في خضمّ حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة، وبينما تتكدّس صور الدمار والقتل والنزوح في الوعي العالمي، اختار وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير أن يوجّه عدسته إلى مكان آخر: السجون. ظهر بن غفير في مشاهد مصوّرة وهو يصرخ في وجه أسرى فلسطينيين، ملوّحًا بالانتقام، ومؤكدًا أن “من قتل أولادنا ونساءنا سنمحوه من التاريخ”.
هذه اللقطة لم تكن عفوية، ولا زلة خطابية في لحظة توتر، بل فعلًا محسوبًا بعناية، يحمل دلالات سياسية ونفسية تتجاوز الظرف الآني. فهي تكشف عن نمط سلوكي متكرر لدى الرجل، وعن تحوّل أعمق في بنية السلطة الإسرائيلية نفسها، حيث لم يعد التطرف يُدار من الخلف، بل يُستعرض علنًا من موقع القرار.
لماذا يستعرض الجلاد قوته على الضعفاء؟
من الناحية السياسية البحتة، لا تضيف زيارة وزير للأسرى قيمة أمنية حقيقية. الأسرى تحت السيطرة، بلا سلاح ولا نفوذ. لكن من الناحية النفسية، فإن المشهد يكتسب معنى آخر: السلطة حين تشعر بالتهديد، تبحث عن مسرح آمن لاستعراض قوتها.
هنا، يصبح السجين العاري من القوة “موضوعًا مثاليًا” لإعادة إنتاج إحساس السيطرة. فالصراخ، والتهديد، والإذلال ليست أدوات ردع، بل أدوات طمأنة للجلاد نفسه، قبل أن تكون رسالة للآخرين.
هذا ما يفسّره عالم النفس العربي مصطفى حجازي في تحليله لسيكولوجية الجلاد، حيث يرى أن الجلاد لا يمارس العنف فقط لإخضاع الضحية، بل لإسكات قلقه الداخلي، وتعويض شعوره العميق بالهشاشة واللايقين. العنف هنا ليس وسيلة، بل غاية نفسية.
نزع الإنسانية: الشرط الأول للتعذيب
لا يمكن أن يتحول التعذيب إلى ممارسة روتينية دون عملية ذهنية تسبقها: نزع إنسانية الضحية. في الخطاب الذي يستخدمه بن غفير، لا يظهر الفلسطيني كإنسان، بل كتهديد مجرد، ككتلة شرّ مطلقة، كخطر يجب محوه.
هذا النمط ليس فرديًا، بل جزء من منظومة خطابية أوسع داخل المجتمع الإسرائيلي، أعادت هندسة الوعي الجمعي تجاه الفلسطيني بوصفه “آخرًا غير قابل للتعايش”. حينها، يصبح التعذيب فعلًا إداريًا، والقتل إجراءً أمنيًا، والإبادة “دفاعًا عن النفس”.
من التطرف الاجتماعي إلى الشر المؤسسي
ما يميّز حالة بن غفير ليس تطرفه بحد ذاته، بل انتقال هذا التطرف من الهامش إلى المركز. فالرجل الذي كان في التسعينيات رمزًا للانفلات اليميني، والملاحق بعشرات لوائح الاتهام، والممنوع من الخدمة العسكرية، بات اليوم وزيرًا مسؤولًا عن الشرطة والسجون.
هذا التحول لا يعكس “توبة سياسية”، بل يكشف عن تحوّل في المجتمع الإسرائيلي نفسه. فالتطرف لم يعد عبئًا انتخابيًا، بل رأس مال سياسي. الخطاب الذي كان يُعتبر فاشيًا أصبح مقبولًا، بل مطلوبًا، طالما أنه يخاطب مخاوف الجمهور ويعده بالقوة والحسم.
في هذا السياق، يصبح بن غفير تعبيرًا عن لحظة تاريخية، لا مجرد شخصية شاذة. إنه نتيجة مباشرة لتطبيع العنف، وتحويل القسوة إلى قيمة، والانتقام إلى برنامج سياسي.
السلطة، والطاعة، وتجريد المسؤولية
تُظهر دراسات علم النفس الاجتماعي أن البشر أكثر استعدادًا لارتكاب العنف حين يشعرون أن المسؤولية موزعة، أو أن الفعل صادر “باسم السلطة”. في حالة بن غفير، لا يكتفي الرجل بممارسة العنف الرمزي، بل يمنح الغطاء المؤسسي للعنف المادي داخل السجون.
حين يرى السجّان أن الوزير نفسه يصرخ ويهدد ويشاهد التعذيب، فإن الرسالة واضحة: هذا السلوك ليس مسموحًا فقط، بل مرغوب فيه. وهنا يتحول الانتهاك من فعل فردي إلى سياسة غير معلنة، ومن تجاوز إلى معيار.
عقدة الإقصاء والبحث عن التفوق
لا يمكن إغفال الخلفية الاجتماعية لبن غفير بوصفه من اليهود الشرقيين (المزراحيم)، وهي فئة عانت تاريخيًا من التهميش داخل البنية الصهيونية التي هيمن عليها اليهود الأشكناز. هذا الإرث من الإقصاء لا يبرر العنف، لكنه يفسّر جانبًا من السلوك: السعي المحموم لإثبات التفوق عبر قهر الأضعف.
في علم النفس السياسي، كثيرًا ما يتحول الإحساس التاريخي بالظلم إلى عدوان موجّه نحو “آخر أدنى”، لا نحو البنية التي مارست الإقصاء أصلًا. وهكذا، يصبح الفلسطيني هو المساحة التي يُعاد فيها إنتاج القوة المفقودة.
ما الذي تكشفه اللقطة فعلًا؟
على عكس ما أراده بن غفير، فإن صراخه في السجون لا يعكس قوة، بل فشلًا بنيويًا. فالقوة الواثقة لا تحتاج إلى الاستعراض، والسلطة المستقرة لا تصرخ في وجوه المقيّدين. هذه اللقطات تكشف عن خوف عميق من فقدان السيطرة، وعن قلق وجودي يعجز الخطاب المتطرف عن إخفائه.
الأخطر أن هذه الممارسات، حين تُكافأ شعبيًا وسياسيًا، تدفع المجتمع بأكمله نحو مزيد من الانغلاق والتوحش، وتؤسس لدورة عنف لا تنتهي، يكون ثمنها في النهاية أخلاقيًا وإنسانيًا قبل أن يكون سياسيًا.
إيتمار بن غفير ليس استثناءً في النظام الإسرائيلي، بل مرآة صادقة له في لحظة انكشاف. ما نراه ليس انحراف فرد، بل تجلّي منظومة ترى في القسوة فضيلة، وفي الإذلال سياسة، وفي نزع إنسانية الآخر شرطًا للبقاء.
وحين تصل سيكولوجية الجلاد إلى رأس السلطة، لا يعود السؤال: ماذا يفعل بن غفير؟
بل يصبح السؤال الأخطر: أي مجتمع يسمح لهذا النموذج أن يحكم باسمه؟




