على أطراف مدينة صيدا، تجلس أم عصام أمام مدخل مدرسة تحولت إلى مركز إيواء مؤقت، تراقب أطفالها وهم يتقاسمون مساحة ضيقة مع عشرات العائلات الأخرى. لم تكن تتخيل أن رحلة الهروب من القصف ستقودها إلى مواجهة نوع آخر من العنف؛ عنف السوق والاستغلال.
تقول أم عصام: “كنا نبحث فقط عن غرفة تؤوينا، لكننا اكتشفنا أن النزوح أصبح فرصة للبعض لجمع الأموال على حساب الناس المنكوبين”.
ارتفاع جنوني في الأسعار
خلال الأسابيع الأخيرة، شهدت المدن والبلدات اللبنانية التي عُدّت أكثر أماناً تدفقاً كبيراً للنازحين. ومع ارتفاع الطلب على الشقق السكنية، قفزت الأسعار بشكل غير مسبوق.
شقق كانت تؤجَّر قبل الأزمة بـ300 دولار شهرياً أصبحت تُعرض اليوم بـ1200 و1800 دولار، فيما تجاوز إيجار بعض الشقق المتواضعة عتبة 2000 دولار، مع اشتراط دفع أشهر عدة مقدماً، وتأمينات مالية مرتفعة، إضافة إلى شهر عمولة للسمسار.
يقول أحد السماسرة العقاريين، طالباً عدم الكشف عن هويته: “بعض المالكين رفعوا الأسعار ثلاثة أضعاف خلال أيام قليلة فقط، مستفيدين من حاجة الناس الملحّة إلى السكن”.
سوق بلا ضوابط
أظهر التحقيق أن عدداً من أصحاب العقارات باتوا يفرضون شروطاً استثنائية على النازحين، مستغلين غياب الرقابة الفعلية. بعض العقود تتطلب دفع ثلاثة أشهر مسبقاً، فيما يرفض آخرون تأجير الشقق للعائلات الكبيرة أو للأسر التي لديها أطفال.
وأكد نازحون تحدثوا إلى موقع “المسمار” أنهم تعرضوا لمعاملة مهينة أثناء بحثهم عن مأوى.
يقول أبو حسن، وهو أب لخمسة أطفال: “في إحدى المرات نظر إلينا صاحب الشقة باحتقار وقال: إذا لم يعجبكم السعر فهناك مئات غيركم ينتظرون. شعرت حينها أننا لم نعد بشراً، بل مجرد وسيلة للربح”.
الاحتقار بدل التضامن
لم تقتصر المعاناة على الأسعار المرتفعة، بل امتدت إلى أشكال مختلفة من التمييز والإذلال.
روت سيدة نازحة أنها تعرضت للإهانة أكثر من مرة على يد مؤجرين أخضعوها، هي وأطفالها، لتحقيق دقيق حول انتماءاتهم وتأييدهم لطرف أو جهة معينة.
وتضيف: “كانوا يتعاملون معنا وكأننا عبء أو مشكلة، لا كعائلات فقدت بيوتها وأمانها”.
وتؤكد شهادات متعددة أن بعض المالكين فضلوا ترك شققهم فارغة، بانتظار مستأجر قادر على دفع مبالغ أعلى، بدلاً من تأجيرها لعائلات نازحة بأسعار معقولة.
اقتصاد الأزمة
يرى خبراء اقتصاديون أن ما يحدث يتجاوز الزيادة الطبيعية في الأسعار الناتجة عن ارتفاع الطلب، ويقترب من مفهوم “اقتصاد الكوارث”، حيث تتحول المآسي الإنسانية إلى فرص استثمارية سريعة.
ويشير متخصصون إلى أن غياب التسعير العادل والرقابة الحكومية سمح بظهور ممارسات احتكارية ومضاربات عقارية رفعت الأسعار إلى مستويات غير مبررة.
قصص خلف الأرقام
في أحد مراكز الإيواء، التقى فريق موقع “المسمار” عائلة عادت إلى المدرسة بعد أشهر من استئجار شقة. كان الأب يعمل بأجر يومي، لكن الإيجار المرتفع استنزف مدخراته بالكامل.
يقول الأب: “كنا ندفع الإيجار ونقتصد في الطعام والدواء. في النهاية لم نعد قادرين على الاستمرار، خصوصاً بعدما اضطرت زوجتي إلى بيع ذهبها. عدنا إلى مركز الإيواء لأننا لم نجد خياراً آخر”.
هذه القصة ليست استثناءً، بل نموذج يتكرر يومياً بين آلاف العائلات التي تجد نفسها عالقة بين الإيجارات الخيالية ومراكز الإيواء المكتظة.
أزمة أخلاقية قبل أن تكون عقارية
يكشف هذا الواقع عن أزمة تتجاوز حدود السكن والاقتصاد. فبينما يعيش النازحون واحدة من أصعب مراحل حياتهم، اختار البعض تحويل معاناتهم إلى مصدر للربح السريع.
وفي الوقت الذي يُفترض أن تكون المدن الآمنة ملاذاً للمتضررين، تحولت لدى كثير من العائلات إلى أسواق مفتوحة للمضاربة والاستغلال. أصبح الحصول على سقف يأوي الأسرة معركة يومية، وأصبحت الكرامة الإنسانية أول ضحايا أزمة السكن.
ويبقى السؤال مطروحاً: إلى متى سيبقى النزوح فرصة للمتاجرة بمعاناة البشر، في ظل غياب الرقابة والتنظيم من الدولة والبلديات، بدلاً من أن يكون مناسبة للتضامن والتكافل الإنساني؟




