أعادت المناظرة الرئاسية الأميركية بين جو بايدن ودونالد ترمب في يونيو/حزيران 2024 مسألة العمر إلى قلب النقاش السياسي. فقد ظهر بايدن، البالغ آنذاك 81 عاماً، متعباً ومتردداً، في مقابل ترمب الذي بدا أكثر نشاطاً على الرغم من بلوغه 78 عاماً. لكن اختزال الأزمة الأميركية في أعمار المرشحين قد يحجب سؤالاً أكثر أهمية: هل تكمن المشكلة فعلاً في وجود سياسيين مسنين، أم في منظومة تسمح لجيل واحد بالاحتفاظ بالسلطة والثروة والامتيازات لعقود طويلة؟
العمر ليس المشكلة الوحيدة
لا يعني ارتفاع متوسط أعمار المسؤولين أن كل سياسي مسن عاجز عن أداء مهامه، كما لا يضمن الشباب الكفاءة أو القدرة على الإصلاح. فقد يكون السياسي الشاب مدافعاً عن مصالح الفئات الأكبر سناً، بينما يتبنى سياسي متقدم في العمر سياسات أكثر جرأة وعدالة بين الأجيال.
لهذا السبب، لا ينبغي فهم «حكم المسنين» بوصفه مجرد سيطرة أشخاص كبار في السن على المناصب العامة، بل باعتباره نظاماً سياسياً واقتصادياً تتراكم داخله القوة والموارد في أيدي الأجيال الأكبر، بينما تتحمل الأجيال الشابة كلفة السكن والتعليم والديون وتراجع الفرص الاقتصادية.
فالولايات المتحدة ليست المجتمع الأكثر شيخوخة في العالم؛ إذ ظل العمر الوسيط لسكانها دون الأربعين، وهو أقل من نظيره في عدد من الدول الأوروبية والآسيوية. ومع ذلك، تتميز البنية الأميركية بقدرتها الاستثنائية على حماية امتيازات كبار السن وإبطاء انتقال الثروة والنفوذ إلى الأجيال التالية.
مؤسسات صُممت لعصر مختلف
تعود بعض مظاهر المشكلة إلى طبيعة المؤسسات الأميركية نفسها. فالقضاة الفدراليون يشغلون مناصبهم مدى الحياة، وهي قاعدة وُضعت لحماية القضاء من الضغوط السياسية وتقلبات الرأي العام. غير أن ارتفاع متوسط العمر المتوقع جعل بعض القضاة يستمرون في مناصبهم إلى التسعينيات، بل إلى ما بعد المئة، من دون وجود آلية واضحة لتقييم قدرتهم على أداء مهامهم أو إلزامهم بالتقاعد.
ويظهر النمط ذاته في مجلس الشيوخ، الذي صُمم تاريخياً ليكون مؤسسة أكثر تحفظاً واستقراراً من مجلس النواب. لكن ما كان يُنظر إليه في الماضي باعتباره توازناً ضرورياً في مواجهة اندفاع الأغلبية، أصبح اليوم عاملاً إضافياً يرسخ هيمنة الأجيال الأكبر سناً على عملية اتخاذ القرار.
المفارقة أن المؤسسات التي أُنشئت للحد من احتكار السلطة قد تتحول، عندما تغيب عنها آليات التجديد، إلى أدوات لحماية هذا الاحتكار.
الناخبون الأكبر سناً أكثر تأثيراً
لا يقتصر نفوذ كبار السن على وجودهم داخل المؤسسات، بل يرتبط أيضاً بقدرتهم على التأثير في الانتخابات. فالناخبون الأكبر سناً يشاركون عادةً في التصويت بنسب أعلى من الشباب، ويزداد تأثيرهم في الانتخابات المحلية والتمهيدية التي تشهد إقبالاً منخفضاً.
وفي الدوائر غير التنافسية، لا تكون الانتخابات العامة هي المرحلة الحاسمة، بل الانتخابات التمهيدية داخل الحزب. وبما أن متوسط أعمار المشاركين في هذه الانتخابات أعلى من متوسط أعمار الناخبين عموماً، يصبح المرشحون أكثر حرصاً على تلبية أولويات الفئات الأكبر سناً، حتى عندما يكون المرشح نفسه شاباً.
وبذلك، لا تصبح المسألة متعلقة بعمر السياسي فقط، بل بعمر الكتلة الانتخابية الأكثر قدرة على مكافأته أو معاقبته.
الثروة تميل إلى الأعلى عمراً
تتضاعف قوة كبار السن السياسية عندما تقترن بالثروة. فمن الطبيعي أن يمتلك الشخص الأكبر سناً وقتاً أطول لتكوين المدخرات وشراء العقارات والاستفادة من ارتفاع قيمتها. لكن السياسات الضريبية والإسكانية والتقاعدية قد تحول هذا التراكم الطبيعي إلى تفاوت بنيوي يصعب تجاوزه.
