تكشف سيرة الطبيب الهولندي بي. إتش. فان دير هوخ، الذي عُرف بعد إسلامه باسم محمد عبد العلي، عن تقاطع استثنائي بين الطب الاستعماري والسياسة الأوروبية تجاه الحج والبحث العلمي والتجربة الروحية. فقد وصل إلى الحجاز طبيبا وباحثا في الأمراض، ثم عاد إليه حاجا مسلما يبحث عن معنى يتجاوز حدود المختبر.
لم تكن رحلة الطبيب الهولندي بي. إتش. فان دير هوخ إلى الحجاز مجرد مهمة طبية عابرة في منطقة كانت تواجه تحديات صحية جسيمة، كما لم يكن اعتناقه الإسلام مجرد واقعة شخصية منفصلة عن زمانها وسياقها.
ففي سيرته، التي امتدت بين عامي 1888 و1957، تتقاطع مجموعة من القضايا الكبرى التي طبعت النصف الأول من القرن العشرين: الاستعمار الأوروبي، والطب الحديث، والسياسات الدولية المرتبطة بالحج، والنظرة الغربية إلى مكة، والبحث عن بدائل روحية خارج الأطر الدينية الأوروبية التقليدية.
دخل فان دير هوخ الحجاز في البداية بصفته طبيبا أوروبيا وعالما في البكتيريا، مكلفا بالمساهمة في مواجهة الأمراض التي تهدد الحجاج. لكنه عاد إلى مكة بعد سنوات باسم جديد وهوية مختلفة، لا بصفة المراقب أو الخبير الأجنبي، بل بصفة مسلم يؤدي فريضة الحج.
وبين الرحلتين، تشكلت واحدة من أكثر السير الأوروبية تعقيدا في علاقتها بالإسلام ومكة؛ سيرة رجل حاول الجمع بين عقل الطبيب الذي يراقب أسباب المرض، وروح المؤمن التي تبحث عن المعنى الكامن وراء شعائر يؤديها المسلمون رغم المشقة والخطر.
طبيب من لايدن
ولد فان دير هوخ عام 1888 في أسرة هولندية ذات خلفية عسكرية، وكان والده جنرالا في الجيش. وقد انعكست هذه البيئة الصارمة على المسار الذي اختير له في بدايات حياته، إذ كان متوقعا منه أن يسير في طريق يجمع بين الانضباط العسكري والعمل الطبي.
درس الطب في جامعة لايدن، إحدى أعرق الجامعات الهولندية، والتي احتلت منذ قرون موقعا مهما في الدراسات الشرقية والإسلامية الأوروبية. ولم تكن لايدن مجرد مركز لتدريس الطب والعلوم الطبيعية، بل كانت أيضا واحدة من أبرز الحواضن الأكاديمية للاستشراق الهولندي ودراسة اللغة العربية والتاريخ الإسلامي.
اختار فان دير هوخ الطب الاستعماري بديلا عن الحياة العسكرية الخالصة، وانتقل في بدايات القرن العشرين إلى جزر الهند الشرقية الهولندية، إندونيسيا حاليا، للعمل في مكافحة الأمراض الاستوائية والميكروبات.
هناك، بدأ احتكاكه المباشر بمجتمعات إسلامية كبيرة تعيش تحت الحكم الاستعماري الهولندي. ولم يكن هذا الاحتكاك ثقافيا فحسب، بل جاء من داخل منظومة استعمارية كان الطب نفسه جزءا من أدواتها الإدارية والسياسية.
كان الأطباء الاستعماريون مكلفين بمكافحة الأوبئة وحماية السكان، لكنهم كانوا في الوقت ذاته يعملون داخل نظام يهدف إلى تثبيت السيطرة الأوروبية وضمان استمرار المؤسسات الاستعمارية والاقتصادية.
ويبدو أن فان دير هوخ لم يكن منسجما تماما مع هذه المنظومة. فقد عُرف بمزاجه النقدي وكتاباته الحادة ضد بعض رؤسائه العسكريين والإداريين، وهو ما أدى، بحسب ما نُقل عن سيرته، إلى نقله أكثر من مرة إلى مناطق نائية باعتبار ذلك نوعا من العقوبة الوظيفية.
