قبل سنوات قليلة فقط، بدت شركة “شي إن” (Shein) وكأنها واحدة من أكبر قصص النجاح في عالم الأزياء الرقمية؛ نموذج تجاري قلب قواعد الموضة السريعة عبر آلاف التصميمات الجديدة يومياً، وأسعار منخفضة، وخوارزميات قادرة على رصد رغبات المستهلكين قبل تحولها إلى اتجاهات عالمية.
وفي ربيع عام 2022، وصلت الشركة إلى ذروة الاهتمام الاستثماري، بعدما اقترب تقييمها من 100 مليار دولار، لتصبح واحدة من أعلى الشركات الناشئة الخاصة قيمة في العالم.
لكن مع استعدادها للإدراج في بورصة هونغ كونغ، تبدو الصورة مختلفة تماماً؛ إذ تُقدّر القيمة السوقية الاسترشادية للشركة بين 25.7 و26.8 مليار دولار أميركي، ما يعني تراجعاً كبيراً مقارنة بتقييمها القياسي السابق.
من شركة ناشئة إلى إمبراطورية أزياء رقمية
بدأت رحلة “شي إن” في الصين عام 2012، قبل أن تعتمد اسمها الحالي وتطلق تطبيقها للهواتف الذكية عام 2015. واليوم تعمل كشركة قابضة مسجلة في جزر كايمان وتتخذ من سنغافورة مقراً لها، مع استمرار ارتباط شبكة الإنتاج الأساسية بالموردين في الصين.
وتصف الشركة نفسها بأنها منصة عالمية للأزياء ونمط الحياة عبر الإنترنت، حيث خدمت نحو 273 مليون عميل نشط في 160 سوقاً خلال عام 2025، وحققت إيرادات بلغت 41.8 مليار دولار، مع أكثر من مليار طلب شراء.
سر النجاح: الموضة تحت الطلب
اعتمدت “شي إن” على نموذج مختلف عن شركات الأزياء التقليدية، يقوم على إنتاج كميات صغيرة من التصميمات، ثم مراقبة تفاعل المستهلكين قبل زيادة الإنتاج.
فبدلاً من تصنيع كميات ضخمة مسبقاً، تبدأ الشركة عادة بدفعات لا تتجاوز 100 إلى 200 قطعة، ثم تعتمد على البيانات والمبيعات الفورية لتحديد المنتجات التي تستحق التوسع.
وسمح هذا النموذج للشركة بعرض أكثر من مليوني تصميم، وإضافة آلاف المنتجات الجديدة يومياً، مع الحفاظ على مستويات منخفضة من المخزون غير المباع.
رحلة الصعود إلى التقييم التاريخي
شهد تقييم “شي إن” ارتفاعاً سريعاً خلال سنوات قليلة. ففي عام 2018 وصل تقييمها إلى نحو 2.4 مليار دولار، ثم ارتفع خلال فترة جائحة كورونا مع انتقال المستهلكين إلى التسوق الإلكتروني.
وفي عام 2022، وصلت الشركة إلى تقييم يقارب 98.2 مليار دولار بعد جولة استثمارية جمعت خلالها نحو 1.8 مليار دولار، وهو الرقم الذي قربها إعلامياً من حاجز 100 مليار دولار.
وكان المستثمرون يراهنون آنذاك على قدرة الشركة على الجمع بين سرعة اكتشاف الاتجاهات مثل منصات التواصل الاجتماعي، وتحليل البيانات، وكفاءة التصنيع منخفض التكلفة.
لماذا تراجع التقييم؟
بدأت قيمة الشركة بالتراجع مع تغير ظروف السوق العالمية، وارتفاع أسعار الفائدة، وانخفاض شهية المستثمرين تجاه شركات التكنولوجيا والنمو السريع.
كما تباطأ نمو الإيرادات؛ فبعد ارتفاعها من 32.1 مليار دولار عام 2023 إلى 38.7 ملياراً عام 2024، وصلت إلى 41.8 ملياراً عام 2025 فقط، قبل أن تسجل زيادة محدودة في الربع الأول من 2026.
وبذلك أصبح السؤال لدى المستثمرين ليس فقط حجم المبيعات، بل قدرة الشركة على تحقيق نمو مربح ومستدام.
نهاية عصر الشحن الرخيص
كان أحد أسرار نجاح “شي إن” اعتمادها على شحنات صغيرة مباشرة إلى المستهلكين، مستفيدة من إعفاءات جمركية في بعض الأسواق، خصوصاً الولايات المتحدة.
لكن الولايات المتحدة أنهت إعفاءات جمركية كانت تساعد هذا النموذج ابتداءً من عام 2025، ما أدى إلى زيادة التكاليف وارتفاع الضغط على أسعار المنتجات.
كما واجهت الشركة تحديات مشابهة في أوروبا بعد تغييرات جمركية جديدة، ما وضع نموذجها القائم على الشحن منخفض التكلفة أمام اختبار حقيقي.
منافسون جدد في سوق الأزياء السريعة
لم تعد “شي إن” اللاعب الوحيد في هذا المجال، إذ ظهرت منصات منافسة مثل “تيمو” و**”تيك توك شوب”** و**”أمازون هاول”**، وجميعها تعتمد على الجمع بين الأسعار المنخفضة، والبيانات، وسرعة الوصول إلى المستهلك.
وفي مواجهة المنافسة، ارتفع إنفاق “شي إن” التسويقي بشكل كبير، لكنه لم يقابله نمو مماثل في المبيعات، ما أثار مخاوف بشأن تكلفة الحفاظ على الزخم السابق.
الإدراج.. اختبار جديد للشركة
واجهت “شي إن” صعوبات في خطط الإدراج السابقة، بداية من نيويورك وصولاً إلى لندن، بسبب ضغوط سياسية وتنظيمية وتساؤلات حول سلسلة التوريد.
وفي النهاية اتجهت الشركة إلى بورصة هونغ كونغ بعد حصولها على الموافقات التنظيمية اللازمة لإصدار الأسهم.
ومن المقرر أن يمثل الإدراج أول اختبار علني حقيقي لقيمة الشركة أمام المستثمرين في السوق، بعدما كانت تقييماتها السابقة تعتمد على جولات تمويل خاصة.
هل انتهى عصر “شي إن”؟
رغم تراجع التقييم، لا تشير الأرقام إلى انهيار تشغيلي كامل؛ فقد حققت الشركة أرباحاً تشغيلية، وتمتلك سيولة مالية كبيرة، بينما ترتبط الخسارة الأخيرة بشكل أساسي بإعادة تقييم محاسبية لبعض الأدوات المالية.
لكن ما تغير فعلاً هو التوقعات. فالقيمة التي وصلت إليها “شي إن” في 2022 لم تكن مبنية فقط على حجم أعمالها، بل على توقع استمرار نمو استثنائي بلا عوائق.
وكما تشير البيانات، فإن ما تراجع حتى الآن ليس قدرة الشركة على بيع ملايين المنتجات، بل الرواية الاستثمارية التي صنعت تقييمها القياسي.





