حذّر صندوق الأمم المتحدة للسكان من استمرار تدهور الأوضاع الإنسانية في اليمن، مؤكداً أنّ أكثر من 22 مليون شخص، بينهم نحو 10.95 ملايين امرأة وفتاة، يحتاجون إلى شكل من أشكال المساعدة الإنسانية خلال عام 2026، بعد أكثر من عقد من الحرب والانهيار الاقتصادي وتراجع الخدمات الأساسية. كما تجاوز عدد النازحين داخلياً 5.2 ملايين شخص، ما يجعل اليمن واحداً من أكبر مراكز الأزمات الإنسانية وأكثرها تعقيداً في العالم.
وأوضح الصندوق أنّ نقص التمويل لم يعد مجرّد تحدٍّ إداري يواجه المنظمات الإنسانية، بل أصبح تهديداً مباشراً لاستمرار الخدمات المنقذة للحياة، ولا سيما خدمات الصحة الإنجابية، ورعاية الحوامل والمواليد، وحماية النساء والفتيات من العنف القائم على النوع الاجتماعي.
وقد أدّت التخفيضات المالية بالفعل إلى حرمان نحو 1.5 مليون امرأة وفتاة من خدمات أساسية، فيما حذّر الصندوق من أنّ استمرار تراجع الدعم قد يتسبب بإغلاق أكثر من 700 مركز صحي، وحرمان قرابة سبعة ملايين شخص من الرعاية المنقذة للحياة.
وتتفاقم الأزمة الإنسانية بالتزامن مع ارتفاع مستويات انعدام الأمن الغذائي، وتدهور القدرة الشرائية، وضعف المؤسسات الصحية، وصعوبة وصول المساعدات إلى المناطق المتضررة. وتتحمل النساء والأطفال والنازحون والأشخاص ذوو الإعاقة العبء الأكبر، في ظل محدودية الرعاية الطبية وارتفاع مخاطر سوء التغذية والعنف والاستغلال.
ولا يمكن فصل هذا التدهور عن القيود المفروضة منذ سنوات على حركة الأشخاص والبضائع. فقد أُغلق مطار صنعاء أمام الرحلات التجارية بصورة فعلية منذ التاسع من آب/أغسطس 2016، ما أعاق سفر آلاف المرضى والطلاب والمواطنين، ودفع الأمم المتحدة مراراً إلى المطالبة بإعادة فتحه أمام الرحلات المدنية والإنسانية.
وفي تموز/يوليو 2026، تحوّل المطار مجدداً إلى نقطة توتر إقليمي بعد تشغيل رحلات إيرانية مرتبطة بنقل وفود ومواطنين يمنيين. وقالت جماعة أنصار الله إن إحدى الرحلات ضمّت أكثر من 200 مريض ومسافر، وقدّمتها بوصفها اختراقاً للعزلة الجوية المفروضة على صنعاء. في المقابل، عدّت الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً تشغيل الرحلات من دون موافقتها انتهاكاً لسيادة البلاد، بينما ظهرت لاحقاً تقارير تتحدث عن أهداف عسكرية محتملة لبعض الرحلات، وهو ما نفته طهران، مؤكدةً أنّها خُصصت لنقل الوفود والمرضى.
ويكشف هذا التباين في الروايات أنّ المجال الجوي اليمني لم يعد قضية إنسانية فقط، بل تحوّل أيضاً إلى ساحة صراع سياسي وعسكري بين أطراف محلية وإقليمية، الأمر الذي يعرّض المدنيين لمزيد من العزلة ويهدّد بإعادة البلاد إلى دورة جديدة من التصعيد.
أمام هذا الواقع، دعا صندوق الأمم المتحدة للسكان المجتمع الدولي إلى زيادة التمويل بصورة عاجلة، وضمان استمرار خدمات الصحة والحماية والمساعدات الأساسية. فالتراجع المالي في مرحلة تتزايد فيها الاحتياجات لا يعني تقليص البرامج فحسب، بل يعني إغلاق مستشفيات ومراكز حماية، وتعريض حياة ملايين المدنيين للخطر.
إنّ معالجة الأزمة اليمنية تتطلب أكثر من مساعدات مؤقتة؛ فهي تستدعي حماية المرافق المدنية، وتسهيل حركة المرضى والمساعدات، وتحييد المطارات والموانئ عن الصراع، بالتوازي مع الدفع نحو تسوية سياسية شاملة. ومن دون ذلك، ستبقى التحذيرات الإنسانية تتكرر، فيما يدفع اليمنيون وحدهم ثمن الحرب والحصار والانقسام.