لكن تلك السنوات تركت أثرا أعمق من الخلافات المهنية. ففي جزر الهند الشرقية الهولندية، لم يعد الإسلام بالنسبة إليه موضوعا أكاديميا أو ظاهرة بعيدة، بل أصبح دينا حيا يراه في حياة الناس اليومية وطقوسهم وعلاقاتهم الاجتماعية.
بين الطب وأسئلة الإيمان
عاد فان دير هوخ إلى هولندا، وحصل عام 1922 على درجة الدكتوراه من جامعة لايدن في موضوع يتعلق بالأمراض الجنسية. ومع ذلك، لم تستقر حياته داخل المسار الأكاديمي التقليدي.
كان الطب بالنسبة إليه علما ضروريا لفهم الجسد والمرض، لكنه لم يكن كافيا للإجابة عن أسئلة المعنى والمصير والوجود. ومن هنا نشأ التوتر الذي سيرافقه لاحقا بين التفسير العلمي للحياة والبحث عن حقيقة روحية تتجاوز حدود المادة.
جاء ذلك في مرحلة كانت أوروبا تعيش خلالها آثار الحرب العالمية الأولى وأزمات الحداثة والتصنيع وتراجع الثقة ببعض المؤسسات الدينية التقليدية. وفي أوساط محدودة من المثقفين الأوروبيين، برز اهتمام بالإسلام والأديان الشرقية باعتبارها احتمالا روحيا وفكريا مختلفا.
لم تكن موجة اعتناق الإسلام في هولندا واسعة، مقارنة بما شهدته دول أوروبية أخرى، لكنها كانت موجودة ضمن دوائر صغيرة من الباحثين والرحالة والمثقفين الذين اتصلوا بالعالم الإسلامي عن طريق الاستشراق أو الاستعمار أو السفر.
وفي البيئة الأكاديمية الهولندية، كانت صورة مكة حاضرة بقوة، خصوصا بسبب إرث المستشرق كريستيان سنوك هرخرونيه، الذي أقام في مكة خلال القرن التاسع عشر، وقدم دراسات أثرت طويلا في المعرفة الأوروبية بالمدينة والمجتمع الحجازي.
داخل هذا المناخ، تلقى فان دير هوخ عرضا للعمل في الحجاز. كان العرض طبيا في ظاهره، لكنه سيشكل بداية تحول تجاوز المهنة إلى الهوية والعقيدة.
الحج في الحسابات الاستعمارية
لم يكن اهتمام الحكومة الهولندية بالأوضاع الصحية في الحجاز نابعا من الدوافع الإنسانية أو العلمية وحدها. فقد كانت هولندا تحكم أكبر تجمع سكاني مسلم خاضع لاستعمار أوروبي، وكان عشرات الآلاف من مسلمي جزر الهند الشرقية الهولندية يتوجهون سنويا إلى مكة لأداء الحج.
مثّل الحج بالنسبة إلى السلطات الاستعمارية قضية سياسية وأمنية وصحية بالغة الحساسية. فقد كانت تخشى انتقال الأمراض مع الحجاج العائدين، كما كانت تراقب احتمال انتقال الأفكار السياسية المناهضة للاستعمار عبر اللقاءات التي تجمع المسلمين في مكة.
وبالنسبة إلى الإدارة الهولندية، لم يكن الحاج الإندونيسي مسافرا دينيا فقط، بل شخصا يتحرك خارج فضاء الرقابة الاستعمارية، ويلتقي مسلمين من دول وأقاليم مختلفة، ثم يعود محملا بتجارب وأفكار وعلاقات جديدة.
في هذا السياق، ارتبط إرسال طبيب أو عالم بكتيريا إلى الحجاز بمصالح صحية وسياسية متشابكة.
ففي 20 أبريل/نيسان 1927، تقدم يوسف ياسين، أحد مستشاري الحكومة السعودية، بطلب إلى القنصلية الهولندية لاستقدام عالم بكتيريا يمتلك خبرة علمية معترفا بها للعمل ضمن دائرة الصحة العامة في الحجاز.
شملت المهام المطلوبة إعداد الأمصال واللقاحات، وفي مقدمتها لقاح الجدري، وفحص المياه والعينات والمواد الحيوية، إضافة إلى الالتزام بلوائح الصحة العامة وتدريب مساعدين محليين لضمان استمرار العمل ونقل الخبرة.
