تشهد الأسواق العالمية في اليوم العشرين من التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، تحولًا نوعيًا من صدمة جيوسياسية إلى صدمة عرض حقيقية في أسواق الطاقة، ما يضع الاقتصاد العالمي أمام موجة تضخمية جديدة ذات طابع هيكلي وليس ظرفيًا.
فمع انتقال العمليات العسكرية إلى استهداف مباشر للبنية التحتية للطاقة في الخليج، بدأت ملامح اختلال فعلي في توازن العرض والطلب، وهو ما انعكس فورًا في الأسعار الفورية (spot market) وليس فقط في العقود الآجلة.
في هذا السياق، يشكّل تصريح الرئيس التنفيذي لـ”قطر للطاقة”، سعد الكعبي، مؤشرًا بالغ الأهمية على حجم الصدمة، إذ إن تعطل نحو 17% من القدرة التصديرية للغاز الطبيعي المسال في قطر، أحد الأعمدة الرئيسية لإمدادات الغاز عالميًا، لا يمثل مجرد اضطراب مؤقت، بل يعكس تراجعًا هيكليًا في الطاقة الإنتاجية قد يمتد لعدة سنوات.
الأضرار التي طالت وحدات معالجة الغاز ومحطات تحويله، وما سينتج عنها من توقف إنتاج يُقدّر بـ12.8 مليون طن سنويًا لمدة تصل إلى خمس سنوات، تعني فعليًا:
تضييقًا مستمرًا في سوق الغاز العالمية
ضغطًا تصاعديًا على أسعار الطاقة في أوروبا وآسيا
وإعادة تسعير طويلة الأمد لعقود الغاز
أما في سوق النفط، فقد أدى التصعيد إلى قفزة حادة في علاوة المخاطر الجيوسياسية (Geopolitical Risk Premium)، وهو ما يفسر تجاوز خام برنت مستوى 119 دولارًا للبرميل، وارتفاع الفروقات السعرية في الخامات الشرق أوسطية (مثل دبي وعُمان) إلى مستويات غير مسبوقة قاربت 65 دولارًا.
هذه الفروقات المرتفعة لا تعكس فقط نقص الإمدادات، بل تعكس أيضًا:
ارتفاع تكلفة التأمين والشحن
مخاطر تعطّل سلاسل التوريد
واحتمالات إغلاق أو تهديد مضيق هرمز
وهي عوامل تؤدي إلى ما يُعرف بـ”تجزئة السوق النفطية” (Market Fragmentation)، حيث تختلف الأسعار بشكل حاد حسب مناطق الإمداد.
في المقابل، اللافت في المشهد هو التراجع الحاد في أسعار الذهب، رغم تصاعد المخاطر الجيوسياسية، وهو سلوك يبدو للوهلة الأولى متناقضًا مع كونه ملاذًا آمنًا.
إلا أن هذا التراجع يمكن تفسيره ضمن إطار هيمنة السياسة النقدية، حيث أدى:
ارتفاع الدولار
وصعود عوائد سندات الخزانة الأميركية
إلى تقليص جاذبية الأصول غير المدرة للعائد مثل الذهب، في ظل توقعات باستمرار التشديد النقدي من قبل الاحتياطي الفيدرالي.
بالتالي، نحن أمام حالة نادرة تتقاطع فيها:
صدمة عرض تضخمية (من الطاقة)
مع سياسة نقدية انكماشية
وهو مزيج يعيد إلى الأذهان سيناريو “الركود التضخمي” (Stagflation).
الاقتصاد العالمي يدخل مرحلة إعادة تسعير شاملة للمخاطر، حيث لم تعد الأسواق تتعامل مع الحرب كحدث جيوسياسي عابر، بل كعامل مهيكل يعيد تشكيل أسواق الطاقة، ويضغط على النمو العالمي، ويقيد قدرة البنوك المركزية على المناورة.




