ثمة أماكن لا يكفي أن نقول إنها تضررت بالحرب؛ لأن الخراب، حين يمرّ من المكان، لا يهدم الجدران وحدها، بل يترك يده على الذاكرة، وعلى تفاصيل الحياة، وعلى الأشياء الصغيرة التي اعتاد الإنسان أن يمارس فيها نفسه كما هو. والمحترف، بالنسبة إلى الفنان، ليس غرفةً تتكدّس فيها الألوان واللوحات فحسب؛ إنه جزء من روحه، نافذة تطل منها الفكرة، ومكان تتكوّن فيه الأشياء قبل أن تجد طريقها إلى الضوء.

من هنا يبدو معرض «تحت سماء واحدة» أكثر من معرض فني يجمع سبعة عشر فناناً في بيروت. إنه، في جوهره، محاولة هادئة لترميم ما لا تستطيع المِعاول ترميمه: استمرارية الحياة.
في الطابق السادس، في منطقة الصيفي، اجتمعت أعمال جاءت من الجنوب والبقاع وبيروت، مختلفة في ألوانها وتقنياتها وطرائقها، لكنها حملت جميعاً شيئاً مشتركاً لا يظهر بالضرورة في اللوحة: حكاية الإنسان حين تضيق به الأمكنة ولا يتخلى عن رغبته في أن يصنع شيئاً جميلاً.

كان يمكن للحرب أن تقول للفنان: توقف.
لكن الفن، بطبيعته العنيدة، قال له: تابع.
وهكذا صار الانتقال إلى بيروت ليس اقتلاعاً نهائياً من الجنوب، بل عبوراً مؤقتاً إلى مساحة تستطيع فيها اليد أن تستعيد إيقاعها، والعين أن تستعيد قدرتها على التأمل، واللوحة أن تولد من جديد. فالفنان الذي فقد محترفه لم يفقد بالضرورة مكانه في العالم؛ لأن المكان الحقيقي للفن قد يكون أحياناً تلك المسافة الصغيرة بين يدٍ ترتجف من الخوف ويدٍ أخرى تمسك بالفرشاة.
لذلك كان الأسبوعان اللذان سبقَا افتتاح المعرض مهمين بقدر أهمية الأعمال المعروضة نفسها. سبعة عشر فناناً لم يأتوا فقط ليعلّقوا لوحاتهم على الجدران؛ لقد عاشوا معاً، عملوا معاً، واقتسموا الوقت والمساحة، وكأنهم يعيدون بناء معنى الجماعة في زمنٍ دفع الناس طويلاً إلى الاحتماء بأنفسهم.
وهنا يصبح عنوان المعرض بالغ الدلالة: «تحت سماء واحدة».
فالسماء لا تسأل المدن عن أسمائها، ولا تفرّق بين بيروت والجنوب والبقاع. سماء واحدة تتسع للوجع وللحلم، للذين بقوا وللذين غادروا، للبيت الذي ما زال قائماً وللبيت الذي لم يبقَ منه سوى ذاكرة في قلب صاحبه.

وفي بعض الأعمال، يبدو الخراب حاضراً من دون أن يُسمّى. عمارة تتشظى إلى خطوط ومساحات، أشكال تتزاحم حتى تكاد تختنق، ألوان حارة تحمل ذاكرة لا نعرف مصدرها تماماً. وفي أعمال أخرى، يحضر الرمادي والأزرق كأن السماء نفسها لم تعد قادرة على أن تكون صافية.
لكن أجمل ما في المعرض أنه لا يستسلم لإغراء تحويل الفن إلى نشرة أخبار عن الحرب.
الفن هنا لا يصرخ: «انظروا ماذا حدث لنا».
بل يقول، بصوت أكثر عمقاً: «انظروا، ما زلنا هنا».
وهذه الجملة وحدها تكفي لتفسير معنى أن يستعيد الفنان طاولته، وأدواته، ووقته، وأن يجد حوله آخرين يشاركونه الإصرار نفسه. فمقاومة الخراب ليست دائماً في إعادة بناء الحجر؛ أحياناً تكون في إنقاذ القدرة على الحلم.

