في صباح شتوي على كورنيش جدة، بدت الحادثة أقرب إلى مشهد سينمائي منها إلى واقعة هندسية عادية. سقطت سيارة تابعة للبلدية في حفرة ظهرت بصورة مفاجئة قرب مسجد الجزيرة، لتكشف عن تجويف واسع ناتج عن تآكل الرمال أسفل أجزاء من الموقع بفعل البحر.
وبحسب رواية المعماري المصري عبد الواحد الوكيل، كان المسجد قد أصبح، مجازًا، «طائرًا في الهواء»، بعدما جرفت المياه جزءًا من التربة التي يستند إليها. هرع مسؤولو المدينة والمهندسون إلى المكان وهم يتوقعون انهيار المبنى أو ظهور شروخ خطيرة في جدرانه وقبابه، لكن المسجد ظل متماسكًا.
وحين سُئل الوكيل عن سر بقائه، أجاب مازحًا بأن الملائكة هي التي تحمله.
تصلح هذه العبارة مدخلًا إلى عالم الوكيل كله؛ عالم تتداخل فيه الهندسة بالإيمان، والحرفة بالفلسفة، والرواية الشخصية بالأسطورة. غير أن القيمة الحقيقية لتجربته لا تكمن في النبرة العجائبية للحكاية، بل في السؤال الذي تطرحه: كيف استطاع مسجد مبني بالجدران الحاملة والقباب الطوبية أن يحافظ على تماسكه رغم تعرض تربته للتآكل؟
الإجابة الأكثر جدية لا تحتاج إلى تفسير خارق، بل إلى فهم طبيعة النظام الإنشائي الذي استخدمه الوكيل، وطريقة توزيع الأحمال داخل المبنى، وقدرة العقود والقباب والجدران السميكة على العمل كوحدة مترابطة.
مسجد فوق جزيرة مرجانية
بدأ مشروع مسجد الجزيرة بقرار غير مألوف في سياق عمراني كان يتجه بسرعة نحو الخرسانة المسلحة والمنشآت الحديثة. فقد طلب أمين محافظة جدة آنذاك، محمد سعيد فارسي، من عبد الواحد الوكيل تصميم مسجد فوق جزيرة مرجانية على ساحل المدينة.
كانت طبيعة الموقع تفرض تحديات واضحة؛ فالبناء قرب البحر يعني مواجهة الرطوبة والملوحة وحركة المياه واحتمالات تغير التربة. ووفق رواية الوكيل، اقترحت شركات هندسية الاعتماد على أساسات خرسانية عميقة وأوتاد تمتد عشرات الأمتار، وهو حل مرتفع التكلفة ومنسجم مع الذهنية الإنشائية السائدة.
لكن الوكيل اختار مسارًا مختلفًا. استبعد، بدرجة كبيرة، الأسمنت والحديد، واعتمد على الطوب والآجر والجدران الحاملة والقباب والعقود، مستلهمًا تقاليد البناء التي تطورت عبر قرون في البيئات العربية والإسلامية.
لم يكن هذا الاختيار مجرد تفضيل جمالي، بل كان إعلانًا فكريًا ضد الاعتقاد بأن الحداثة المعمارية لا تتحقق إلا بالخرسانة والزجاج والفولاذ.
وقد حصل المسجد لاحقًا على تقدير معماري دولي، من بينها جائزة آغا خان للعمارة عام 1989، بعدما أصبح واحدًا من أبرز نماذج الاتجاه الذي أعاد قراءة العمارة الإسلامية بعيدًا عن النقل الزخرفي السطحي.
إلا أن الاحتفاء بالمشروع لا ينبغي أن يتحول إلى مقارنة تبسيطية بين طوب «منتصر» وخرسانة «فاشلة». فالخرسانة ليست مادة معيبة في ذاتها، كما أن الطوب لا يضمن تلقائيًا مبنى ناجحًا. نجاح أي منشأة يتوقف على التصميم والتنفيذ ونوعية المواد ودراسة التربة والصيانة والظروف البيئية.
القيمة الأساسية في مشروع الوكيل أنه أثبت أن التقنيات التقليدية يمكن أن تكون خيارًا إنشائيًا معاصرًا حين تُفهم قوانينها، لا حين تُستنسخ أشكالها فقط.
لماذا لم ينهَر المسجد؟
في الرواية الشائعة عن الحادثة، يُقدَّم ثبات المسجد بوصفه دليلًا قاطعًا على تفوق البناء التقليدي على البناء الخرساني. لكن القراءة المهنية تستدعي قدرًا أكبر من الحذر.
