منذ أواخر ديسمبر/كانون الأول الماضي، تعيش إيران واحدة من أعقد موجات الاضطراب الداخلي في تاريخها الحديث، ليس فقط بسبب حجم الاحتجاجات أو أعداد الضحايا، بل بسبب الاشتباك المفتوح بين الرواية الرسمية والأرقام المعارضة، في ظل عزل رقمي شبه كامل يعقّد التحقق المستقل مما يجري داخل البلاد.
في بيانه الثالث منذ اندلاع الاحتجاجات، قدّم الحرس الثوري الإيراني توصيفًا حاسمًا للأحداث، واصفًا إياها بأنها «فتنة منظمة» شاركت فيها أجهزة استخبارات تابعة لعشر دول “معادية”، واتهمها بالسعي إلى زعزعة الاستقرار عبر العنف والتخريب وحملات تضليل إعلامي منسقة. هذه الصيغة لا تمثل مجرد توصيف أمني، بل إطارًا سياسيًا متكاملًا تسعى من خلاله المؤسسة العسكرية–الأمنية إلى نزع الطابع الشعبي عن الاحتجاجات، وإعادة تعريفها كتهديد خارجي.
«التعامل الحازم»: أرقام بلا شفافية
وفق البيان، نفذت الأجهزة الأمنية ما وصفته بـ«تعامل حازم وموجّه»، شمل توقيف أو استدعاء 735 شخصًا قالت إنهم مرتبطون بشبكات معادية، إضافة إلى استدعاء نحو 11 ألف شخص من «العناصر الهشّة والمعرّضة للاستغلال»، في تعبير فضفاض يفتح الباب أمام تساؤلات حول معايير التصنيف والضمانات القانونية.
كما أعلن الحرس ضبط 743 قطعة سلاح غير مرخّصة، في محاولة لإثبات «الطابع المسلح» لبعض التحركات. غير أن البيان لم يوضح أماكن الضبط، ولا طبيعة الاستخدام، ولا مدى ارتباط هذه الأسلحة بالاحتجاجات نفسها، وهو نمط مألوف في البيانات الأمنية التي تقدّم الاستنتاج قبل الأدلة.
أرقام القتلى: فجوة الروايات
التناقض الأبرز يظهر في ملف الخسائر البشرية.
فبحسب وكالة نشطاء حقوق الإنسان في إيران (هرانا)، بلغت حصيلة القتلى 5002 أشخاص، بينهم 201 من عناصر الأمن، إضافة إلى توقيف أكثر من 26 ألف شخص.
في المقابل، أعلنت السلطات الإيرانية، نقلًا عن هيئة الطب الشرعي، مقتل 3117 شخصًا، مؤكدة أن الغالبية العظمى سقطوا نتيجة «هجمات إرهابية مسلحة»، وأن جزءًا من المحتجين قُتلوا على يد «عناصر إرهابية خلال المظاهرات».
هذا التباين لا يعبّر فقط عن اختلاف تقدير، بل يعكس صراعًا على تعريف الضحية والفاعل:
المعارضة ترى قمعًا واسعًا لحراك شعبي.
الدولة ترى حربًا أمنية ضد شبكات تخريب مسلحة.
غياب آلية تحقيق مستقلة داخل البلاد يجعل من المستحيل حسم الرواية، ويحوّل الأرقام نفسها إلى سلاح سياسي.
الإنترنت المقطوع: التحكم بالمشهد لا بالواقع
تتزامن هذه الروايات المتضاربة مع أطول انقطاع شبه كامل للإنترنت الدولي في إيران منذ سنوات. فقد أفادت منظمة NetBlocks بأن البلاد دخلت أسبوعها الثالث من العزل الرقمي، مع مؤشرات على محاولات تقنية لإظهار عودة وهمية للاتصال دون إتاحة وصول فعلي إلى الشبكة العالمية.
هذا الانقطاع لا يخدم فقط إعاقة التواصل، بل يؤدي وظيفة أعمق: إدارة الرواية ومنع تشكّل سرديات بديلة. ففي غياب الصور، والشهادات الحية، والبيانات المستقلة، تصبح الرواية الرسمية هي المصدر شبه الوحيد، مهما كانت هشاشتها.
من الداخل إلى الخارج: التصعيد المحسوب
في موازاة الداخل المضطرب، صعّد قائد الحرس الثوري الجنرال محمد باكبور لهجته تجاه الولايات المتحدة، محذرًا من أن إيران «تضع إصبعها على الزناد». يأتي ذلك بالتزامن مع إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب تحرّك أسطول عسكري باتجاه الخليج، مع تأكيده في الوقت نفسه أن واشنطن لا تزال منفتحة على الحوار.
هذا التوازي ليس مصادفة؛ إذ تسعى طهران إلى ربط الاحتجاجات بالضغط الخارجي، وتحويل الأزمة الداخلية إلى ملف سيادي–أمني، ما يسمح بتبرير القبضة الأمنية، ويعيد تعبئة القاعدة المؤيدة تحت شعار «الدفاع عن الدولة».
حقوق الإنسان: تدويل الأزمة أم تحصين النظام؟
دوليًا، يعقد مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة جلسة طارئة لمناقشة ما وُصف بـ«العنف المثير للقلق» في قمع الاحتجاجات، مع مساعٍ لتوسيع تفويض لجنة تحقيق أممية قائمة منذ عام 2022. وترفض طهران هذه الخطوة بشدة، معتبرة أنها «تسييس للملف الحقوقي».
غير أن رفض التدويل لا يرافقه فتح داخلي للمساءلة أو التحقيق الشفاف، ما يعمّق الشكوك الدولية، ويضع إيران في مأزق مزدوج: رفض الرقابة الخارجية دون تقديم بديل داخلي موثوق.
ما الذي تكشفه الأزمة فعلًا؟
بعيدًا عن تبادل الاتهامات، تكشف هذه الاحتجاجات عن أزمة أعمق تتجاوز الأمن والاقتصاد، وهي أزمة ثقة بين الدولة وشرائح واسعة من المجتمع. فحين تصبح كل معارضة «فتنة»، وكل احتجاج «مؤامرة»، تفقد الدولة قدرتها على التمييز بين الخطر الحقيقي والاحتقان الاجتماعي.
في المقابل، فإن عسكرة الخطاب، وتضخيم التهديد الخارجي، وقطع الإنترنت، قد تنجح في إخماد الشارع مؤقتًا، لكنها لا تعالج الأسباب البنيوية التي فجّرت الاحتجاجات أصلًا.
ما يجري في إيران اليوم ليس مجرد موجة احتجاجات، ولا مجرد حملة أمنية، بل اختبار حاسم لقدرة النظام على إدارة التعدد والاحتقان دون اللجوء الدائم إلى منطق الطوارئ.
وبين رواية «الفتنة المنظمة» وأرقام الضحايا المتضاربة، يبقى السؤال مفتوحًا:
هل نجحت الدولة في حماية الاستقرار، أم أنها عمّقت الشرخ الذي تخشى انفجاره مجددًا؟



