لم تكن مدينة النبطية، إحدى أبرز مدن جنوب لبنان، مجرد بقعة جغرافية على خارطة الصراع، بل كانت على الدوام رمزا للثبات والارتباط العميق بالأرض. غير أن الأشهر الأخيرة حملت معها واقعا مختلفا فرض على كثير من سكان المدينة اتخاذ القرار الأصعب في حياتهم: مغادرة منازلهم والنزوح بحثا عن الأمان.
فبعد فترة طويلة من القصف الجوي والمدفعي الإسرائيلي المتواصل، شهدت المدينة موجة نزوح جديدة شملت عشرات العائلات التي ظلت متمسكة بالبقاء رغم المخاطر المتزايدة. ومع اقتراب العمليات العسكرية من محيط المدينة، وجد السكان أنفسهم أمام واقع لم يعد يحتمل المزيد من الانتظار أو المجازفة.
وخلال ساعات الليل، تحركت قوافل من المدنيين خارج المدينة بمواكبة فرق الإغاثة والجهات الرسمية، في مشهد أعاد إلى الأذهان صور النزوح التي عرفها اللبنانيون خلال محطات عديدة من تاريخهم الحديث. كان الخروج هذه المرة يحمل في طياته مشاعر مختلطة من الحزن والخوف والقلق على مستقبل مجهول.
ويروي أحد أبناء المدينة أن السكان اعتادوا خلال الأشهر الماضية على سماع أصوات الغارات الجوية، لكن تصاعد القصف المدفعي واقترابه من الأحياء السكنية جعل البقاء أمرا بالغ الخطورة. ويؤكد أن كثيرين لم يغادروا إلا بعدما استنفدوا كل أسباب الصمود، وتمسكوا بأمل أن تنتهي المواجهات قبل أن تصل إلى أبواب منازلهم.
أما أحد النازحين المسنين، فقد عبّر عن مرارة الرحيل بعد سنوات طويلة قضاها في مدينته، موضحا أن ارتباط الإنسان بأرضه لا يمكن تعويضه، وأن مغادرة المنزل ليست مجرد انتقال من مكان إلى آخر، بل اقتلاع مؤلم لجزء من الذاكرة والهوية والانتماء.
وتكشف شهادات النازحين عن حجم المأساة الإنسانية التي يعيشها المدنيون. فبينما كانت فرق الإغاثة والمتطوعون يسعون لتوفير الاحتياجات الأساسية للسكان، فقدت بعض العائلات أفرادا كانوا يشاركون في أعمال المساعدة الإنسانية. هذه الخسائر عمّقت مشاعر الحزن لدى الأهالي، الذين وجدوا أنفسهم يواجهون الحرب وتداعياتها الإنسانية في آن واحد.
وفي ظل هذا الواقع الصعب، يبرز القطاع الصحي كأحد أهم خطوط الدفاع الأخيرة في مواجهة الأزمة. فعلى الرغم من المخاطر الأمنية المتزايدة، لا تزال بعض المؤسسات الطبية تواصل تقديم خدماتها للمرضى والجرحى، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من الرعاية الصحية لسكان المنطقة. ويؤكد العاملون في هذه المرافق أن رسالتهم الإنسانية تتجاوز الظروف الاستثنائية، وأنهم مستمرون في أداء واجبهم رغم التحديات الكبيرة.
الدمار الذي لحق بالنبطية لم يقتصر على المباني السكنية والبنية التحتية، بل امتد إلى معالم ثقافية وتاريخية تشكل جزءا من ذاكرة المدينة وهويتها. وبين الأنقاض والحرائق وآثار القصف، تبدو المدينة وكأنها تخوض معركة للحفاظ على روحها وتاريخها في مواجهة مشهد واسع من الخراب.
وتعكس مأساة النبطية صورة أوسع للمعاناة الإنسانية التي يعيشها المدنيون في مناطق النزاع، حيث تتحول الحياة اليومية إلى سلسلة من القرارات المصيرية المرتبطة بالبقاء أو الرحيل. وفي كل منزل أُغلق بابه على عجل، وفي كل عائلة حملت ما استطاعت من ذكريات ومتاع، تتجسد قصة إنسانية مؤلمة عنوانها فقدان الأمان والتشبث بالأمل.
ورغم قسوة المشهد، يبقى الأمل حاضرا في نفوس أبناء المدينة الذين يؤمنون بأن العودة ستأتي يوما، وأن النبطية ستنهض من جديد كما فعلت في محطات سابقة من تاريخها. فالأرض التي حملت ذاكرة أجيال كاملة لا يمكن أن تغيب عن أهلها، مهما طال زمن الحرب أو اشتدت المحن.




