في اكتشاف علمي لافت يعيد رسم خريطة انتشار أحد أغرب العناكب في العالم، أعلن باحثون عن العثور على نوع جديد من “العناكب المبتسمة” في جبال الهيمالايا الهندية، بعد أكثر من 126 عاماً من الاعتقاد بأن هذه الكائنات الفريدة لا تعيش إلا في جزر هاواي.
وكان العلماء قد وصفوا لأول مرة عام 1900 عنكبوت “الوجه السعيد” المعروف علمياً باسم Theridion grallator، وهو عنكبوت صغير ذو لون أخضر زاهٍ يتميز بنقوش فريدة على بطنه تبدو وكأنها وجوه مبتسمة. ومنذ ذلك الحين، اعتُبر هذا النوع ظاهرة بيولوجية حصرية لبيئة هاواي المعزولة.
لكن فريقاً بحثياً من الهند تمكن مؤخراً من توثيق نوع جديد يحمل خصائص مشابهة بشكل مذهل على منحدرات جبال الهيمالايا، وأطلق عليه اسم Theridion himalayana أو “عنكبوت الهيمالايا ذو الوجه السعيد”.
مصادفة علمية قادت إلى الاكتشاف
بدأت قصة الاكتشاف خلال بعثة استكشافية عام 2023 في ولاية أوتاراخند شمال الهند، حيث كان الهدف الأساسي دراسة التنوع الحيوي للنمل في المناطق الجبلية. غير أن صوراً لعناكب غريبة التقطها الباحثون أثناء العمل الميداني لفتت انتباه المختصين.
وتروي عالمة الأحياء المتخصصة في دراسة العناكب ديفي بريادارشيني أن زميلها أشيرواد تريباثي كان يرسل لها صوراً لعناكب مختلفة للتعرف عليها، إلى أن أرسل صورة لعنكبوت أخضر متشبث بإحدى النباتات المحلية.
وقالت بريادارشيني إنها أدركت فوراً أهمية الاكتشاف بسبب التشابه الكبير مع عنكبوت الوجه السعيد الشهير في هاواي، وهو ما دفع الفريق إلى تكثيف عمليات البحث وجمع العينات.
وخلال الأشهر التالية، تمكن الباحثون من جمع 32 عينة تنتمي إلى النوع نفسه، مع ملاحظة وجود تنوع كبير في الأنماط المرسومة على ظهورها، والتي تتراوح بين نقاط وخطوط وأشكال تشبه الوجوه المبتسمة بدرجات مختلفة.
تحليل جيني يؤكد نوعاً جديداً
بعد نقل العينات إلى المختبر، أجرى الفريق تحليلات وراثية كشفت عن اختلاف جيني يقارب 8.5% مقارنة بعنكبوت هاواي، وهو فارق كافٍ لتصنيفه كنوع مستقل تطور بشكل منفصل تماماً عن نظيره الأمريكي.
وأكدت النتائج أن العنكبوت المكتشف ليس مجرد سلالة فرعية أو تنوع محلي، بل يمثل نوعاً جديداً بالكامل ضمن المجموعة نفسها.
وقال الباحث أشيرواد تريباثي إن اختيار الاسم العلمي الجديد جاء تكريماً لسلسلة جبال الهيمالايا التي تُعد إحدى أغنى مناطق العالم بالتنوع البيولوجي، وتخفي بين تضاريسها العديد من الأنواع التي لم تُكتشف بعد.
لغز علمي ما زال قائماً
ورغم التشابه اللافت بين النوعين، لا يزال العلماء عاجزين عن تفسير السبب الحقيقي وراء ظهور الأنماط الشبيهة بالابتسامات على أجسام هذه العناكب.
ويعتقد الباحثون أن هذه العلامات قد تكون مرتبطة بعوامل وراثية معقدة أو بآليات دفاعية تطورت عبر الزمن، إلا أن الأمر يحتاج إلى مزيد من الدراسات لفهم وظيفتها البيولوجية بدقة.
كما أثار العلماء ملاحظة أخرى مثيرة للاهتمام، إذ تبين أن كلا النوعين يفضل العيش على نباتات الزنجبيل أو بالقرب منها، رغم أن الزنجبيل ليس من النباتات الأصلية في هاواي، ما يطرح تساؤلات جديدة حول العلاقة بين هذه العناكب وموائلها النباتية.
نافذة جديدة لفهم التطور
ويرى الباحثون أن اكتشاف “عنكبوت الهيمالايا المبتسم” قد يشكل خطوة مهمة لفهم تاريخ تطور هذه المجموعة من العناكب وانتشارها عبر القارات.
كما يأمل الفريق العلمي في أن تقود الدراسات المستقبلية إلى العثور على أنواع وسيطة أو روابط تطورية مفقودة تفسر العلاقة بين عنكبوت هاواي ونظيره المكتشف حديثاً في الهيمالايا.
ويؤكد هذا الاكتشاف أن الطبيعة لا تزال تخبئ الكثير من الأسرار، وأن مناطق العالم الجبلية والنائية قد تحمل مفاجآت علمية قادرة على تغيير مفاهيم راسخة استمرت لأكثر من قرن.




