مبادرة إنمائية في الزرارية تؤكد أن الأرض لا تزال تنبض بالحياة… والمنظِّمة ماجي أخضر لـ”المسمار”: نريد أن نحافظ على صورة الجنوب المنتج لا الجنوب المتألم فقط

في زمنٍ تختلط فيه أصوات القصف بصرخات القلق، وتثقل الحرب على كاهل أهل الجنوب اللبناني، تبقى هناك مساحات صغيرة تشبه النوافذ المفتوحة على الضوء. مساحات تقول إن الإنسان لا يفقد قدرته على الفرح، وإن الأرض التي احتضنت التعب والشهادة قادرة أيضاً على أن تحتضن الإبداع والحياة.

من بلدة الزرارية، حيث تختزن الأرض ذاكرة الأجيال وحكايات الصمود، جاء “معرض البيدر” ليكون أكثر من معرض للمونة البلدية والحرف اليدوية. كان لقاءً إنسانياً جمع الناس حول خيرات أرضهم، وحول قصص النساء والحرفيين والمزارعين الذين يتمسكون بالإنتاج رغم الظروف الصعبة.

في باحة مؤسسة سعيد وسعدى فخري الإنمائية، تحولت المساحة إلى صورة مصغّرة عن الجنوب الذي يريد أن يُرى كما هو: أرضاً معطاءة، مجتمعاً حياً، وناساً يرفضون أن تختصرهم الحرب بصورة واحدة. بين المونة البلدية، والأشغال اليدوية، والمنتجات الريفية، حضرت هوية الجنوب بكل تفاصيلها؛ من تعب اليد إلى بركة الأرض، ومن الحرفة القديمة إلى طموح الجيل الجديد.

فالمعرض لم يكن مجرد سوق لعرض المنتجات، بل مساحة لدعم أصحاب المشاريع الصغيرة وتشجيع الإنتاج المحلي، ورسالة واضحة بأن التنمية والثقافة والعمل الأهلي هي أيضاً جزء من الصمود. ففي منطقة تعيش ظروفاً استثنائية بسبب الحرب في جنوب لبنان، تصبح هذه النشاطات حاجة اجتماعية ونفسية قبل أن تكون نشاطاً اقتصادياً.

فالناس بحاجة إلى أماكن تجمعهم، إلى لحظات يشعرون فيها بأن الحياة لم تتوقف، وبأن المجتمع قادر على صناعة الفرح حتى في أصعب المراحل. ومن هنا تأتي أهمية دور المؤسسات الإنمائية التي لا تكتفي بالمساعدة، بل تخلق فرصاً للتلاقي، وتدعم الطاقات المحلية، وتحافظ على العلاقة بين الإنسان وأرضه.

إن استمرار مثل هذه المبادرات في الجنوب يحمل معنى عميقاً؛ لأن مواجهة الحرب لا تكون فقط بالبقاء في الأرض، بل أيضاً بالحفاظ على تفاصيل الحياة فيها. فحين تعرض سيدة منتجاً صنعته بيديها، وحين يقدم مزارع خير أرضه للناس، وحين يلتقي أبناء البلدة في مساحة آمنة ومليئة بالحركة، يصبح ذلك إعلاناً بأن المجتمع ما زال قادراً على النهوض.

ماجي أخضر لـ”المسمار”: “البيدر رسالة بأن الجنوب ليس فقط صورة حرب”
وفي حديث خاص مع فريق “المسمار”، تحدثت المنظِّمة ماجي أخضر عن أهمية المعرض والرسالة التي يحملها في هذه المرحلة.

وقالت أخضر:
“فكرة معرض البيدر جاءت من رغبة حقيقية في جمع الناس حول الأرض والإنتاج والتراث. نحن نعيش أياماً صعبة، لكننا نؤمن أن دورنا هو أن نحافظ على مساحات الأمل، وأن نعطي الناس فرصة ليظهروا تعبهم وإبداعهم.”

وأضافت:
“الجنوب لا يجب أن يُرى فقط من خلال صور الحرب والدمار، هناك وجه آخر للجنوب: هناك مزارعون، حرفيون، سيدات منتجات، وشباب لديهم أفكار وطموحات. نحن أردنا أن نسلّط الضوء على هذا الوجه الجميل.”

وعن أهمية إقامة النشاطات في ظل الظروف الراهنة، أوضحت:
“في هذه المرحلة، هذه النشاطات أصبحت ضرورة. الناس بحاجة إلى اللقاء، إلى الشعور بأن الحياة مستمرة، وبأن هناك من يهتم بهم ويدعمهم. أحياناً مساحة صغيرة للفرح تعطي طاقة كبيرة للاستمرار.”

وتابعت:
“الهدف ليس فقط عرض المنتجات، بل دعم أصحابها وتشجيعهم. عندما نشتري منتجاً محلياً أو نشجع حرفة معينة، نحن ندعم عائلة ونحافظ على تراث ونقوّي ارتباط الإنسان بأرضه.”

وختمت أخضر حديثها بالقول:
“رسالتنا بسيطة: نحن هنا، وهذه أرضنا، وهذه قصص أهلنا. مهما كانت الظروف قاسية، سنبقى نخلق مساحات تجمع الناس وتزرع الأمل.”

البيدر… أكثر من معرض
ما يميز “معرض البيدر” أنه جاء في توقيت يحتاج فيه الجنوب إلى ما يتجاوز الأخبار اليومية. إنه تذكير بأن خلف كل أزمة هناك مجتمع يحاول أن يعيش، وخلف كل صورة حرب هناك عائلات تعمل وتنتج وتحلم.

فالجنوب الذي عرف الألم يعرف أيضاً كيف يصنع الجمال. والأرض التي تعطي الزيت والزعتر والعسل والحكايات، لا يمكن أن تُختصر بالدمار فقط.

هنا، في الزرارية، لم يكن “البيدر” مجرد اسم لمعرض؛ كان استعارة عن موسم جديد من الإصرار. فكما يجمع الفلاح محصوله بعد تعب طويل، يجمع أهل الجنوب اليوم لحظات الأمل من بين صعوباتهم، ليقولوا إن الحياة باقية، وإن الإنسان الذي يحافظ على أرضه وثقافته وذاكرته هو شريك أساسي في صناعة المستقبل.

“مصدر الصور: موقع الزرارية نيوز، مع حفظ كامل حقوق النشر والملكية الفكرية للمصدر.”





