هزّت سلسلة تفجيرات إسرائيلية واسعة منطقة مرتفعات الشقيف في جنوب لبنان فجر الجمعة 31 تموز/يوليو 2026، في عملية قال الجيش الإسرائيلي إنها استهدفت شبكة أنفاق تابعة لحزب الله. وبينما أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه يسرائيل كاتس استخدام نحو 700 طن من المتفجرات لتدمير المنشآت تحت الأرض، أكدت وزارة الثقافة اللبنانية أن قلعة الشقيف الأثرية نفسها لم تتعرض للتدمير، من دون أن تستبعد وقوع أضرار في محيطها نتيجة قوة الانفجارات والارتجاجات الناجمة عنها.
الرواية الإسرائيلية: تدمير شبكة تحت مرتفعات الشقيف
قال نتنياهو وكاتس، في بيان مشترك، إن الجيش الإسرائيلي فجّر شبكة أنفاق تحت «مرتفع الشقيف»، زاعمين أنها كانت جزءاً أساسياً من خطة لحزب الله تستهدف بلدات الجليل. وأضاف البيان أن العملية جاءت رداً على ما وصفته إسرائيل بأنه خرق لاتفاق وقف إطلاق النار، بعد استهداف آلية هندسية إسرائيلية غير مأهولة بطائرة مسيّرة مفخخة.
وبحسب الرواية الإسرائيلية، استُخدم نحو 700 طن من المتفجرات في العملية، وهي كمية استثنائية تعكس حجم التفجير واتساع المنطقة المستهدفة. كما أعلن الجيش الإسرائيلي أنه سيواصل وجوده وعملياته داخل ما يسميه «المنطقة الأمنية» في جنوب لبنان، بذريعة منع حزب الله من إعادة بناء قدراته العسكرية.
وكان الجيش الإسرائيلي قد أعلن، في 7 حزيران/يونيو 2026، اكتشاف شبكة أنفاق متعددة المستويات تحت «مرتفع الشقيف»، قال إنها تضم غرفاً للإقامة ومخازن أسلحة ومنشآت للقيادة والسيطرة، وتقع على مسافة نحو ستة كيلومترات من مستوطنة المطلة. غير أن هذه المعلومات تستند بصورة أساسية إلى بيانات ومواد مصورة نشرها الجيش الإسرائيلي، ولم تخضع حتى الآن لمعاينة لبنانية أو دولية مستقلة.
القلعة لم تُدمّر.. لكن محيطها خارج التقييم
في المقابل، أعلنت وزارة الثقافة اللبنانية، عبر المديرية العامة للآثار، أن المعلومات المتوافرة لا تشير إلى تدمير قلعة الشقيف نفسها. وأوضحت أن التفجيرات نُفذت في المنطقة المقابلة للموقع، وأن الارتجاجات قد تكون ألحقت أضراراً بالمحيط الأثري والطبيعي، لكن تحديد طبيعتها وحجمها يتطلب معاينة ميدانية مباشرة.
وأكدت المديرية أن الفرق الفنية اللبنانية غير قادرة على الوصول إلى المكان بسبب خضوع المنطقة للسيطرة العسكرية الإسرائيلية، ما يعني أن أي استنتاج نهائي بشأن سلامة الجدران والأساسات والممرات التاريخية أو المشهد الثقافي المحيط بالقلعة يبقى سابقاً لأوانه.
وأفاد مركز الجيوفيزياء التابع للمجلس الوطني للبحوث العلمية في لبنان بأن الموجات الأرضية الناتجة عن التفجيرات عادل تأثيرها هزة بقوة 3.8 درجات. كما أظهرت صور من المنطقة انتشار غبار كثيف وتغيرات واسعة في التلال والأراضي الصخرية المحيطة، في حين لم يظهر في الصور المتاحة انهيار مباشر في المبنى التاريخي للقلعة.
هل كانت الأنفاق فعلاً أسفل الموقع الأثري؟
تُعد هذه النقطة جوهر الخلاف بين الروايتين اللبنانية والإسرائيلية. فالبيانات الإسرائيلية تستخدم تعبير «تحت مرتفع الشقيف» أو «في منطقة الشقيف»، وهو توصيف جغرافي أوسع من النطاق الأثري المباشر للقلعة. ولذلك، لا يمكن تلقائياً مساواة وجود منشآت تحت المرتفع بوجودها أسفل الأبنية التاريخية أو داخل حدود الموقع الأثري المسجل.
وكانت وزارة الثقافة والمديرية العامة للآثار قد رفضتا، قبل التفجيرات الأخيرة، المزاعم الإسرائيلية بشأن استخدام القلعة لأغراض عسكرية. وقالتا إن التدقيق في الخرائط والمشاهد التي نشرها الجيش الإسرائيلي يُظهر أن المواقع المشار إليها تقع بعيداً عن القلعة ومحيطها المباشر، ولا ترتبط، وفق التقييم اللبناني، بالمنشأة الأثرية نفسها.