وحدد للمنصب راتب شهري قدره 60 جنيها إسترلينيا، على أن تكون مدة التعاقد الأولية عاما واحدا.
تزامن ذلك مع ارتفاع أعداد الحجاج القادمين من جزر الهند الشرقية الهولندية، ومع نمو الجالية الجاوية المقيمة في مكة. ولذلك دعا القنصل الهولندي في جدة، فان دير مولن، إلى إرسال متخصص في علم البكتيريا للمساهمة في الرقابة الصحية خلال موسم الحج.
وكان القنصل يرى أن المشروع لا يحمي الحجاج الهولنديين والإندونيسيين فقط، بل قد يعزز أيضا مكانة هولندا في العالم الإسلامي، ويوفر لها معرفة أكثر دقة بالأوضاع الصحية والاجتماعية في الحجاز.
وقع الاختيار على فان دير هوخ، مستفيدا من خبرته في الطب الاستوائي والبكتيريا والعمل في البيئة الاستعمارية الآسيوية.
جدة.. المدينة التي اختبرت الطبيب
وصل فان دير هوخ إلى جدة في أواخر عشرينيات القرن العشرين، فوجد نفسه أمام واحدة من أكثر البيئات الطبية تعقيدا في مسيرته.
كانت جدة البوابة البحرية الرئيسية إلى مكة، وتستقبل خلال موسم الحج أعدادا كبيرة من القادمين من آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط. وكانت حركة السفن والحجاج، إلى جانب محدودية البنية الصحية ونقص المياه النظيفة والازدحام، توفر ظروفا ملائمة لانتشار الأمراض المعدية.
في ملاحظاته، وصف فان دير هوخ شوارع مزدحمة وظروفا صحية متردية ومستشفيات تفتقر أحيانا إلى الأدوات الأساسية. وكانت بعض الإجراءات الطبية تجرى وسط إمكانات محدودة، في وقت يواجه فيه الأطباء أمراضا وأوبئة قد تنتشر بسرعة بين تجمعات بشرية ضخمة.
بالنسبة إلى الطبيب الهولندي، كانت جدة مختبرا مفتوحا لدراسة العلاقة بين المرض والهجرة الدينية والازدحام ونوعية المياه ووسائل الوقاية.
لكنه اكتشف تدريجيا أن الحج لا يمكن فهمه من خلال الأرقام والعينات البكتيرية وحدها. فقد كان يشاهد أشخاصا قدموا من بلاد بعيدة، وأنفق بعضهم مدخرات حياته أو باع ممتلكاته من أجل الوصول إلى مكة.
ورأى حجاجا يتحملون الجوع والمرض ومشقة السفر، ويتمسكون بإكمال رحلتهم حتى في ظروف قد تهدد حياتهم. وكان على عقله الطبي أن يحذر من المخاطر، بينما كانت تجربته الإنسانية تدفعه إلى التساؤل عن القوة الروحية التي تجعل هؤلاء الناس مستعدين لتحمل كل ذلك.
عند هذه النقطة، بدأت جدة تتحول في وعيه من موقع عمل إلى بوابة دينية وفكرية.
إسلام يثير الشكوك
أعلن فان دير هوخ إسلامه خلال وجوده في جدة، واختار لنفسه اسم محمد عبد العلي.
كان قرارا شخصيا، لكنه لم يعامل داخل الدوائر الأوروبية باعتباره شأنا خاصا. فقد أثار الشكوك والتأويلات، خصوصا أن اعتناق موظف أوروبي يعمل في منطقة شديدة الحساسية السياسية والدينية لم يكن أمرا مألوفا.
شكك القنصل الهولندي فان دير مولن في دوافعه، وطرح احتمال أن يكون تحوله وسيلة تتيح له دخول مكة والوصول إلى مصادر ومواقع لم تكن متاحة لغير المسلمين، ومن بينها دراسة ماء زمزم عن قرب.
وتبنت بعض الصحف الاستعمارية تصورات مشابهة، فرأت في إسلامه خطوة انتهازية أو علمية أكثر منها تحولا إيمانيا صادقا.
كان الشك جزءا من نظرة أوروبية أوسع يصعب عليها أحيانا تصور انتقال أحد أبنائها إلى الإسلام بدافع روحي خالص. فالمسلم الأوروبي كان يوضع غالبا أمام تفسيرين متناقضين: إما أنه مخدوع بعاطفة شرقية، أو أنه يستخدم الإسلام لتحقيق غرض سياسي أو علمي.