وقد تبدلت صورة الشيخوخة في المجتمعات الغنية. ففي الماضي، كان التقدم في السن يرتبط غالباً بالفقر والاعتماد على الأسرة أو الدولة. أما اليوم، فقد أصبح جزء كبير من الثروات العقارية والاستثمارية متركزاً لدى الأجيال الأكبر سناً، في حين يدخل الشباب سوق العمل مثقلين بالديون وارتفاع أسعار المنازل وتكاليف تأسيس الأسرة.
لكن الحديث عن ثراء كبار السن يحتاج إلى قدر من الحذر. فليس جميع المسنين أثرياء؛ إذ توجد فئات واسعة منهم تعيش من دون مدخرات كافية أو سكن مضمون، وتعتمد كلياً على برامج الرعاية الاجتماعية. لذلك فإن الصراع الحقيقي ليس بين الشباب والمسنين بوصفهم كتلتين متجانستين، بل بين نظام يحمي أصحاب الثروات المتراكمة وبين فئات من مختلف الأعمار لا تملك الأمان الاقتصادي.
هل نقد حكم المسنين تمييز عمري؟
قد يُتهم منتقدو هذه الظاهرة بممارسة التمييز على أساس العمر. وهذه ملاحظة مشروعة إذا تحول النقد إلى افتراض أن كل مسن عاجز أو أن الشباب أكثر كفاءة بالضرورة.
إلا أن نقد «حكم المسنين» لا ينبغي أن يستهدف عمر الأفراد أو حقهم في المشاركة، بل القواعد التي تسمح بتراكم السلطة من دون تجديد أو مساءلة. فالهدف ليس حرمان كبار السن من حقوقهم، وإنما منع أي فئة عمرية أو طبقية من احتكار الموارد العامة وصياغة المستقبل وفق مصالحها وحدها.
كما أن القول للشباب إنهم سيستفيدون من النظام نفسه عندما يتقدمون في العمر يفترض أن أسعار المنازل وفرص العمل وأنظمة التقاعد والمناخ الاقتصادي ستبقى كما هي. وهذا افتراض يصعب الدفاع عنه في عالم تتغير فيه التكنولوجيا وأسواق العمل والظروف البيئية بسرعة غير مسبوقة.
حلول عادلة أم حرب بين الأجيال؟
تتراوح الحلول المقترحة بين فرض حدود عمرية أو مدد زمنية لشغل بعض المناصب، وتشديد الضرائب على الثروات والعقارات والتركات، وتوسيع خدمات الرعاية الصحية والاجتماعية، وتشجيع انتقال الثروة إلى الأجيال الأصغر في وقت مبكر.
لكن فرض سن موحدة للتقاعد قد يكون حلاً سطحياً؛ فالقدرات تختلف من شخص إلى آخر، كما أن إقصاء المسؤول بسبب عمره وحده قد يحرم المؤسسات من خبرات مهمة. البديل الأكثر عدالة هو اعتماد تقييمات دورية وشفافة للكفاءة، وتحديد مدد معقولة للمناصب التي تسمح حالياً بالبقاء مدى الحياة.
أما اقتصادياً، فلا ينبغي أن تأتي إعادة التوازن عبر تقليص الرعاية الصحية أو المعاشات، لأن هذه السياسات تضرب المسنين الفقراء أكثر مما تمس أصحاب الثروات. الإصلاح الحقيقي يستهدف الثروة المكتنزة والامتيازات غير المنتجة، بالتوازي مع ضمان حياة كريمة لكل من يحتاج إلى الرعاية. ويقوم هذا التصور على معادلة واضحة: حماية شاملة من الدولة مقابل نظام ضريبي يمنع تركز الثروة وانتقال التفاوت من جيل إلى آخر.
الأزمة أزمة تجديد لا أزمة أعمار
تكشف ظاهرة حكم المسنين عن أزمة أوسع في الديمقراطية الأميركية: مؤسسات بُنيت للاستقرار لكنها أصبحت تقاوم التجديد، وثروة تراكمت بفعل النمو الاقتصادي لكنها لم تعد تنتقل بسهولة، ونظام انتخابي يكافئ الفئات الأعلى مشاركة والأقدر على تمويل السياسة.
لذلك، فإن استبدال سياسي مسن بآخر شاب لن يكون كافياً ما لم تتغير القواعد التي تحدد من يمتلك المال، ومن يصوت، ومن يضع السياسات، ومن يستطيع البقاء في موقع القرار.
الخبرة قيمة لا غنى عنها، لكن الخبرة تتحول إلى عبء عندما تصبح مبرراً لاحتكار المنصب. كما أن حماية كبار السن واجب أخلاقي، لكنها لا ينبغي أن تعني التضحية الدائمة بمستقبل الشباب. فالمجتمع المتوازن ليس الذي ينتصر فيه جيل على جيل آخر، بل الذي يضمن انتقال السلطة والثروة والمسؤولية بصورة عادلة قبل أن تضطر الأزمات الكبرى إلى فرض هذا الانتقال بالقوة.