الجدران الحاملة والقباب تعمل بطريقة مختلفة عن الهياكل الخرسانية الحديثة. ففي المبنى التقليدي، تنتقل الأحمال غالبًا عبر مساحات كبيرة من الجدران والعقود، ولا تتركز بالضرورة في عدد محدود من الأعمدة. وقد تسمح سماكة الجدران وتماسك الكتل المبنية للطوب بإعادة توزيع بعض الإجهادات عند حدوث هبوط موضعي.
كما أن المباني المقببة تعتمد أساسًا على قوى الضغط، وهي القوى التي يجيد الطوب والحجر مقاومتها، بينما تكون قدرتها على تحمل الشد أقل بكثير. وإذا صُممت القباب والعقود بصورة صحيحة، فإنها تنقل الأحمال في مسارات متصلة نحو الجدران والأساسات.
هذا قد يفسر قدرة المسجد على البقاء متماسكًا مؤقتًا رغم فقدان جزء من التربة تحته. لكنه لا يعني أن المبنى كان قادرًا على الاستمرار بلا تدخل، أو أن تآكل الأساسات لا يمثل خطرًا حقيقيًا. أي فراغ أسفل منشأة، مهما كان نظامها الإنشائي، يستوجب تقييمًا هندسيًا عاجلًا ومعالجة للتربة والأساسات.
ومن هنا، تبدو عبارة «المسجد كان معلقًا في الهواء» وصفًا بلاغيًا قويًا، لا تقريرًا هندسيًا ينبغي أخذه بحرفيته. كما أن القصة، في صورتها المتداولة، تحتاج إلى توثيق فني يوضح حجم التجويف وموقعه والإجراءات التي اتُّخذت لمعالجته.
النقد هنا لا ينتقص من إنجاز الوكيل، بل يحميه من التحول إلى أسطورة غير قابلة للفحص. فالعمارة الجيدة لا تحتاج إلى المبالغة كي تثبت قيمتها.
من جدة إلى المدينة المنورة
بعد تجربته في جدة، شارك عبد الواحد الوكيل في مشروعات مرتبطة بمساجد المدينة المنورة، من بينها أعمال تتعلق بمسجد قباء ومسجد القبلتين وميقات ذي الحليفة.
في هذه المشروعات، لم يتعامل الوكيل مع المسجد باعتباره قاعة واسعة تُغطى بأي وسيلة إنشائية متاحة، بل بوصفه فضاءً روحيًا تتفاعل فيه النسب والضوء والظل والمواد وحركة الإنسان.
كان يرى أن العمارة الإسلامية ليست مجموعة من الأقواس والزخارف التي يمكن إلصاقها بواجهات خرسانية، بل منظومة متكاملة تبدأ من طريقة البناء وتنتهي بالتجربة النفسية للمستخدم.
ومن القصص التي يرويها عن العمل في مسجد قباء حكاية رجل مسن أصر على المشاركة في البناء من دون أجر. وحين حاول أمن المشروع معرفة هويته وسبب وجوده، قال، وفق رواية الوكيل، ما معناه إن البنّائين ليسوا وحدهم من يشيدون المسجد، وإن الملائكة تطوف بالمكان وتشارك في بنائه.
مرة أخرى، تمزج القصة بين الواقع والروحانيات. وقد يراها البعض تعبيرًا صادقًا عن قدسية المكان، فيما قد يراها آخرون جزءًا من الخطاب الذي أحاط الوكيل به تجربته المعمارية. وفي الحالتين، تكشف الحكاية عن تصوره للمسجد بوصفه فعلًا تعبديًا، لا مجرد تكليف مهني.
لكن هذه الرؤية تثير سؤالًا نقديًا: هل يكفي البعد الروحي لضمان جودة العمارة؟
الإجابة، بطبيعة الحال، لا. فالمساجد، مهما كانت قداستها، تظل مباني تحتاج إلى السلامة الإنشائية وكفاءة التهوية وسهولة الحركة وإدارة الحشود وإتاحة الوصول والصيانة. قيمة تجربة الوكيل تكمن في محاولته الجمع بين هذه المتطلبات وبين الإحساس بالمكان، لا في استبدال العلم الهندسي بالخطاب الروحي.
معركة الطوب ضد البيروقراطية
لم تكن مقاومة الوكيل مقتصرة على الاتجاهات الجمالية الحديثة. فقد اصطدم، بحسب شهاداته، ببيروقراطيات ومؤسسات تمويلية كانت تنظر إلى البناء بالطين والطوب والحجر على أنه متخلف أو غير صالح للاقتصاد الحديث.
وقد تعاون في بعض مشروعاته مع مسؤولين، من بينهم وكيل وزارة الأوقاف آنذاك حسام خاشقجي، لتمرير تصاميم تعتمد على المواد وأساليب البناء التقليدية في مناخ رسمي يفضل الحلول الخرسانية المعيارية.