وعليه، فإن الصياغة الأكثر دقة في المرحلة الراهنة هي أن إسرائيل أعلنت تدمير أنفاق في منطقة مرتفعات الشقيف، بينما لم يثبت بصورة مستقلة أن هذه الأنفاق كانت داخل حدود القلعة الأثرية أو تحت مبانيها التاريخية. كما لا يمكن نفي وقوع أضرار إنشائية غير ظاهرة قبل وصول خبراء الآثار والهندسة إلى الموقع.
موقع عالمي مهدد بالخطر
تكتسب التفجيرات خطورتها من القيمة التاريخية والقانونية الاستثنائية للموقع. ففي 24 تموز/يوليو 2026، أدرجت لجنة التراث العالمي «قلاع جبل عامل» على لائحة التراث العالمي ولائحة التراث العالمي المهدد بالخطر. ويضم الملف خمسة مواقع محصنة هي قلعة الشقيف، وقلعة تبنين، وقلعة شقرا، وقلعة دير كيفا، وقلعة شمع.
وتوضح اليونسكو أن هذه القلاع تشكل شبكة دفاعية وإدارية تاريخية أُقيمت على تلال ومرتفعات استراتيجية، وتحمل طبقات معمارية تعود إلى فترات صليبية وأيوبية ومملوكية وعثمانية ومحلية متعاقبة. ولذلك، لا تقتصر قيمة قلعة الشقيف على مبناها الحجري، بل تشمل أيضاً المشهد المحيط بها وعلاقتها الجغرافية والتاريخية بالمنطقة.
كما حصلت قلعة الشقيف وقلاع جبل عامل، في تشرين الثاني/نوفمبر 2024، على حماية معززة مؤقتة بموجب البروتوكول الثاني لاتفاقية لاهاي لعام 1954 بشأن حماية الممتلكات الثقافية أثناء النزاعات المسلحة. وهذا التصنيف يلزم أطراف النزاع بالامتناع عن استهداف الممتلك الثقافي أو استخدامه ومحيطه المباشر لدعم العمليات العسكرية.
الحماية القانونية لا تُحسم ببيان عسكري
لا يعني تصنيف الموقع تراثياً استبعاد احتمال وجود نشاط عسكري في منطقة جغرافية قريبة منه، لكنه يفرض معايير شديدة الصرامة قبل استهدافه أو تعريضه للخطر. ووفق البروتوكول الثاني لاتفاقية لاهاي، لا يفقد الموقع ذو الحماية المعززة حصانته إلا إذا أصبح، نتيجة استخدامه الفعلي، هدفاً عسكرياً، وللمدة التي يستمر فيها ذلك الاستخدام.
وحتى في هذه الحالة، يشترط البروتوكول أن يكون الهجوم الوسيلة الوحيدة الممكنة لإنهاء الاستخدام العسكري، وأن تُتخذ الاحتياطات القابلة للتطبيق لتجنب الإضرار بالموقع أو تقليله، مع إصدار إنذار مسبق ومنح مهلة معقولة عندما تسمح الظروف بذلك.
لذلك، لا يكفي إعلان أحد أطراف النزاع وجود أنفاق أو منشآت عسكرية لتحديد الوضع القانوني للعملية. ويحتاج تقييم ما إذا كانت التفجيرات قد انتهكت قواعد حماية التراث إلى تحقيق مستقل يحدد الإحداثيات الدقيقة للأنفاق، والمسافة بينها وبين حدود الموقع الأثري، وطبيعة استخدامها، وحجم الخطر الذي كانت تمثله، والبدائل المتاحة للتعامل معها، والاحتياطات التي اتُخذت لحماية القلعة ومحيطها.
حتى الآن، لا تتوافر أدلة موثوقة على تدمير قلعة الشقيف نفسها. المؤكد أن إسرائيل نفذت عملية تفجير ضخمة في مرتفعات الشقيف، وأعلنت استخدام 700 طن من المتفجرات لتدمير شبكة قالت إنها تابعة لحزب الله. والمؤكد أيضاً أن السلطات اللبنانية لم تتمكن من دخول الموقع لتقييم الأضرار، وأن المشهد الطبيعي والأثري المحيط تعرض لارتجاجات وتغييرات واسعة.
أما القول إن الأنفاق كانت «أسفل القلعة» بالمعنى الأثري والهندسي الدقيق، أو إن التفجيرات لم تؤثر إطلاقاً في سلامة الموقع، فهما استنتاجان لا يمكن إثبات أي منهما قبل إجراء مسح ميداني مستقل. وبين الروايات العسكرية المتعارضة، تبقى الأولوية لحماية الموقع، وتمكين الخبراء اللبنانيين والدوليين من الوصول إليه، وتوثيق ما جرى قبل ضياع الأدلة أو وقوع أضرار إضافية في واحد من أبرز معالم التراث التاريخي في جنوب لبنان.





