لم يكن محمد سعد يبحث بين أنقاض منزله المدمر في مدينة بيت لاهيا، شمالي قطاع غزة، عن قطع أثاث صالحة للاستخدام، أو أموال ومقتنيات ثمينة نجت من القصف. كان يبحث عن كتبه.
بيدين عاريتين، وبين كتل الإسمنت المتصدعة وقضبان الحديد الملتوية، أخذ الرجل البالغ من العمر 59 عاماً يزيح الركام قطعة تلو الأخرى، محاولاً الوصول إلى مخزون ضخم من الكتب أمضى أكثر من نصف حياته في جمعه والاتجار به.
كان كل كتاب ينتشله من تحت الأنقاض يبدو له كأنه ناجٍ جديد من الحرب. انتصار صغير، لكنه بالغ الدلالة، في مواجهة حرب لم تكتفِ بهدم المنازل والمنشآت، بل امتدت آثارها إلى المكتبات والمراكز الثقافية ومستودعات الكتب، مهددةً ذاكرة مجتمع كامل.
قبل الحرب، كانت مكتبة سعد تضم نحو مئة ألف كتاب في مجالات الأدب والتاريخ والدين والعلوم والفكر والسياسة. أما اليوم، فقد تحولت تلك المكتبة إلى كتب متناثرة بين خيمة متواضعة ورصيف مكشوف في مدينة دير البلح، وسط قطاع غزة.
ورغم أن المشهد يبدو أقرب إلى بقايا مشروع ثقافي منكوب، فإن سعد يصر على تسميته مكتبة.
ثلاثة أيام بين الأنقاض
استغرقت عملية انتشال الكتب ثلاثة أيام متواصلة. لم تكن لدى سعد معدات حفر أو أدوات حماية، ولم يرافقه فريق إنقاذ. كان يعمل وحده في منطقة تعرضت لدمار واسع، ويتحرك وسط مبنى من أربع طبقات كان منزله ومستودع كتبه قبل أن يتحول إلى ركام.
المخاطرة لم تكن محدودة بانهيار أجزاء من المبنى، بل شملت أيضاً ظروف الحرب المستمرة، وصعوبة الوصول إلى المناطق المدمرة، وغياب أي ضمانات للسلامة.
ومع ذلك، لم يتردد سعد حين أتيحت له فرصة العودة إلى بيت لاهيا.
يقول إن الكتب المدفونة كانت تبدو له وكأنها تناديه. لم يكن قادراً على تقبل فكرة بقائها تحت الركام، حتى لو كانت مبللة أو ممزقة أو مغطاة بالغبار.
تمكن خلال العملية من إنقاذ مئات الكتب فقط، وهي نسبة محدودة مقارنة بالمجموعة التي راكمها خلال 35 عاماً من العمل في تجارة الكتب. لكن بالنسبة إليه، لم تكن قيمة ما أنقذه تقاس بعدد المجلدات، بل بما تمثله من ذاكرة شخصية ومجتمعية.
لقد فقد الرجل منزله ومستودعه ومصدر رزقه، كما فقد نجله عاهد خلال الحرب، لكنه ظل يرى في إنقاذ الكتب مهمة لا تقل أهمية عن إنقاذ أي جزء آخر من حياته السابقة.
نزوح يتكرر والمكتبة ترافق صاحبها
منذ اندلاع الحرب، تنقل سعد مع أسرته بين مناطق مختلفة من قطاع غزة، وخاض تجربة النزوح نحو 15 مرة. في كل مرة كان يحاول تأمين مكان آمن لأسرته، بينما يلازمه القلق بشأن الكتب التي تركها في الشمال.
وعندما استقر به النزوح مؤقتاً في دير البلح، لم يجد مبنى يعيد فيه افتتاح مكتبته، ولا مستودعاً آمناً يحفظ ما أنقذه. لم يكن أمامه سوى خيمة صغيرة قرب مكان إقامته، ورصيف في شارع تمر فيه العربات والمشاة.
داخل الخيمة، رصّ الكتب فوق بعضها مباشرة على الأرض. أما الكتب التي لم تتسع لها المساحة، فوضعها على الرصيف المقابل، معرضةً للغبار والرطوبة وتقلبات الطقس.
كل صباح، يبدأ سعد يومه بإزالة الأتربة المتراكمة عن الأغلفة والصفحات. إلا أن الغبار سرعان ما يعود، في ظل الطرق المدمرة وحركة المركبات والازدحام المحيط بمخيمات النازحين.