ومن بين الأعمال التي تمنح المعرض بعداً إنسانياً مضيئاً، تأتي شجرة ميرنا مشنتف التي صنعتها بالتعاون مع شباب من ذوي الحاجات الخاصة ضمن برنامج «نِكْست ستيب» في الجامعة الأميركية في بيروت. علب معدنية وأغراض منزلية كان يمكن أن تنتهي في النفايات، تحولت إلى شجرة.
يا لها من استعارة جميلة.
أشياء ظنّ الناس أنها انتهت، وجدت لنفسها شكلاً جديداً من الحياة.
وكأن الشجرة تقول لنا إن الإنسان أيضاً يستطيع أن يفعل ذلك؛ أن يأخذ ما تبقّى منه بعد العاصفة، ويصنع منه غصناً جديداً.
وفي مشاركة تاج درويش، ابنة صاحب «دار زفتا»، شيء من الدائرة التي تكتمل أمام العين. الأب يفتح الباب لفنانين تعطلت أمكنتهم، والابنة تدخل من باب آخر، لتشارك في صناعة عمل جماعي مع شباب يثبتون أن المشاركة ليست منّة، وأن الاختلاف ليس سبباً للعزلة.
هنا يصبح الفن مساحةً يتساوى فيها الجميع أمام سؤال واحد: ماذا نستطيع أن نضيف؟
لا ماذا ينقصنا.
وربما هذه هي القيمة الأعمق لمثل هذه المبادرات: أنها ترفض أن تنظر إلى الإنسان من زاوية خسارته فقط. الفنان الجنوبي ليس مجرد شخص خسر محترفاً، والشاب من ذوي الحاجات الخاصة ليس مجرد شخص يحتاج إلى رعاية. وراء كل وصفٍ ضيق إنسانٌ قادر على أن يصنع، وأن يؤثر، وأن يمنح الآخرين شيئاً لا يستطيعون العثور عليه من دونه.

لهذا، فإن «تحت سماء واحدة» ليس معرضاً عن الحرب بقدر ما هو معرض عن الحياة بعد أن تمر الحرب من جوارها.
عن القدرة على جمع الشظايا دون الخجل منها.
عن الذين حملوا ما استطاعوا حمله ومضوا.
عن يدٍ تبحث عن لونها وسط الرماد.
عن لوحة تقول إن البيت قد يُفقد، لكن الرغبة في صنع البيت داخل الروح لا تُفقد بسهولة.
وحين ينتهي المعرض في آخر أغسطس، ستغادر اللوحات ذلك الطابق، وستعود الأعمال إلى أصحابها أو إلى أماكن أخرى. لكن شيئاً من التجربة سيبقى. سيبقى ذلك الأسبوعان اللذان اجتمع فيهما الفنانون، وتلك الشجرة التي صنعتها أيادٍ كثيرة، وتلك المساحة التي قالت لمن أرهقهم النزوح والخراب: لكم مكان هنا.

وربما هذا هو أجمل ما يستطيع الفن أن يفعله في زمن القسوة.
لا يستطيع أن يعيد بيتاً تهدّم، لكنه يستطيع أن يحفظ صورته في الذاكرة.
لا يستطيع أن يمحو الخوف، لكنه يستطيع أن يمنح القلب لحظةً يتنفس فيها.
لا يستطيع أن يوقف الحرب، لكنه يستطيع أن يمنعها من أن تنتصر تماماً.
لأن الانتصار الكامل للحرب يبدأ حين تقنع الإنسان بأن لا جدوى من أن يرسم، أو يكتب، أو يصنع شجرة من علبٍ مهملة، أو يمدّ يده إلى يدٍ أخرى.

أما حين يجتمع سبعة عشر فناناً تحت سقف واحد، وحين يشارك شبابٌ في صناعة أثرٍ سيبقى على الجدار، وحين تستعيد الألوان حقها في الظهور وسط كل هذا الرماد، فإن ثمة شيئاً لا يزال عصياً على الهزيمة.
إنها الحياة.
وحدها الحياة، حين تجد لنفسها فسحة، تستطيع أن تفتح نافذةً في جدارٍ ظنناه مغلقاً إلى الأبد.
وتحت سماء واحدة، مهما تغيّرت المدن، ومهما ابتعدت البيوت، ومهما ثقلت الذاكرة، يبقى للإنسان لونٌ يختاره، ويدٌ تمتد، وشجرةٌ يمكن أن تنمو من بقايا الأشياء.
ويبقى للفن، دائماً، ذلك الباب الصغير الذي يُفتح حين نظن أن جميع الأبواب قد أُغلقت.




