اعتمدت إدارة الغذاء والدواء الأميركية عقار ليبفندرا (Lipfendra)، الذي يحتوي على المادة الفعالة إنليسيتيد (Enlicitide)، بوصفه أول علاج فموي يستهدف بروتين PCSK9، أحد البروتينات المؤثرة مباشرة في تنظيم مستويات الكوليسترول منخفض الكثافة «LDL» في الدم.
ويُتناول العقار في صورة قرص واحد يوميا، إلى جانب اتباع نظام غذائي مناسب وممارسة النشاط البدني، بهدف خفض مستويات الكوليسترول الضار لدى البالغين المصابين بارتفاع الكوليسترول، بمن فيهم مرضى فرط كوليسترول الدم العائلي متغاير الزيجوت، وهو اضطراب وراثي يؤدي إلى ارتفاع مستويات الكوليسترول منذ سن مبكرة.
ولا يعني وصف العقار بأنه «الأول من نوعه» أنه أول دواء فموي لعلاج ارتفاع الكوليسترول؛ إذ تتوافر منذ عقود علاجات مثل الستاتين والإيزيتيميب. وتكمن أهميته في كونه أول علاج يؤخذ عن طريق الفم ويعمل مباشرة على تثبيط بروتين PCSK9، بعدما اقتصرت العلاجات التي تستهدف هذا البروتين على الحقن.
لماذا يمثل العقار تطورا مهما؟
تأتي الموافقة على الدواء في وقت لا تزال فيه أمراض القلب والأوعية الدموية السبب الأول للوفاة عالميا. ويمثل ارتفاع مستوى الكوليسترول الضار أحد أبرز عوامل الخطورة المرتبطة بتصلب الشرايين والنوبات القلبية والسكتات الدماغية.
وكانت مثبطات PCSK9 المتاحة سابقا تُعطى عن طريق الحقن، سواء كل أسبوعين أو على فترات أطول، وفقا لنوع العلاج. ورغم فعاليتها العالية، فإن تكلفتها وطريقة إعطائها قد تحدان من استخدامها لدى بعض المرضى.
لذلك قد يوفر القرص اليومي خيارا أكثر سهولة للأشخاص الذين يحتاجون إلى خفض إضافي في مستويات الكوليسترول، ولا يفضلون العلاج بالحقن أو يجدون صعوبة في الاستمرار عليه.
كيف يعمل إنليسيتيد؟
يرتبط بروتين PCSK9 بمستقبلات الكوليسترول الضار الموجودة على سطح خلايا الكبد، ويسهم في تكسيرها ومنع إعادة استخدامها.
وتؤدي هذه المستقبلات دورا أساسيا في التقاط جزيئات الكوليسترول منخفض الكثافة من مجرى الدم ونقلها إلى الكبد للتخلص منها. وعندما يُثبط بروتين PCSK9، يحتفظ الكبد بعدد أكبر من مستقبلات LDL، فتزداد قدرته على إزالة الكوليسترول الضار من الدم.
وتختلف هذه الآلية عن طريقة عمل أدوية الستاتين، التي تقلل إنتاج الكوليسترول داخل الكبد من خلال تثبيط إنزيم يُعرف باسم HMG-CoA reductase.
ولهذا يمكن استخدام مثبطات PCSK9 إلى جانب الستاتين أو غيره من العلاجات التقليدية، خصوصا عندما لا يحقق المريض المستوى المستهدف من الكوليسترول رغم تلقي العلاج المناسب.
نتائج سريرية مشجعة
اختُبرت فعالية العقار وسلامته في دراستين عشوائيتين شملتا أكثر من 3200 شخص بالغ، كانوا يتلقون أعلى جرعة يمكنهم تحملها من أدوية الستاتين.
وأظهرت النتائج انخفاضا متوسطا في مستويات الكوليسترول الضار بلغ نحو 56% بعد 24 أسبوعا لدى مرضى القلب والأشخاص الأكثر عرضة للإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية، في حين وصل الانخفاض إلى نحو 59% لدى المصابين بارتفاع الكوليسترول الوراثي.
كما كانت معدلات الآثار الجانبية قريبة إجمالا من معدلاتها لدى المشاركين الذين تلقوا علاجا وهميا، مع تسجيل بعض الأعراض، مثل الإسهال والدوخة، بصورة أكثر شيوعا في إحدى الدراسات.
