لم تعد الاتهامات الموجّهة إلى شركات التواصل الاجتماعي تقتصر على النقاشات الأكاديمية أو التحذيرات الصادرة عن خبراء الصحة النفسية، بل انتقلت إلى ساحات القضاء، حيث قد ترسم المحاكم ملامح مرحلة جديدة في العلاقة بين التكنولوجيا والمجتمع. واليوم، تقف شركة «ميتا» أمام واحدة من أكثر القضايا حساسية، في محاكمة تستضيفها ولاية تينيسي الأميركية، وسط اتهامات تتجاوز مجرد سوء الإدارة، لتصل إلى الادعاء بأن منصة «إنستغرام» صُممت بطريقة تدفع المراهقين إلى الاستخدام القهري، مع إخفاء نتائج أبحاث داخلية تشير إلى الأضرار النفسية التي قد تلحق بهم.
القضية لا تتعلق بتطبيق واحد أو بشركة بعينها، بل تطرح سؤالاً جوهرياً: إلى أي مدى يمكن تحميل منصات التواصل مسؤولية التأثير في سلوك الأطفال والمراهقين؟
وتؤكد ولاية تينيسي في دعواها أن «ميتا» انتهكت قانون حماية المستهلك عبر تصميم خصائص تزيد من ارتباط المستخدمين الصغار بالمنصة، مع تقديم صورة مضللة عن مستوى الأمان الذي توفره. كما تشير الدعوى إلى أن أبحاثاً داخلية كانت قد حذّرت من التأثيرات السلبية لـ«إنستغرام» على الصحة النفسية للمراهقين، إلا أن الشركة لم تكشف عنها بالشكل المناسب، ولم تتخذ خطوات كافية للحد من تلك الأضرار.
في المقابل، تنفي «ميتا» هذه الاتهامات، مؤكدة أنها طورت أدوات للرقابة الأبوية وحماية المراهقين، كما تستند إلى المادة 230 من قانون آداب الاتصالات الأميركي، التي تمنح المنصات الإلكترونية حماية قانونية واسعة من المسؤولية عن المحتوى الذي ينشره المستخدمون.
لكن أهمية المحاكمة تتجاوز حدود ولاية تينيسي. فالشركة تواجه سلسلة متصاعدة من الدعاوى في ولايات أميركية عدة، إضافة إلى ضغوط تنظيمية وتشريعية في أوروبا وأستراليا، حيث تتزايد المطالب بفرض قيود أكثر صرامة على استخدام الأطفال لوسائل التواصل الاجتماعي، وتشديد الرقابة على جمع البيانات الشخصية والخوارزميات التي تستهدف الفئات العمرية الصغيرة.
ورغم أن «ميتا» تمتلك إمكانات مالية هائلة تجعلها قادرة على تحمل غرامات بمئات الملايين من الدولارات، فإن الخطر الحقيقي يكمن في تراكم الأحكام القضائية وما قد ينتج عنها من تغييرات إجبارية في طريقة تصميم المنصات الرقمية وسياساتها تجاه الأطفال والمراهقين.
المفارقة أن العالم الذي فتح أبوابه على مصراعيها أمام وسائل التواصل قبل سنوات، بدأ اليوم يراجع الثمن الاجتماعي والنفسي الذي دفعه. فارتفاع معدلات القلق والاكتئاب والإدمان الرقمي بين الشباب، إلى جانب المخاوف المتعلقة بالخصوصية واستغلال البيانات، دفع الحكومات إلى الانتقال من مرحلة المراقبة إلى مرحلة التدخل المباشر.
قد لا تكون محاكمة تينيسي نهاية المواجهة، لكنها قد تكون البداية الفعلية لعصر جديد، تصبح فيه شركات التكنولوجيا مطالبة بإثبات أن أرباحها لا تأتي على حساب صحة الأطفال وسلامة المجتمع.
لقد اعتادت شركات التكنولوجيا أن تتحرك بسرعة تفوق سرعة القوانين، لكن يبدو أن القضاء بدأ يلحق بها. وإذا نجحت هذه الدعاوى في فرض سوابق قانونية جديدة، فقد يشهد العالم تحولاً جذرياً في مسؤولية المنصات الرقمية، لتصبح حماية الإنسان، وليس فقط تعظيم الأرباح، معياراً أساسياً لنجاحها.