أما فان دير هوخ، فأكد أنه لم يكن قبل إسلامه مسيحيا متدينا بالمعنى التقليدي، وأنه يريد أن يصبح مسلما صادقا. غير أن صدق هذا التحول ظل موضع نقاش في الأوساط التي أحاطت به.
ولا تتوافر وسيلة حاسمة تسمح بالحكم على باطن تجربته. إلا أن مسار حياته اللاحق، ودراسته للعربية، وتعلمه الصلاة، وسعيه إلى العودة إلى مكة حاجا، تشير إلى أن الإسلام لم يكن بالنسبة إليه مجرد تصريح إداري مؤقت.
العودة إلى لايدن
بعد أشهر من العمل في جدة، عاد فان دير هوخ إلى هولندا، حيث استأنف حياته المهنية وافتتح عيادة طبية في لايدن.
لكن عودته الجغرافية إلى أوروبا لم تعن انتهاء علاقته بالحجاز. ظلت مكة حاضرة في ذاكرته، وظلت صور الحجاج الذين التقاهم في جدة تلاحقه.
كان يفكر خصوصا في أولئك الذين مرضوا أو ماتوا خلال الرحلة، بعد أن قطعوا آلاف الكيلومترات وأنفقوا أموالهم طلبا لأداء الفريضة. وبالنسبة إليه، لم تعد معاناتهم مجرد قضية تتعلق بسوء الخدمات الصحية، بل أصبحت جزءا من سؤال أكبر حول الإيمان والتضحية والموت والخلاص.
في لايدن، بدأ دراسة اللغة العربية بمساعدة طلاب مسلمين من إندونيسيا. وتعلم أداء الصلاة وحفظ أجزاء من القرآن، محاولا الانتقال من المعرفة النظرية بالإسلام إلى ممارسة دينية يومية.
كان في وضع غير مألوف: طبيب أوروبي عاش داخل المؤسسة الاستعمارية، ثم أصبح يتعلم دين الشعوب التي خضعت للاستعمار الهولندي على أيدي طلاب قادمين من تلك المستعمرات نفسها.
ويكشف هذا المشهد عن مفارقة تاريخية عميقة. فالعلاقة التي بدأت من موقع القوة الاستعمارية تحولت إلى علاقة تعلم روحي وثقافي، أصبح فيها الأوروبي متلقيا للمعرفة من المسلمين الإندونيسيين.
مع مرور الوقت، ازداد شعوره بأن إسلامه لن يكتمل من دون الحج. كتب إلى السلطات السعودية طالبا السماح له بالدخول إلى مكة وأداء الفريضة، فجاءه الرد بالموافقة والترحيب.
وبعد سنوات من الانتظار والتحضير، بدأ رحلته إلى الحجاز عام 1935.
من مراقب للحجاج إلى واحد منهم
عندما وصل فان دير هوخ إلى مكة عام 1935، لم يعد الخبير الأوروبي الذي يراقب الحجاج من خارج شعائرهم، بل أصبح واحدا منهم.
انتقل من موقع الطبيب الذي يفحص الأجساد ويحلل المياه والعينات إلى موقع المسلم الذي يطوف بالكعبة ويقف في عرفات ويشارك الآخرين الإحرام والدعاء والانتظار.
كانت الرحلة تحولا في زاوية الرؤية. ففي زيارته الأولى، رأى الحج بوصفه حدثا صحيا معقدا يهدد بانتشار الأوبئة. وفي زيارته الثانية، أصبح الحج تجربة يعيشها بجسده ووجدانه، من دون أن يتخلى عن وعيه العلمي أو ملاحظاته النقدية.
وصل إلى الحجاز عبر البحر وسط جماعات من الحجاج القادمين من مناطق متعددة، من بينها بخارى وفلسطين ومصر. وفي هذا التنوع البشري، وجد تجسيدا لفكرة عالمية الإسلام؛ فالمسلمون الذين فرقتهم اللغات والأعراق والطبقات اجتمعوا لأداء الشعائر نفسها.
أثناء الطواف، واجه الكعبة لا باعتبارها موضوعا للدراسة أو رمزا في كتاب استشراقي، بل بوصفها قبلة دينية يقف أمامها مؤمنا.
