في مشهدٍ يلخّص قسوة الحرب وتحولات الحياة اليومية في جنوب لبنان، تحوّلت المسارح من فضاءات للعرض الفني إلى مراكز إيواء تحتضن عشرات العائلات النازحة، في ظل تصاعد الاعتداءات الإسرائيلية واتساع رقعة النزوح الداخلي.
في المسرح الوطني في مدينة صور، لم تعد الكراسي الحمراء تستقبل جمهورًا جاء لمشاهدة عرض، بل باتت مساحاتٍ يستريح عليها نازحون فرّوا من القرى الحدودية حاملين ما تيسّر من متاعهم. بطانيات مبعثرة، وحقائب مفتوحة تكشف شظف العيش، وأطفال ينامون حيث كان الممثلون يقفون يومًا على خشبة المسرح.
الضوء الذي كان يُستخدم لإبراز المشاهد الفنية، أُعيد توظيفه ليخدم احتياجات النزوح، في مشهد يعكس قدرة المجتمع المحلي على إعادة تشكيل الفضاءات الثقافية بما يتلاءم مع متطلبات البقاء.
الفن يتحول إلى وظيفة اجتماعية
مع اندلاع الحرب، برز دور المسارح كملاجئ بديلة، في ظل محدودية مراكز الإيواء التقليدية، خصوصًا في المناطق الجنوبية. وفي هذا السياق، لم يعد المسرح مجرد منصة ثقافية، بل تحوّل إلى مساحة اجتماعية تؤدي دورًا مزدوجًا: توفير الحد الأدنى من الأمان، والحفاظ على حضور الفن كجزء من الحياة اليومية.
ويؤكد القائمون على هذه المبادرات أن فتح أبواب المسارح أمام النازحين لا يأتي في إطار المساعدة الطارئة فحسب، بل يعكس تصورًا أعمق لوظيفة الفن، باعتباره جزءًا من النسيج الاجتماعي، لا ينفصل عنه في أوقات الأزمات.
فالمسرح، وفق هذا المنطق، لا يمكن أن يبقى حياديًا في مواجهة الألم، ولا أن يكتفي بدوره الترفيهي، بل يُفترض أن يكون صوتًا للمجتمع، وملاذًا له حين تضيق الخيارات.
صور… مدينة تحت ضغط النزوح
تُعد مدينة صور نقطة استقطاب رئيسية للنازحين من القرى الحدودية، نظرًا لموقعها الجغرافي وبنيتها الحضرية التي تضم مرافق صحية وتعليمية وأسواقًا حيوية. ومع كل تصعيد، تتكثف موجات النزوح نحوها، ما يضع ضغطًا متزايدًا على مواردها المحدودة.
ورغم توفر الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية داخل بعض المراكز، إلا أن هاجس انقطاع الإمدادات يبقى حاضرًا، في ظل استمرار العمليات العسكرية، وصعوبة الوصول إلى بعض المناطق.
هذا الواقع يجعل من المسارح، إلى جانب المدارس والمراكز العامة، جزءًا من منظومة الطوارئ غير الرسمية التي يعتمد عليها السكان لمواجهة تداعيات الحرب.
مساحة للتنفس وسط القلق
في قلب هذه الظروف، لا يقتصر دور المسرح على الإيواء، بل يتجاوز ذلك ليشكّل متنفسًا نفسيًا للنازحين.
تُنظَّم أنشطة ثقافية بسيطة، ويُفسح المجال أمام الأطفال للتفاعل مع المكان، في محاولة للتخفيف من وطأة الصدمة.
الأطفال الذين لم تتح لهم فرصة دخول المسرح سابقًا، باتوا اليوم يختبرون فضاءه عن قرب، يحفظون أسماء المسرحيات المعلّقة على جدرانه، ويحوّلون الكواليس إلى مساحات للعب، في مشهد يعكس تداخلاً فريدًا بين الفن والواقع القاسي.
تهديد مباشر للثقافة والتراث
لا يقتصر تأثير الحرب على الإنسان فحسب، بل يمتد ليطال البنية الثقافية والتراثية في لبنان. فعدد من المواقع الأثرية والمعالم الثقافية في الجنوب، بما في ذلك مدينة صور الأثرية ومواقع أخرى مدرجة على لوائح الحماية الدولية، باتت مهددة بفعل القصف والاهتزازات الناتجة عنه.
هذا الواقع يسلّط الضوء على هشاشة المشهد الثقافي في أوقات النزاعات، حيث تتحول أماكن المعرفة والفن إلى مواقع مهددة، أو إلى ملاجئ اضطرارية، تفقد وظائفها الأصلية تحت ضغط الضرورة.
بين الانهيار وإعادة التعريف
ما يجري في هذه المسارح يتجاوز كونه استجابة ظرفية، ليطرح تساؤلات أعمق حول معنى الفن ودوره في المجتمعات التي تعيش تحت وطأة الحروب.
فحين تتحول خشبة المسرح إلى مكان للنوم، وتتراجع العروض لصالح احتياجات البقاء، يبدو وكأن الفن قد تراجع خطوة إلى الخلف.
إلا أن هذا التراجع يحمل في طياته إعادة تعريف لوظيفته، بوصفه جزءًا من صمود المجتمع، لا مجرد انعكاس له.
في هذا السياق، لا يُقاس حضور الفن بعدد العروض أو حجم الجمهور، بل بقدرته على البقاء، وعلى احتضان الإنسان في أكثر لحظاته هشاشة.
وبينما تستمر الحرب في فرض إيقاعها القاسي، يبقى السؤال مفتوحًا:
هل يمكن للفن أن يحافظ على دوره في زمن تتحول فيه المسارح إلى ملاجئ؟
أم أن هذه التحولات، على قسوتها، تكشف الوجه الأكثر صدقًا للفن… حين يصبح ملاذًا، لا مجرد عرض؟



