايا متعددة.
وشملت الصور الرأس، والسطح البطني، والزعنفة الظهرية، والجزء الخلفي من الجسم، وهو ما مكّن الباحثين من دراسة السمات الخارجية ومقارنتها بالخصائص التشريحية المعروفة لحيتان الزعنفة.
وبحسب الدراسة، جرى التعرف على النوع استنادا إلى شكل الجسم، وموضع الزعنفة الظهرية، وخصائص الرأس، وعدد من العلامات الخارجية المميزة.
ولم يتمكن الفريق من إجراء تشريح للجثة أو أخذ عينات من أنسجتها، نظرا إلى صعوبة الوصول إليها داخل منطقة الأمواج. واعتمادا على الصور المتاحة، قدّر الباحثون طول الحوت بما يتراوح بين 16 و20 مترا.
سبب الوفاة غير محسوم
لم تستطع الدراسة تحديد السبب المباشر لنفوق الحوت، في ظل عدم إجراء فحص تشريحي أو تحاليل مخبرية.
وأوضح ربيع أن معرفة سبب الوفاة بدقة تتطلب تشريح الجثة وفحص الأعضاء والأنسجة، مشيرا إلى أن الأسباب الشائعة لنفوق الحيتان قد تشمل الاصطدام بالسفن، أو التشابك في شباك ومعدات الصيد، أو الإصابة بالأمراض، أو سوء التغذية، إلى جانب التعرض لعوامل وضغوط بيئية مختلفة.
وتعد اصطدامات السفن والتشابك في أدوات الصيد من أبرز الأخطار البشرية التي تواجه الحيتان في عدد من المناطق البحرية، خصوصا في المسارات التي تشهد كثافة في حركة الملاحة وأنشطة الصيد.
شرق المتوسط.. منطقة فقيرة بالبيانات
تشاهد حيتان الزعنفة بانتظام في البحر الأبيض المتوسط، إلا أن توزيعها لا يتسم بالتجانس. إذ تتركز أعدادها ومشاهداتها بصورة أكبر في الأجزاء الغربية والوسطى من البحر، بينما تنخفض معدلات رصدها في المناطق الشرقية.
وظلت منطقة المشرق، بما فيها المياه المصرية، من المناطق الفقيرة بالبيانات المتعلقة بالحيتان والثدييات البحرية، سواء من حيث الأنواع الموجودة أو أعدادها أو نطاقات توزيعها وموائلها.
وتشير السجلات المتاحة إلى أن ظهور حوت الزعنفة على السواحل المصرية يحدث بصورة متفرقة، في حين تركزت معظم الحالات المؤكدة سابقا على الساحلين الشمالي الأوسط والغربي، ولا سيما المناطق المحيطة بدلتا النيل.
وتمنح واقعة شمال سيناء أهمية إضافية للدراسة، لكونها توفر سجلا موثقا من منطقة تقل فيها مشاهدات حوت الزعنفة والبيانات العلمية المتعلقة به.
دعوة إلى برنامج وطني للرصد
دعت الدراسة إلى تعزيز برامج رصد الثدييات البحرية في البحر المتوسط، باعتبارها أداة أساسية لتقييم حالة الأنواع، ومتابعة التغيرات في أعدادها وتوزيعها، والكشف المبكر عن الأخطار التي تهددها.
وتضمنت التوصيات إنشاء برنامج وطني مستمر لرصد الثدييات البحرية، يقوم على توثيق جميع حالات الجنوح والنفوق، والاستجابة لها وفقا لبروتوكولات علمية موحدة تتيح جمع البيانات وإجراء الفحوص اللازمة كلما كان ذلك ممكنا.
كما أوصت بتنفيذ رحلات ومسوح بحرية دورية لتسجيل مشاهدات الحيتان والدلافين وغيرها من الثدييات البحرية، وتقييم توزيعها الجغرافي والموائل التي تعتمد عليها.
وشددت الدراسة على أهمية إشراك الصيادين في منظومة الرصد، نظرا إلى وجودهم المستمر في البحر وقدرتهم على الإبلاغ عن مشاهدات الحيتان أو حالات تشابكها في معدات الصيد أو نفوقها، مع ضرورة توفير آلية سهلة وسريعة للتواصل وتسجيل البلاغات.
ويرى الباحثون أن تطبيق هذه الإجراءات من شأنه أن يساعد في بناء قاعدة بيانات وطنية متكاملة عن الثدييات البحرية في مصر، بما يدعم جهود الحفاظ على التنوع البيولوجي، ويتيح للجهات المعنية اتخاذ قرارات إدارية تستند إلى أدلة علمية.
كما يمكن لهذه البيانات أن تسهم في الوفاء بالالتزامات الوطنية والدولية المتعلقة بحماية البيئة البحرية والأنواع المهددة، وتحويل حالات الجنوح الفردية من وقائع عابرة إلى مصادر مهمة للمعرفة العلمية.
وتكشف واقعة حوت شمال سيناء أن شواطئ شرق المتوسط لا تزال تحمل كثيرا من المعلومات غير المسجلة عن حياة الحيتان ومساراتها والأخطار التي تواجهها، وأن توثيق جثة واحدة قد يمثل خطوة أولى نحو فهم أوسع للنظم البيئية البحرية وحماية الكائنات العملاقة التي تعيش فيها.