تكشف هذه المواجهة جانبًا مهمًا من تاريخ العمارة العربية الحديثة. فقد ارتبط الأسمنت، خلال عقود طويلة، بفكرة التقدم، بينما ارتبط الطين والحجر بالفقر والماضي. لم يكن التحيز ضد المواد التقليدية فنيًا فقط، بل كان اجتماعيًا ورمزيًا.
لهذا لم يكن مشروع الوكيل مجرد عودة رومانسية إلى التراث، بل اعتراضًا على احتكار نموذج واحد لمعنى الحداثة.
ومع ذلك، فإن رفض «قانون الأسمنت»، كما يسميه، لا ينبغي أن يتحول إلى قانون مضاد يقدّس المواد التقليدية. فالمدن المعاصرة تواجه كثافات سكانية ومتطلبات وظيفية وشروط سلامة تختلف عن تلك التي أنتجت العمارة التاريخية. ولا يمكن للطوب أو الحجر وحدهما حل جميع مشكلات الإسكان والبنية التحتية.
المطلوب ليس إلغاء التكنولوجيا الحديثة، بل إخضاعها للمناخ والثقافة واحتياجات الإنسان، ودمجها عند الضرورة مع المعرفة المحلية بدل استخدامها بصورة عمياء.
الحرفة بوصفها موقفًا أخلاقيًا
تعود جذور فلسفة الوكيل إلى مراحل مبكرة من تكوينه. فقد تأثر بالرسام الإيطالي سيلفيو بيكي، الذي ساعده، وفق شهادته، على فهم اللون والرؤية، ثم جاء لقاؤه بالمعماري المصري حسن فتحي ليغير مساره بصورة أعمق.
بعد هزيمة يونيو/حزيران 1967، وجد الوكيل في أفكار حسن فتحي نقدًا حضاريًا يتجاوز العمارة إلى العلاقة بين المجتمع والتقنية والهوية. تعلّم منه أن المبنى لا يُقاس فقط بمظهره أو تكلفته، بل أيضًا بطريقة إنتاجه، وبمصير العمال الذين يبنونه، وبالأثر الذي يتركه في البيئة والمجتمع.
من هنا جاءت قناعته بأن العمل اليدوي ليس مرحلة بدائية ينبغي تجاوزها، بل نشاط يربط العقل بالجسد والمادة. وتلخص عبارته الشعبية: «المخ حين لا يشتغل بالإيد يشط»، موقفه من الفصل بين التفكير والصناعة.
كان يرى أن يد البنّاء تضيف إلى المبنى ما لا تستطيع الآلة إضافته: الاختلافات الدقيقة، والإحساس بالمادة، والقدرة على التكيف، والأثر الإنساني.
وقد درّب عمالًا، من بينهم عمال باكستانيون، على بناء القباب والعقود بالطوب، ثم حمل بعضهم هذه المعرفة إلى بلدانهم. بهذا المعنى، لم يكن المشروع مجرد منتج معماري، بل مدرسة ميدانية لإحياء مهارات مهددة بالاندثار.
غير أن خطاب «بركة اليد» يحتاج هو الآخر إلى قراءة متوازنة. فالعمل اليدوي قد يكون مصدرًا للإبداع والكرامة، لكنه قد يتحول أيضًا إلى غطاء لعمالة شاقة ومنخفضة الأجر ما لم تقترن الحرفة بالتدريب والحماية والعدالة المهنية.
الدفاع الحقيقي عن الحرفي لا يكون بتمجيد يده فقط، بل بضمان حقوقه ومكانته الاقتصادية ونقل معرفته إلى أجيال جديدة.
عمارة للمناخ أم حنين إلى الماضي؟
ينتقد الوكيل المباني الخرسانية التي تخزن الحرارة وتعتمد على أجهزة التكييف لتصحيح أخطاء التصميم. ويرى أن العمارة التقليدية كانت أكثر فهمًا للمناخ، بما استخدمته من جدران سميكة وأفنية داخلية وفتحات مدروسة وقباب تساعد على حركة الهواء.
ويملك هذا النقد أساسًا قويًا. فكثير من المباني الحديثة في المنطقة العربية نُسخت من نماذج دولية من دون مراعاة كافية للشمس والرطوبة والغبار واستهلاك الطاقة. وبدل أن يكون المبنى خط الدفاع الأول ضد المناخ، أصبح غلافًا زجاجيًا يحتاج إلى تبريد متواصل.
إلا أن العودة إلى التراث لا تعني تكرار البيت القديم أو المسجد التاريخي كما هو. فالعمارة المناخية المعاصرة تحتاج إلى القياس والمحاكاة ودراسة الأداء الحراري، لا إلى الحدس وحده.