ومع ذلك، فإن خفض مستوى الكوليسترول في التحاليل لا يكفي وحده للحكم النهائي على القيمة العلاجية للدواء. وستظل متابعة تأثيره طويل الأمد في معدلات الإصابة بالنوبات القلبية والسكتات الدماغية والوفيات القلبية أمرا مهما لتحديد موقعه الدقيق ضمن الخطط العلاجية.
تحدي تحويل العلاج إلى قرص فموي
تمثل الأدوية ذات الطبيعة الببتيدية تحديا كبيرا عند تطويرها في صورة أقراص؛ إذ قد تتعرض للتحلل بفعل أحماض المعدة والإنزيمات الهاضمة، كما قد تواجه صعوبة في عبور جدار الأمعاء والوصول إلى الدورة الدموية.
وتستخدم شركات الأدوية تقنيات خاصة لحماية المادة الفعالة وتحسين امتصاصها، بما يضمن وصول كمية كافية منها إلى الدم لتحقيق التأثير العلاجي المطلوب، وهو ما يُعرف بالتوافر الحيوي.
ولا يشترط أن تصل المادة الفعالة إلى الدم بنسبة كاملة، وإنما يجب أن تصل بجرعة كافية وآمنة وقابلة للتكرار. وتشير نتائج الدراسات إلى أن الامتصاص الذي حققه العقار كان كافيا لتثبيط بروتين PCSK9 وخفض مستويات LDL بنسب قاربت 60%.
نمط الحياة يظل أساس العلاج
على الرغم من أهمية العقار الجديد، فإن علاج ارتفاع الكوليسترول لا يبدأ عادة باختيار دواء بعينه، وإنما بتقييم شامل لحالة المريض، يشمل مستوى الكوليسترول، والعمر، والتاريخ العائلي، ووجود أمراض مثل السكري وارتفاع ضغط الدم، واحتمالات الإصابة بأمراض القلب.
ويظل تعديل نمط الحياة خطوة أساسية، من خلال تقليل الدهون المشبعة والمتحولة، والحفاظ على وزن صحي، وممارسة النشاط البدني بانتظام، والامتناع عن التدخين.
لكن هذه الإجراءات قد لا تكون كافية لدى المصابين بارتفاع الكوليسترول الوراثي أو الأشخاص المعرضين بدرجة مرتفعة لأمراض القلب، وهو ما يستدعي استخدام العلاج الدوائي للوصول إلى المستويات المستهدفة.
هل يحل العقار محل الستاتين أو الحقن؟
لا يمثل إنليسيتيد بديلا تلقائيا لأدوية الستاتين، كما لا يعني اعتماده الاستغناء عن جميع مثبطات PCSK9 التي تُعطى بالحقن.
فالاختيار بين الأقراص والحقن يعتمد على عوامل متعددة، منها شدة ارتفاع الكوليسترول، ودرجة الخطورة القلبية، ومدى استجابة المريض للعلاجات الأخرى، وقدرته على الالتزام بقرص يومي، وحالة جهازه الهضمي، إضافة إلى تكلفة العلاج ومدى توافره.
وقد تكون الحقن طويلة المفعول أكثر ملاءمة لمريض يجد صعوبة في تذكر تناول الدواء يوميا، بينما قد يفضل مريض آخر القرص الفموي لتجنب الإبر أو التفاعلات الجلدية المصاحبة لها.
خطوة واعدة وليست حلا منفردا
يمثل اعتماد أول مثبط فموي لبروتين PCSK9 تطورا مهما في مجال علاج اضطرابات الدهون، وقد يسهم في توسيع الخيارات المتاحة أمام المرضى والأطباء وتحسين الالتزام بالعلاج.
لكن القيمة الحقيقية للعقار ستتحدد بناء على عدة عوامل، من بينها سعره، ومدى توافره، ونتائج المتابعة طويلة الأمد، وقدرته على تقليل المضاعفات القلبية الفعلية، وليس فقط خفض الأرقام المسجلة في التحاليل.
ولهذا ينبغي ألا يوقف المرضى علاجاتهم الحالية أو يستبدلوها بالعقار الجديد من تلقاء أنفسهم، إذ يظل اختيار العلاج والجرعة المناسبة قرارا طبيا فرديا، يعتمد على التاريخ المرضي والتحاليل وعوامل الخطورة والاستجابة للعلاج.