لا رفوف خشبية، ولا خزائن مغلقة، ولا مواد تغليف مناسبة. فالأخشاب، وفقاً لسعد، إما غير متوفرة أو مرتفعة الثمن، بينما تستهلك الاحتياجات اليومية الأساسية ما تبقى لدى الأسر النازحة من موارد محدودة.
وهكذا تحولت عملية حماية الكتب من القصف إلى معركة أخرى ضد التراب والمطر والرطوبة وضيق المكان.
استهداف الحجر والذاكرة
تكشف قصة سعد جانباً أقل ظهوراً من آثار الحرب على قطاع غزة: الخسارة الثقافية والمعرفية.
فإلى جانب الدمار الواسع الذي لحق بالمنازل والبنية التحتية، تعرضت مكتبات عامة وخاصة ومراكز ثقافية ومؤسسات تعليمية لأضرار كلية أو جزئية. ولا تتوقف خطورة هذه الخسائر عند حدود المباني، إذ تضم المكتبات عادة أرشيفات ومجموعات نادرة وكتباً قد يصعب تعويضها أو إعادة جمعها.
بالنسبة إلى سعد وزوار مكتبته، لا يبدو تدمير المكتبات نتيجة جانبية للحرب فقط، بل جزءاً من عملية أوسع تمس ذاكرة الفلسطينيين وقدرتهم على حفظ روايتهم وتاريخهم.
يمسك سعد بكتاب يحمل عنوان «فلسطين.. القضية الكونية»، ويتأمل صفحاته التي نجت من الركام، ثم يقول إن تدمير المباني لا يعني القدرة على تدمير العقول.
في نظره، يمثل الكتاب وسيلة للصمود، ليس بالمعنى الرمزي فحسب، بل بوصفه أداة لحماية الوعي من التفكك في مجتمع يعيش أفراده يومياً تحت ضغط الفقد والنزوح والجوع والخوف.
هذه القناعة هي ما يدفعه إلى الاستمرار في عرض الكتب رغم غياب المكان الملائم، ورغم أن بيعه اليوم لا يشبه تجارة الكتب التي عرفها طوال عقود.
تجارة بأسعار رمزية
يعرض سعد كتبه بأسعار منخفضة تراعي الانهيار الاقتصادي الذي أصاب سكان القطاع، بعد أن فقد كثيرون وظائفهم ومصادر دخلهم.
ويقول إن هدفه الأساسي لم يعد تحقيق الربح، بل تأمين الحد الأدنى من احتياجات أسرته، وفي الوقت ذاته إبقاء الكتب في متناول القراء.
في بعض الحالات، يمنح الكتب مجاناً لمن لا يستطيع دفع ثمنها.
تبدو المفارقة قاسية: رجل فقد منزله وابنه ومعظم تجارته، لكنه لا يزال يحاول توفير الكتب للآخرين بأسعار زهيدة. إلا أن سعد لا يرى في ذلك تناقضاً، فهو يعتقد أن المعرفة لا تصبح ترفاً في أوقات الحرب، بل ضرورة لحماية الإنسان من الانهيار الداخلي.
وقد يبدو الحديث عن القراءة والوعي بعيداً عن الأولويات في منطقة يبحث سكانها عن الطعام والماء والمأوى، لكن سعد يرفض الفصل بين الحاجات المادية والحاجات الفكرية.
بالنسبة إليه، يحتاج الإنسان إلى الخبز كي يبقى حياً، ويحتاج إلى المعرفة كي يعرف لماذا يتمسك بالحياة.
شباب يبحثون عن فلسطين في الكتب
بين زوار المكتبة، يبرز همام الطلاع، شاب في الثامنة عشرة من عمره، نزح مع أسرته من مخيم المغازي إلى دير البلح، وفقد والدته خلال الحرب.
كان الطلاع يتنقل بين الكتب الموضوعة داخل الخيمة وعلى الرصيف، ويقلب الصفحات باحثاً بصورة خاصة عن عناوين تتناول تاريخ فلسطين وجغرافيتها وسير أعلامها وشهدائها.
اختار ثلاثة كتب، بلغ ثمن الواحد منها خمسة شواكل، أي ما يعادل نحو 1.7 دولار.
