في زمن تتكاثر فيه الحكايات المؤجلة وتُختزل المعاناة بأرقام، يأتي العرض المسرحي “بانتظار الأمل” على خشبة المسرح الوطني اللبناني في بيروت – سينما كوليزيه، ليعيد الإنسان إلى مركز السرد، لا بوصفه موضوعًا للعرض، بل بوصفه صانعه وصوته المباشر.
العمل، الذي يُقدَّم من أداء الأهالي الناجين، يخرج بوضوح عن القوالب المسرحية التقليدية، رافضًا الاعتماد على ممثلين محترفين. وبدلًا من ذلك، يضع النازحين أنفسهم على الخشبة، ليقدموا أداءً عفويًا نابضًا بالتجربة الحقيقية. هذا الخيار ليس مجرد تفصيل تقني، بل هو جوهر المشروع الفني: تحويل المسرح إلى مساحة شهادة حيّة، حيث تختفي المسافة بين الحكاية وراويها.
في هذا السياق، لا يؤدي المشاركون أدوارًا مكتوبة بقدر ما يعيدون استحضار تجاربهم الشخصية، بكل ما تحمله من ارتباك وصمت وانفعالات غير مصقولة. هنا، تتحول اللغة المسرحية إلى تعبير خام، غير مروّض، يواجه الجمهور بواقع إنساني مباشر، دون فلترة جمالية تقليدية. هذه العفوية، التي قد تبدو للوهلة الأولى خروجًا عن “الاحتراف”، هي في الحقيقة خيار جمالي واعٍ، يقترب من تقاليد المسرح التوثيقي ومسرح الشهادة.
ويستحضر العرض تجربة اللبنانيين الذين اضطروا للنزوح قسرًا بفعل الاعتداءات الإسرائيلية، حيث لا تُقدَّم هذه التجربة كحالة عابرة، بل كمسار مستمر من التكيّف القسري مع فقدان المكان. من اقتلاع مفاجئ من القرى والبيوت، إلى حياة مؤقتة قد تطول، تتكشف طبقات معقدة من المعاناة: اقتصادية، نفسية، واجتماعية، تُعيد تشكيل علاقة الإنسان بذاته وبمحيطه.
لكن العمل لا يقع في فخ السرد المأساوي المباشر. بل يحاول تفكيك مفهوم “الأمل” نفسه، ليس كشعار جاهز، بل كفعل يومي هشّ، يُمارَس رغم كل شيء. في هذا الإطار، يصبح الوقوف على الخشبة فعل مقاومة بحد ذاته: مقاومة للنسيان، وللتهميش، ولتحويل التجارب الإنسانية إلى مجرد عناوين عابرة.
بصريًا، يوظف العرض رموزًا مكثفة، كما يظهر في ملصقه الذي يجمع بين آلة الحرب ومشاهد الحياة اليومية، في تناقض حاد يعكس واقعًا مألوفًا في مناطق النزاع. وبين هذين العالمين، يقف الإنسان: لا كضحية صامتة، بل كصوت يسعى إلى إعادة رواية قصته بشروطه الخاصة.
غير أن هذا النوع من الأعمال لا يخلو من مخاطرة فنية. فغياب البناء الدرامي التقليدي، والاعتماد على أداء غير احترافي، قد يطرحان تحديات على مستوى الإيقاع والتماسك. إلا أن هذه المخاطرة تحديدًا هي ما يمنح العرض خصوصيته، حيث تتحول “الهشاشة” إلى عنصر قوة، وتصبح الصدقية بديلاً عن الصنعة.
يُعرض “بانتظار الأمل” يومي السبت 25 والأحد 26 نيسان 2026، عند الساعة السابعة مساءً، على المسرح الوطني اللبناني في الحمرا – بيروت. الدعوة عامة والدخول مجاني، في خطوة تهدف إلى توسيع دائرة الوصول إلى هذا النوع من التجارب الفنية، وتعزيز دور المسرح كمنصة للحوار المجتمعي.
في نهاية المطاف، لا يقدّم هذا العمل إجابات جاهزة، بقدر ما يطرح أسئلة ملحّة: من يملك حق رواية الحكاية؟ وهل يمكن للفن أن يكون مساحة لاستعادة الصوت، لا مجرد وسيلة للتمثيل؟ بين الأداء العفوي والذاكرة الحيّة، يحاول “بانتظار الأمل” أن يمنح النازحين أكثر من حضور رمزي، يمنحهم حق الكلام.