أما الوقوف في عرفات، فكان بالنسبة إليه ذروة التجربة. كتب عن إحساسه بوحدة البشر وتراجع الفوارق بين الغني والفقير، والأوروبي والآسيوي، أمام مشهد يتساوى فيه الحجاج في لباسهم وشعائرهم ووجهتهم.
في تلك اللحظة، بدا له أن الحج يقدم صورة عملية لمجتمع إنساني يتجاوز الانقسامات القومية والاجتماعية، ولو بصورة مؤقتة.
عين الطبيب لا تغيب
مع ذلك، لم تتحول رحلته إلى وصف رومانسي خالص للحج ومكة. فقد ظلت عين الطبيب حاضرة، تراقب الازدحام والتلوث ونقص المياه النظيفة وضعف الخدمات الصحية.
أدرك فان دير هوخ أن القوة الروحية للشعائر لا تلغي المخاطر المادية التي يواجهها الحجاج. بل ربما جعلته مشاركته الدينية أكثر إدراكا لحجم المسؤولية الصحية؛ لأن المرض لم يعد يصيب مجموعة بشرية يدرسها من الخارج، وإنما جماعة يشعر بأنه أصبح جزءا منها.
كان يرى أن إصرار الحجاج على أداء المناسك رغم المرض والمشقة دليل على قوة الإيمان، لكنه كان يدرك أيضا أن الإيمان لا ينبغي أن يستخدم مبررا لإهمال الوقاية أو القبول بظروف يمكن تحسينها.
ومن هنا ظهر التوتر المركزي في تجربته: كيف يمكن احترام المعنى الديني للحج، وفي الوقت نفسه إخضاع ظروفه المادية للنقد العلمي والإصلاح الصحي؟
لم يكن هذا السؤال خاصا به وحده. فقد واجهت السلطات الصحية في دول إسلامية وأوروبية الإشكالية ذاتها: حماية الحجاج من الأوبئة من دون تحويل الإجراءات الطبية إلى أدوات للسيطرة على حركتهم أو التدخل في شعائرهم.
إلا أن فان دير هوخ عاش هذه المعضلة داخل ذاته. فقد كان الطبيب والمسلم، والناقد والمشارك، والأوروبي الذي يحمل معه تقاليد العلم الحديث، والمؤمن الذي يحاول فهم تجربة لا يمكن اختزالها في الحسابات الطبية.
مكة بين المختبر والمحراب
تكشف كتاباته عن مكة والحج محاولة مستمرة للموازنة بين التفسير العلمي والتجربة الروحية. فقد اهتم بمياه مكة والأوضاع الصحية والأمراض المحتملة، لكنه كتب أيضا عن الشعور بالمساواة ووحدة المؤمنين والبحث عن الحقيقة الإيمانية.
لم يتخل عن أدواته العقلية بعد إسلامه، ولم يقبل بأن تكون التجربة الدينية نقيضا للعلم. لكنه في الوقت نفسه لم يعد مقتنعا بأن العلم وحده قادر على تفسير كل ما يفعله الإنسان أو يشعر به.
بالنسبة إلى الطبيب، يمكن للمختبر أن يكشف وجود البكتيريا في الماء، لكنه لا يستطيع وحده تفسير سبب استعداد إنسان فقير لبيع ممتلكاته والسفر أشهرا من أجل الوقوف في عرفات.
ويمكن للطب أن يحدد أثر الازدحام في انتشار العدوى، لكنه لا يقيس الشعور الذي ينتاب الحاج عندما يرى الكعبة للمرة الأولى.
في هذه المسافة بين ما يمكن قياسه وما يمكن عيشه، تشكلت تجربة محمد عبد العلي.
هوية لم تستقر في قالب واحد
لا يمكن اختزال فان دير هوخ في صورة «الطبيب الأوروبي الذي أصبح مسلما»، لأن تجربته ظلت أكثر تعقيدا من هذا التحول المباشر.
لم يتخل تماما عن هويته الأوروبية أو تكوينه العلمي، ولم يذب بصورة كاملة في نموذج ديني تقليدي. بل عاش بين انتماءات متعددة، تتجاور أحيانا وتتصادم أحيانا أخرى.
