رغم مرور أكثر من ستة عقود على وفاة نجمة هوليوود الأشهر مارلين مونرو، لا تزال قضيتها واحدة من أكثر الملفات إثارة للجدل في التاريخ الأمريكي الحديث. فالنجمة التي تحولت إلى رمز عالمي للجمال والشهرة رحلت في ظروف غامضة عام 1962، تاركة خلفها أسئلة لم تجد إجابات حاسمة حتى اليوم.
لكن القضية عادت مجدداً إلى دائرة الضوء بعد ظهور وثائق ومعلومات جديدة دفعت الباحثين إلى إعادة النظر في الرواية الرسمية التي سادت لعقود، وفتحت الباب أمام احتمال مختلف تماماً لما حدث في الليلة الأخيرة من حياة مارلين مونرو.
وثيقة قد تغيّر مسار القضية
في تطور لافت، أعلن كاتب السير الذاتية والباحث البريطاني أندرو ويلسون اكتشاف وصفة طبية أصلية تعود إلى الطبيب الشخصي لمارلين مونرو، الدكتور هيمان إنغلبرغ، قبل شهرين فقط من وفاتها.
تكمن أهمية هذه الوثيقة في أنها تتضمن وصف عقار “الكلورال هيدرات”، وهو مهدئ قوي ورد اسمه لاحقاً في تقرير الطب الشرعي باعتباره أحد العقارين اللذين تسببا بوفاة النجمة الأمريكية نتيجة جرعة زائدة.
المثير للجدل أن الطبيب نفسه كان قد نفى خلال التحقيقات الرسمية وصف هذا الدواء لمونرو، مؤكداً أنه وصف لها فقط عقار “النمبوتال”. ويطرح هذا التناقض تساؤلات جدية حول دقة الشهادات المقدمة للسلطات آنذاك، وما إذا كانت هناك معلومات تم إخفاؤها عمداً عن المحققين.
إهمال طبي أم مؤامرة؟
منذ الإعلان عن وفاة مونرو في الخامس من آب عام 1962، انقسم الباحثون بين اتجاهين رئيسيين.
الاتجاه الأول يرى أن الوفاة كانت نتيجة انتحار متعمد بسبب معاناة نفسية واكتئاب حاد.
أما الاتجاه الثاني، فقد تبنى نظريات مؤامرة تربط موتها بشخصيات سياسية وأمنية نافذة، وعلى رأسها الرئيس الأمريكي الراحل جون كينيدي وشقيقه روبرت كينيدي.
غير أن الأدلة الجديدة التي كشفها ويلسون تقترح سيناريو ثالثاً أكثر واقعية وأقل إثارة، لكنه لا يقل خطورة: الإهمال الطبي الجسيم.
فبحسب مراجعة السجلات الطبية، حصلت مونرو خلال الشهرين الأخيرين من حياتها على ما يقارب 830 جرعة دوائية متنوعة، وهو رقم يصفه خبراء الطب الحديث بأنه مفرط إلى حد خطير، خاصة لشخص يعاني اضطرابات نفسية ويعتمد على المهدئات والمنومات بشكل مستمر.
ويشير ويلسون إلى أن مثل هذه الممارسات الطبية لو حدثت في الوقت الحالي، لربما فتحت تحقيقات جنائية واسعة قد تصل إلى اتهامات بالقتل الخطأ أو الإهمال الطبي الجسيم.
الأشهر الأخيرة: حياة تتداعى خلف الأضواء
وراء صورة النجمة المتألقة التي عرفها الجمهور، كانت مارلين مونرو تعيش مرحلة شديدة الاضطراب.
تشير الوثائق والشهادات إلى أنها كانت تواجه أزمات متلاحقة، شملت تراجعاً في وضعها المهني، ومشكلات عاطفية معقدة، وصعوبات نفسية متزايدة.
كما تعرضت لاستبعاد من بعض المشاريع الفنية التي كانت تعول عليها للعودة بقوة إلى الساحة السينمائية، الأمر الذي فاقم شعورها بالعزلة والإحباط.
في هذه البيئة المضطربة، أصبحت الأدوية جزءاً أساسياً من حياتها اليومية، وهو ما خلق دائرة خطيرة من الاعتماد المتزايد على المهدئات والعقاقير المنومة.
كيف ولدت نظريات المؤامرة؟
رغم أن التحقيق الرسمي لم يثبت وجود جريمة قتل، فإن الشكوك بدأت بالانتشار سريعاً بعد وفاة مونرو.
ويشير الباحثون إلى أن جزءاً كبيراً من هذه النظريات ظهر لأول مرة بعد نشر كتيب سياسي عام 1964 استُخدم في إطار الصراعات السياسية داخل الولايات المتحدة خلال تلك المرحلة الحساسة من تاريخها.
ومع مرور الوقت، تحولت تلك الروايات إلى كتب وأفلام وثائقية وبرامج تلفزيونية جذبت ملايين المتابعين حول العالم.
وساهمت العلاقة التي قيل إن مونرو جمعتها بالرئيس جون كينيدي وشقيقه روبرت كينيدي، إضافة إلى صداقاتها مع شخصيات نافذة في عالم السياسة والجريمة المنظمة، في تغذية هذه الروايات ومنحها زخماً إعلامياً متواصلاً.
لماذا لا تزال الشكوك قائمة؟
رغم الأدلة الجديدة التي تميل نحو فرضية الإهمال الطبي، لا يزال عدد من المؤلفين والباحثين يتمسكون باحتمال تعرض مونرو للاغتيال.
ويستند هؤلاء إلى ما يعتبرونه تناقضات في التحقيقات الأصلية، وفجوات في التسلسل الزمني للأحداث، إضافة إلى اختفاء بعض الوثائق والشهادات على مر السنين.
ومن أبرز المدافعين عن هذا الاتجاه الكاتب الأمريكي جيمس باترسون، الذي يؤكد أن وفاة مونرو لا تزال تحمل علامات استفهام كبيرة، ويرى أن فرضية القتل لم تُستبعد بشكل نهائي.
بين الحقيقة والأسطورة
ربما تكمن خصوصية قضية مارلين مونرو في أنها تجاوزت حدود التحقيق الجنائي لتتحول إلى جزء من الثقافة الشعبية العالمية.
فكل وثيقة جديدة أو شهادة متأخرة تعيد إحياء الأسئلة ذاتها: هل كانت وفاة مونرو نتيجة قرار شخصي مأساوي؟ أم ضحية إهمال طبي كارثي؟ أم أن هناك حقائق لم تُكشف بعد؟
حتى الآن، لا يبدو أن الجواب النهائي قد ظهر. لكن ما تكشفه الوثائق الجديدة هو أن الرواية الرسمية التي استقرت لعقود لم تعد بمنأى عن المراجعة، وأن لغز وفاة أشهر نجمة في تاريخ هوليوود لا يزال مفتوحاً على احتمالات متعددة.
وفي عالم تختلط فيه الشهرة بالسلطة والأسرار، تبقى وفاة مارلين مونرو واحدة من أكثر القضايا التي ترفض أن تُدفن مع الزمن.