الكتاب الأول كان «لكي لا ننسى فلسطين» للدكتور خليل إبراهيم حسونة، وهو كتاب يوثق القرى الفلسطينية التي دمرت عام 1948، ويعرض جوانب من الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية في فلسطين قبل النكبة، إضافة إلى أسماء مئات الشهداء الذين سقطوا دفاعاً عن قراهم.
أما الكتاب الثاني، فهو «أراضي فلسطين بين مزاعم الصهيونية وحقائق التاريخ» للدكتورة هند أمين البديري، ويتناول الأدلة التاريخية والقانونية المتعلقة بملكية الأرض الفلسطينية، ويفند الروايات الصهيونية بشأنها.
واختار أيضاً كتاب «أرض العروبة: رؤية حضارية في المكان والزمان» للدكتور سليمان حزين، وهو دراسة تربط الجغرافيا بالتاريخ وتبحث في تشكل الهوية العربية عبر الأزمنة المختلفة.
لم يكن اختيار الطلاع عشوائياً. يقول إن الأرض تقع في قلب الصراع، وإن الدفاع عنها يحتاج إلى فهم التاريخ والهوية والرواية.
ويرى أن تدمير المكتبات والمراكز الثقافية يهدد وعي جيل الشباب، لكنه يؤكد في المقابل أن إنشاء مكتبة داخل خيمة يمثل رسالة بأن الثقافة يمكنها أن تستمر حتى في أكثر الظروف قسوة.
هل تكفي المبادرات الفردية؟
تكشف تجربة سعد قدرة الأفراد على مقاومة محو الذاكرة، لكنها تطرح في الوقت نفسه سؤالاً أكثر صعوبة: هل يمكن حماية الإرث الثقافي في غزة بالجهود الفردية وحدها؟
فالرجل الذي أنقذ مئات الكتب لا يملك اليوم خزائن لحفظها، ولا مساحة آمنة لعرضها، ولا تمويلاً لترميم التالف منها. وقد تتعرض الكتب التي نجت من القصف للتلف التدريجي بفعل الرطوبة والغبار وسوء التخزين.
إن تحويل قصة سعد إلى رمز للصمود لا ينبغي أن يحجب هشاشة وضعه. فالإشادة بإصراره لا تعوضه عن مستودع مناسب، ولا توفر له مواد الحفظ، ولا تعيد بناء مكتبته التي استغرق تأسيسها عقوداً.
تحتاج حماية الكتب المتبقية إلى تدخل من مؤسسات ثقافية ومكتبات وجامعات وجهات متخصصة في ترميم الوثائق والمخطوطات. كما تحتاج إلى عمليات حصر وتوثيق للخسائر الثقافية، حتى لا تختفي آلاف الكتب والمجموعات الخاصة من السجل العام بلا أثر.
وفي ظل استمرار الحرب والقيود المفروضة على دخول المواد والمعدات، تبدو هذه المهمة شديدة التعقيد. ومع ذلك، فإن كل تأخير قد يعني فقدان مزيد من الكتب التي نجت من القصف، لكنها لا تزال مهددة بعوامل التلف والإهمال القسري.
مكتبة بلا جدران
عند الرصيف المقابل لخيمته، يجلس سعد بين كتبه كما كان يفعل في مكتبته القديمة، وإن اختلف كل شيء من حوله.
لا جدران تحمي المكان، ولا لافتة كبيرة تحمل اسم المكتبة، ولا أرفف مرتبة تفصل بين الأدب والتاريخ والعلوم. ومع ذلك، يتوقف بعض المارة، ويتصفح شبان الكتب، ويسأل آخرون عن عناوين محددة.
في هذا المشهد، لا تبدو المكتبة مجرد مكان لبيع الكتب، بل مساحة صغيرة لاستعادة شيء من الحياة الطبيعية في واقع استثنائي.
الكتب التي خرجت من تحت الركام تحمل آثار الحرب على أغلفتها وصفحاتها، لكنها لا تزال قابلة للقراءة. وربما لهذا السبب يتمسك بها سعد أكثر من أي وقت مضى.
إنها بالنسبة إليه ما تبقى من حياته السابقة، ومصدر دخل محدود، ورسالة ثقافية، وشهادة على ما تعرضت له غزة.
وبينما تستمر الحرب في إنتاج مزيد من الأنقاض، يحاول محمد سعد أن يثبت أن الركام لا يمثل دائماً نهاية الأشياء.
فأحياناً، قد تخرج من تحته مكتبة.




