ليست كل الحروب تنتهي حين يصمت الرصاص. بعضها يبقى عالقًا في جدران البيوت، وفي الأشجار التي أحرقتها النيران، وفي سريرٍ لم يعد ينتظر صاحبه، وفي نافذةٍ ما زالت تحدق في سماءٍ فقدت زرقتها. هناك، حيث تعجز اللغة أحيانًا عن استيعاب حجم الفقد، يتقدم الفن ليحمل ما تبقى من الذاكرة، ويمنح الألم شكلًا يمكن تأمله بدل أن يبتلعنا.

من هذا الإدراك العميق انطلقت الفنانة التشكيلية زينب حمود في مشروعها الفني «جراح الأشياء»، الذي قدمته لنيل درجة الماجستير في كلية الفنون الجميلة والعمارة في الجامعة اللبنانية. لم يكن المشروع مجرد تجربة أكاديمية، بل بدا وكأنه وثيقة بصرية تروي ما تتركه الحرب من ندوب لا تُرى بالعين المجردة، لكنها تسكن تفاصيل الحياة اليومية.

في أعمالها، لا تبحث حمود عن تصوير الدمار بوصفه مشهدًا صاخبًا، ولا تمنح الطائرات الحربية بطولةً تستحقها. إنها تُقصي آلة الحرب إلى هامش اللوحة، لتعيد الضوء إلى الإنسان وإلى الأشياء التي كانت تشاركه تفاصيل حياته. فالبيت ليس جدرانًا فحسب، والسرير ليس قطعة أثاث، والشجرة ليست مجرد عنصر من عناصر الطبيعة؛ كلها كائنات تحمل ذاكرة أصحابها، وتحتفظ بصدى الضحكات والانتظار والأحلام المؤجلة.
هنا تكمن فرادة التجربة. فالفنانة لا ترسم الحرب، بل ترسم ما تتركه الحرب خلفها. ترسم الصمت الذي يعقب الانفجار، والفراغ الذي يسكن المكان بعد رحيل أصحابه، والندوب التي تبقى شاهدة على أن الحياة كانت هنا ذات يوم. إنها تنقل الأشياء من حالة الجمود إلى فضاء الشهادة، فتغدو اللوحة سجلًا إنسانيًا لا يقل أهمية عن أي وثيقة تاريخية.
في لوحة «ظل ثقيل»، يتجسد التناقض المؤلم بين هدوء قرى الجنوب اللبناني، بما تحمله من بساطة وطمأنينة، وبين حضور الطائرة الحربية التي تفرض على السماء ثقلًا لا يشبهها. ومع ذلك، لا تستسلم اللوحة لفكرة الهزيمة؛ فالقرى تبقى أكثر رسوخًا من الحرب، والبيوت، حتى وهي مثقلة بالجراح، تظل تحفظ ذاكرة أهلها، كأن المكان يرفض أن يتخلى عن انتمائه مهما اشتد الخراب.
أما «حلم معلّق»، فتقترب من أكثر المساحات خصوصية في حياة الإنسان. السرير، الذي ارتبط عبر التاريخ بالراحة والأمان، يتحول إلى شاهد على اقتحام الخوف لأدق تفاصيل الحياة. لم تعد الحرب خارج النوافذ، بل أصبحت داخل الغرفة، حيث كان الإنسان يظن أنه في مأمن من العالم.
وفي «طبيعة صامتة»، تلتقط حمود لحظة مقاومة مختلفة. الأشجار لا تصرخ، لكنها لا تنكسر. السماء المثقلة بدخان الطائرات لا تستطيع أن تنتزع من الأرض حقيقتها، ولا من الطبيعة قدرتها على الاستمرار. وكأن الفنانة تقول إن الحياة، رغم كل ما يحيط بها من عنف، تمتلك غريزة البقاء التي لا تهزمها الحروب.
لغة زينب حمود التشكيلية قائمة على التعبير والرمزية أكثر من اعتمادها على السرد المباشر. الخطوط الحادة ليست مجرد اختيار جمالي، بل انعكاس لحدة التجربة، فيما تأتي الألوان نابضة بالحياة لتعلن أن الضوء لا يغيب بالكامل، وأن الفن، حتى حين يتناول أكثر الموضوعات قسوة، يستطيع أن يفتح نافذة للأمل.
ما يميز «جراح الأشياء» أنه لا يكتفي بتوثيق الحرب، بل يعيد تعريف مفهوم الضحية. فالضحية ليست الإنسان وحده، بل المكان، والطبيعة، والبيت، وكل ما يحمل أثرًا من حياة كانت تنبض هنا. بذلك يتحول المشروع إلى دعوة للتأمل في علاقتنا بما يحيط بنا، وفي قدرة الأشياء على حمل ذاكرتنا حين نعجز نحن عن الكلام.
إن تجربة زينب حمود تؤكد أن الفن الحقيقي لا يقف عند حدود الجمال البصري، بل يلامس جوهر الإنسان. فحين يصبح اللون شاهدًا، والخط ذاكرة، واللوحة وثيقة، يتحول العمل الفني إلى فعل مقاومة ثقافية يحفظ الرواية الإنسانية من النسيان، ويمنح الأجيال القادمة فرصة لرؤية الحرب بعيون من عاشها، لا بعيون من كتب عنها.
وفي زمن تتزاحم فيه صور الدمار على الشاشات حتى تكاد تفقد أثرها، تأتي «جراح الأشياء» لتعيد إلينا حساسية النظر، ولتذكرنا بأن أكثر ما تؤذيه الحرب ليس الحجر وحده، بل المعنى الكامن في الحجر، والحياة التي كانت تنبض حوله. وهنا تكمن قيمة هذا المشروع؛ فهو لا يرثي الخراب، بل ينتصر لذاكرة الإنسان، ويؤكد أن الفن، مهما اشتدت العتمة، يظل قادرًا على حمل الضوء.