ويظل التحدي الحقيقي أمام مدرسة الوكيل هو الانتقال من المشاريع الرمزية والفردية إلى حلول قابلة للتوسع في الإسكان والمدارس والمستشفيات والمنشآت العامة.
فهل تستطيع تقنيات البناء بالطوب والقباب تلبية احتياجات ملايين السكان؟ وهل تتوافر أعداد كافية من الحرفيين؟ وهل تسمح أنظمة البناء الحالية باستخدامها؟ وما تكلفة الصيانة على المدى الطويل؟
هذه الأسئلة لا تهدم مشروع الوكيل، بل تحدد المسافة بين العمارة بوصفها موقفًا ثقافيًا والعمارة بوصفها سياسة عامة.
الجوائز وحدود الاعتراف
حصل عبد الواحد الوكيل على جوائز وتكريمات عديدة، من بينها جائزة آغا خان للعمارة عن بيت حلاوة في الإسكندرية، وتقديرات عن أعماله في العمارة الإسلامية، وزمالات وتكريمات من مؤسسات معمارية دولية، إضافة إلى جائزة للإنجاز المعماري مدى الحياة.
كما كلّفه الملك تشارلز الثالث، حين كان أميرًا لويلز، بتصميم مركز أكسفورد للدراسات الإسلامية، وهو مشروع يعكس موقع الوكيل داخل تيار معماري دولي ينتقد الحداثة الصلبة ويدافع عن الاستمرارية الكلاسيكية والتقليدية.
لكن قراءة مسيرته من خلال الجوائز فقط قد تحجب تناقضاتها. فهو معماري يتمرد على المؤسسات، لكنه نال اعترافه عبر مؤسسات دولية وملكية. ويدافع عن عمارة المجتمع والحرفيين، بينما يرتبط جزء معتبر من إنتاجه بمشروعات دينية ورسمية ونخبوية.
هذا لا يمثل بالضرورة تناقضًا أخلاقيًا، لكنه يفرض التمييز بين قوة الأفكار ومدى انتشارها الاجتماعي. فقد نجح الوكيل في بناء نماذج استثنائية، لكن النموذج الاستثنائي لا يتحول تلقائيًا إلى حل شامل لأزمة العمران العربي.
ما الذي يبقى من تجربة الوكيل؟
قد يختلف المعماريون حول اللغة الجمالية لعبد الواحد الوكيل. وقد يرى بعضهم في أعماله استمرارًا حيًا للتراث، بينما يراها آخرون محافظة مفرطة أو انسحابًا من أسئلة العمارة الحديثة.
لكن يصعب إنكار أن مشروعه أعاد فتح نقاش كان يُراد له أن يُغلق: هل التقدم يعني قطع الصلة بالمعرفة المتراكمة؟ وهل ينبغي للمدن العربية أن تبدو كنسخ أقل جودة من مدن أخرى؟ وهل المادة الحديثة أكثر عقلانية دائمًا؟ ومن يقرر شكل العمارة: المهندس أم السوق أم البيروقراطية أم المناخ أم المجتمع؟
لم تكن أهمية مسجد الجزيرة في أنه تحدى البحر وحده، بل في أنه تحدى أيضًا يقينًا ثقافيًا كاملًا كان يعتبر الطوب مادة من الماضي.
ومع ذلك، فإن أعظم ظلم يمكن أن يلحق بتجربة الوكيل هو اختزالها في قصة مسجد حملته الملائكة. فالمبنى لم يصمد لأن قوانين الطبيعة توقفت، بل لأن معماره حاول فهم تلك القوانين من خلال تراث بنائي طويل.
أما البعد الإيماني، فهو جزء من معنى التجربة بالنسبة إلى صاحبها، وليس بديلًا عن تفسيرها الهندسي.
بين الطوب والبحر، وبين الحرفة والمؤسسة، قدّم عبد الواحد الوكيل عمارة تريد أن تستعيد الروح التي فقدتها المدن الحديثة. غير أن مستقبل هذه الرؤية لن يتحدد بعدد الجوائز أو بجمال الحكايات، بل بقدرتها على الإجابة عن مشكلات الحاضر: الاستدامة، وارتفاع درجات الحرارة، وكلفة البناء، وحقوق الحرفيين، وهوية المدن، واحتياجات السكان.
هنا تحديدًا تكمن قيمة الوكيل وحدود مشروعه في آن واحد؛ لقد برهن أن الماضي لا يزال قادرًا على تعليمنا، لكنه لم يعفنا من مهمة ابتكار مستقبل جديد.