انتقد جوانب من الحضارة الأوروبية الحديثة، ولا سيما التصنيع المفرط والنزعة المادية، لكنه لم يرفض منجزات العلم أو الطب. واعتنق الإسلام، لكنه واصل النظر إلى بعض الشعائر والعادات من زوايا طبية وتاريخية ونقدية.
كان يؤمن، على ما يبدو، بأن الانتماء إلى الإسلام لا يستلزم تعطيل العقل، كما أن الانتماء إلى أوروبا لا يعني القبول بكل ما أنتجته الحداثة الغربية.
وهذه التركيبة هي ما جعلت سيرته عصية على التصنيف. فمن منظور بعض الأوروبيين، كان إسلامه موضع ريبة. ومن منظور ديني تقليدي، قد تبدو بعض تفسيراته الطبية والعقلانية للشعائر غير مألوفة. أما هو، فظل يحاول بناء مساحة تجمع العالمين من دون أن يتخلى كليا عن أحدهما.
ما وراء قصة اعتناق فردية
تكتسب سيرة فان دير هوخ أهميتها لأنها تتجاوز حدود التجربة الشخصية، وتفتح نافذة على العلاقة المعقدة بين أوروبا والعالم الإسلامي خلال مرحلة الاستعمار.
فقد استخدمت القوى الأوروبية الطب والبحث العلمي لمراقبة حركة الحجاج وحماية مصالحها الاستعمارية، لكنها أرسلت في الوقت نفسه أفرادا دخلوا في احتكاك عميق بالمجتمعات الإسلامية، وخرج بعضهم من التجربة بأفكار وهويات لم تتوقعها مؤسساتهم.
كان يفترض بالطبيب الهولندي أن يدرس الحجاز ويقدم التقارير عن أمراضه ومياهه وحجاجه. لكن الحجاز نفسه تحول إلى قوة أعادت تشكيل الطبيب.
وبدلا من أن تبقى مكة موضوعا للفحص من الخارج، أصبحت وجهة روحية عاد إليها بإرادته. وبدلا من أن يكون الإسلام مجرد دين سكان المستعمرات الهولندية، أصبح عقيدته الشخصية.
ومع ذلك، لا ينبغي تقديم القصة باعتبارها تحررا كاملا من السياق الاستعماري. فقد ظل فان دير هوخ ابن عصره وثقافته وتكوينه الأوروبي، كما ظلت مهمته الأولى في الحجاز مرتبطة بحسابات النفوذ والمراقبة والسياسة الصحية.
تكمن قيمة سيرته في هذا التعقيد تحديدا؛ فهي لا تقدم انتقالا بسيطا من الغرب إلى الشرق، ولا من العلم إلى الدين، بل تكشف كيف يمكن للإنسان أن يحمل تناقضات عصره داخله، وأن يعيد ترتيبها من خلال التجربة.
رجل بين عالمين
توفي فان دير هوخ عام 1957، بعد حياة تنقل فيها بين أوروبا وآسيا والحجاز، وبين المستشفى والمختبر والمسجد.
ترك وراءه سيرة تطرح أسئلة لا تزال حاضرة: هل يستطيع الإنسان أن ينتمي إلى أكثر من عالم في وقت واحد؟ وهل يمثل تعدد الهوية اضطرابا ينبغي حسمه، أم أنه تعبير طبيعي عن حياة تشكلت عبر السفر والمعرفة والاحتكاك بثقافات مختلفة؟
لم يكن محمد عبد العلي أول أوروبي يعتنق الإسلام، ولم يكن آخر طبيب يكتشف أن الإنسان أكثر تعقيدا من جسده. لكن خصوصية تجربته تكمن في أن الحج جمع لديه كل الخيوط التي صنعت حياته: الطب، والاستعمار، والعلم، والإيمان، والبحث عن المساواة والمعنى.
وصل إلى جدة مكلفا بمكافحة البكتيريا ومراقبة الأخطار الصحية. وعاد إلى مكة بعد سنوات لا ليجري فحصا أو يكتب تقريرا، بل ليطوف مع المسلمين ويقف بينهم في عرفات.
وبين الزيارتين، لم تتغير ديانته فقط؛ تغير موقعه من العالم الذي كان يدرسه.
لقد بدأ رحلته مراقبا للحج، وانتهى به الأمر حاجا.




